الرضا والنور


{ وَأَشْرَقَتْ الْأَرْض بِنُورِ رَبّهَا }
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخولالمجلة
منتديات الرحمة والمغفرة على منهج اهل السنة والجماعة
( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِالله ) . نداء إلى أنصار رسول الله "صلى الله عليه وسلم "أنضم الينا لنصرة رسولنا من خلال منتديات " الرحمة والمغفرة ". لزوارنا الاعزاء ومن يرغب بالتسجيل بمنتدانا . بادر وسجل نفسك بالمنتدى لنشرالإسلام .مديرة الموقع / نبيلة محمود خليل . أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم ..
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة

شاطر | 
 

 الإعـجاز التاريخـي

اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2
كاتب الموضوعرسالة
نبيل خليل
عضو جديد


عدد المساهمات : 91
تاريخ التسجيل : 30/07/2011

مُساهمةموضوع: الإعـجاز التاريخـي    الأحد سبتمبر 25, 2011 2:43 am

تذكير بمساهمة فاتح الموضوع :

(سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المَسْجِدِ
الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ
آيَاتِنَا ُ.... * )ب
بقلم : د زغلول النجار - التاريخ : 2011-05-31

تم تم تم نبيلة


بسم الله الرحمن الرحيم


من أسرار القرآن:


383 ب- (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المَسْجِدِ
الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ
آيَاتِنَا ُ
.... * )

( الإسراء : 1
).



بقلم

الأستاذ الدكتور/ زغلول راغب النجار


من الدروس المستفادة من رحلة الإسراء والمعراج ما يلي
:


أولا: الإيمان بطلاقة القدرة الإلهية التي لا تحدها حدود والتي
أسرت برسول الله- صلى الله عليه وسلم- من مكة المكرمة إلى بيت المقدس, ثم عرجت به
إلى سدرة المنتهى عبر السموات السبع, ثم أعادته إلى بيت المقدس ليصلي إماما بجميع
أنبياء الله تأكيدا لمقامه -صلى الله عليه وسلم- ثم رجعت به إلى بيته في مكة
المكرمة ليجد فراشه لا يزال دافئا. فقد أوقف الله- تعالى- له الزمن , وطوى المكان ,
ولا يقدر على ذلك إلا رب العالمين. وهنا يجدر التأكيد على أن كلا من الزمان والمكان
هو من خلق الله, وأن الله- تعالى- قادر على إيقاف الزمن, وعلى طي المكان لمن يشاء
من عباده.


ولكي ندرك ضخامة هذه المسافات أذكر: أن أبعد نجم أدركه الفلكيون
في السماء الدنيا يبعد عنا مسافة تقدر بحوالي 36 بليون سنة ضوئية, والسنة الضوئية
تقدر بنحو (9,5 مليون مليون كم). بمعنى أنه لو فرضنا جدلا أن الإنسان تمكن من صنع
مركبة فضائية تتحرك بسرعة الضوء (وهذا مستحيل) فإنه سوف يحتاج إلى 36 بليون سنة
ليصل إلى آخر ما نرى من نجوم السماء الدنيا. فما بالنا بست سموات فوق ذلك إلى سدرة
المنتهى, حيث شرف المصطفى- صلى الله عليه
وسلم- بالمثول بين يدي ربه, وتلقى منه الأمر بخمس صلوات في اليوم والليلة.


ثانيا: الإيمان بأن الله –تعالى- الذي خلق كلا من المادة
والطاقة, والمكان والزمان, هو فوق ذلك كله, ومنزه عن جميع صفات خلقه, وعن كل وصف لا
يليق بجلاله, فلا تحده حدود أي من المكان أو الزمان, ولا حدود أي من المادة أو
الطاقة, وهو- تعالى- قادر على إفناء خلقه وعلى إعادة بعثه.


ثالثا: التأكيد على مقام رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عند رب
العالمين , فهو أحب خلق الله إلى الله- تعالى-, ولذلك أوصله إلى مقام من السماء لم
يصل إليه غيره من البشر, ووضعه على رأس سلسلة الأنبياء والمرسلين, وهو خاتمهم
أجمعين, ولذلك صلى بهم إماما في القدس الشريف تأكيدا على مقامه عند رب العالمين,
وعلى نسخ شريعته الخاتمة لجميع شرائعهم. وفي ذلك إشارة إلى من يدعون إتباع نبي من الأنبياء السابقين إلى ضرورة الإيمان
بهذا النبي الخاتم, وبالقرآن الكريم الذي
أوحى إليه واتباع الدين الذي جاء به, كما تبعه جميع أنبياء الله ورسله في الصلاة
بالمسجد الأقصى, إعلانا بعموم رسالته التي اكتمل بها الدين, وتمت بها النعمة التي
أصبحت واجبة على الخلق
أجمعين.


رابعا: الإشارة إلى ضرورة الإيمان بوحدة رسالة السماء, وبالأخوة بين
الأنبياء, وبين الناس جميعا, وهي قيم إسلامية أكدتها إمامة رسول الله- صلى الله
عليه وسلم- لجميع أنبياء الله ورسله في الصلاة بهم بالمسجد الأقصى وعالم اليوم المضطرب بالعديد من الفتن
والمظالم, والغارق في بحار من الدماء والأشلاء, والذي يعاني من الإفساد والخراب
والدمار في كل مجال, ما أحوجه إلى استعادة هذه القيم الربانية السامية من
جديد!!

خامسا: التأكيد على حرمة كل من مكة المكرمة وبيت المقدس.
فعن أبي ذر- رضي الله عنه- أنه قال: سألت رسول الله- صلى الله عليه
وسلم-: أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال "المسجد الحرام" قلت ثم أي, قال: "المسجد
الأقصى" قلت: كم كان بينهما ؟ قال: أربعون سنة " ( رواه كل من البخاري ومسلم
وأحمد).

وكل من الكعبة المشرفة والمسجد
الأقصى قد تم بناؤه قبل خلق الإنسان ببلايين السنين ومن هنا كانا مكانين لمن يعبد
الله- تعالى- وحده (بغير شريك, ولا شبيه, ولا منازع, ولا صاحبة ولا ولد). ولا يمكن
نسبة أي منهما إلى دين غير دين الإسلام وهو الدين الوحيد الذي يؤمن أتباعه بجميع
أنبياء الله ورسله دون أدنى تفريق, ولذلك لا يرتضي ربنا- تبارك وتعالى- من عباده
دينا سواه. فقد أنزل الله أبوينا آدم وحواء في مكة المكرمة ثم جاء من نسلهما عدد من
الأنبياء الذين أسكنهم الله- تعالى- في
أرض فلسطين, وأمر إبراهيم- عليه السلام- أن يضع زوجه هاجر ورضيعها إسماعيل في مكان
البيت حتى يأتي من نسله خاتم الأنبياء والمرسلين- صلى الله عليه وسلم- ليلتقي أول
النبوة بخاتمها, ثم يسري بخاتم أنبيائه من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى تأكيدا
على حرمة هذين المكانين.

سادسا: التأكيد على فضل الصلاة التي فرضت من الله- تعالى- مباشرة إلى
خاتم أنبيائه ورسله- صلى الله عليه وسلم- وهي على ذلك تعتبر معراج المسلم إذا أدى
حقها بالخشوع والاطمئنان المطلوبين, حتى يستشعر لذة مناجاة الله في الصلاة, كما
أصبح السعي إليها في صلاة العشاء والفجر يمثل مسرى رسول الله- صلى الله عليه وسلم-,
ومن هنا كانت آخر ما أوصى به رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قبل وفاته.

سابعا: الإيمان بوقوع معجزة
"الإسراء والمعراج" بالجسد والروح
معا, وفي حالة من اليقظة الكاملة والتأكيد على صدق جميع المرائي التي رآها رسول
الله- صلى الله عليه وسلم- طيلة هذه المعجزة؛ وكان منها بعث للأنبياء والمرسلين
السابقين ولقائهم به, وحديثهم معه, والله على كل شئ قدير.

وكان من هذه المرائي: المكرمون من أهل الجنة في الجنة والمجاهدون
(يزرعون في يوم ويحصدون في يوم), وبلال مؤذن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وماشطة
بنت فرعون وأولادها (يعبقون بريح المسك).

وكان منها النار وخزنتها والمعذبون فيها, ومنهم: الدجال والمتثاقلون عن
الصلاة (ترضخ رءوسهم بالحجارة), ومانعوا الزكاة (يأكلون الزقوم وعلى أدبارهم
وإقبالهم رقاع تفضحهم), والزناة: (يتركون اللحم النضج الطيب, ويأكلون اللحم النيئ,
النتن, والنساء الزانيات معلقات بصدورهن), وقاطعو الطريق, ومضيعو الأمانة, وخطباء
الفتنة ( تقرض ألسنتهم وشفاههم بمقارض من حديد , وكلما قرضت عادت), وأصحاب الكلام
الفاحش (على هيئة الثور الذي يخرج من جحر فلا يستطيع العودة فيه), وأكلة أموال
اليتامى (يلقمون الجمر في أفواههم فيخرج من دبرهم), والمغتابون (لهم أظفار من نحاس
يخدشون بها صدورهم ووجوههم ويقطع من جنوبهم اللحم فيلقمونه), والذين خلطوا عملا
صالحا وآخر سيئا, وعاقر ناقة صالح, والكذابون: (بيد كل واحد منهم كلوب من حديد
يدخله في شدقه حتى يبلغ قفاه, ثم يخرجه, ويفعل بشدقه الآخر مثل ذلك, وكلما التأم
شدقه عاد فيكرر فعله ), ومنهم أكلة الربا (والحيات في
بطونهم).

وقد يسأل سائل كيف كان ذلك والساعة لم تقم بعد؟ والموتى لم يبعثوا بعد ؟
وهنا يأتي التأكيد بأن الحاضر والماضي والمستقبل كله عند الله حاضر, والله- تعالى-
قادر على أن يطلع من يصطفي من عباده عليه, وأن كلا من حدود الزمان والمكان من خلق
الله, يحد بهما المخلوقين, والله- سبحانه وتعالى-
قادر على طيهما أو إلغائهما تماما , والتسليم بضخامة الكون وبتعاظم
أبعاده.

ثامنا: الإيمان بالغيوب المطلقة التي أخبر عنها القرآن الكريم, ومنها
الإيمان بالله, وملائكته, وكتبه ورسله, وبحتمية الآخرة, وما فيها من الحساب
والجزاء, والجنة والنار, والميزان والصراط.

تاسعا: التأكيد على أن الابتلاءات هي من سنن أصحاب الدعوات في كل زمان
ومكان, وأنها من وسائل التطهير والتزكية للنفس الإنسانية, وعلى ذلك فإنه يجب على
المسلم ضرورة الالتجاء إلى الله- تعالى- في كل شدة, واليقين بأنه إذا انقطعت حبال
الناس فإن حبل الله المتين لا ينقطع أبدا ما دام العبد متوكلا على الله حق التوكل,
وأنه ليس بعدالعسر إلا اليسر. ونحن نرى ذلك في التكريم العظيم الذي لقيه رسول الله-
صلى الله عليه وسلم- في رحلة الإسراء والمعراج, والتي أكرمه الله- نعالى- بها بعد
عام الحزن الذي كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قد فقد فيه كلا من زوجه أم
المؤمنين السيدة خديجة- عليها رضوان الله-
وعمه أبو طالب, فاشتدت وطأة كفار ومشركي قريش عليه حتى أخرجوه من مكة, فلجأ
إلى أهل الطائف طالبا التأييد منهم حتى يبلغ دعوة الله, فردوه ردا غير جميل أغروا
به جهالهم الذين أدموا قدميه الشريفين, فوقف في الطريق بين الطائف ومكة يناجي ربه
بمناجاة تهز القلب والعقل معا. ثم دخل مكة بجوار (أي في حماية) أحد كبار مشركيها.
وبعد كل هذه المعاناة جاءت معجزة الإسراء والمعراج تكريما وتشريفا خاصين له- صلى
الله عليه وسلم- من دون الخلائق, ليطلعه ربه- تبارك وتعالى- على عوالم من الغيب لم
يرها غيره من البشر, بما في ذلك الأنبياء والمرسلون الدين بعثهم الله- تعالى- جميعا
لمبايعته على إمامته لهم.

عاشرا : التحذير من مخاطر المفاسد السلوكية على الإنسان, أفرادا
ومجتمعات, وعلى شدة العقوبة عليها في الدنيا قبل الآخرة تحريما لها, ومنعا للوقوع
فيها. فقد شاهد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من المرائي في رحلة المعراج ما يفزع
كل عاقل من الوقوع في أي منها, فقد رأى عقوبات عدد من الجرائم مثل الزنا, ومنع
الزكاة, والوقوع في الغيبة والنميمة, وأكل أموال اليتامى ظلما, وأكل الربا, وأكل
أموال الناس بالباطل, كما رأى عقاب خطباء الفتنة, وجزاء تضييع الأمانة, وغير ذلك من
الجرائم التي قد يقع فيها كثير من الناس. ولو أدركوا هول العقاب على كل جريمة من
هذه الجرائم ما وقعوا فيها أبدا.

كذلك رأى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أثناء عروجه في السموات العلى بعض ثواب
المجاهدين في سبيل الله الذين تضاعف لهم حسناتهم إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف
كثيرة... والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم.

حادي عشر: التسليم بأن المعجزات هي خوارق للسنن , وبالتالي فإن العقل
البشري لا يستطيع تفسيرها , وعلى كل من المسلم والمسلمة الإيمان بما جاء عن تلك
المعجزات في كل من كتاب الله وسنة رسوله دون محاولة تفسيرها بإمكانات العقل البشري
المحدودة .

هذه بعض الدروس المستفادة من رحلة الإسراء والمعراج, وهي بالإضافة إلى
كونها معجزة كونية, فإنها تبقى أعظم حدث في تاريخ البشرية.







من جوانب الإعجاز العلمي في وصف القرآن الكريم لرحلة الإسراء والمعراج:


1- الدقة المطلقة في التسمية : فالإسراء هو السفر بالليل , والمعراج هو
الصعود في السماء في خطوط متعرجة, وذلك لأن جميع صور المادة والطاقة لا يمكنها
التحرك في خطوط مستقيمة في السماء لتباين جذب الأجرام السماوية المختلفة لها
.

2- اختيار الأماكن بدقة بالغة بين مكة المكرمة, ويثرب, وبيت المقدس
والربط بين قدسيتها, وهو ربط يؤكد وحدة رسالة السماء, والأخوة بين الأنبياء, مما
يفرض على جميع المسلمين حماية هذه المقدسات من مطامع الطامعين, وهمجية ووحشية أعداء
الدين.

3- تعاظم المسافات التي قطعها المصطفى- صلى الله عليه وسلم- في رحلة
الإسراء والمعراج مما يؤكد على طي المكان وإيقاف الزمان له, والله- تعالى- على كل
شئ قدير.

4- تعاظم القوة اللازمة للإفلات من جاذبية الأرض, وعدم توافر الوسائل
المعينة على ذلك في زمن يتقادم بأكثر من ألف وأربعمائة سنة عن زماننا الراهن, مما
يؤكد على ضخامة المعجزة.

5- حماية رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من المخاطر التي تواجه الفرد
العادي عند ريادة الفضاء من التباين الهائل في درجات كل من الحرارة, والضغط, وتناقص
نسبة الأكسجين, وتزايد نسب الغازات الخاملة, ومخاطر كل من الأشعات الكونية, والشهب,
والنيازك, وظلمة الكون, وما لا نعرفه غير
ذلك من المخاطر. ووقوع الإسراء والمعراج بالجسد والروح,وفي حالة من اليقظة
الكاملة وسط كل هذه المخاطر يمثل أعظم المعجزات التي مرت في تاريخ البشرية على
الإطلاق.

6- بعث جميع الأنبياء السابقين وأصحاب المرائي التي رآها رسول الله- صلى
الله عليه وسلم- قبل القيامة الكبرى والحساب, مما يثبت أن الله- تعالى- على كل شيء
قدير.


7- التأكيد على وحدة رسالة السماء, وعلى الأخوة بين الأنبياء- صلى الله
وسلم وبارك عليهم أجمعين- وذلك بائتمامهم بخاتمهم أجمعين في الصلاة ببيت المقدس مما
يثبت اكتمال الدين , وإتمام النعمة ببعثته- صلى الله عليه وسلم- ويؤكد مقامه عند رب
العالمين.


هذه بعض الملامح عن معجزة "الإسراء والمعراج" والتي يجب معاودة
استذكارها في هذه المناسبة الكريمة ليعرف المسلمون شيئا عن طلاقة القدرة الإلهية
التي لا تحدها حدود, كما يعلمون شيئا عن مقام رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الذي
ختم الله- تعالى- ببعثته الشريفة سلسلة النبوات كما ختم برسالته كل رسالات السماء
ولذلك تعهد بحفظها فحفظت على مدى أربعة عشر قرنا أو يزيد. فصلى الله وسلم وبارك على
سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين, اللهم آمين,
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

كاتب الموضوعرسالة
نبيلة محمود خليل
Admin


عدد المساهمات : 884
تاريخ التسجيل : 20/08/2010

مُساهمةموضوع: رد: الإعـجاز التاريخـي    الأربعاء سبتمبر 28, 2011 6:08 am

وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾

هذا النص القرآني الكريم جاء في بداية العشر الثاني من سورة البقرة‏,‏
وهي سورة مدنية‏,‏ وآياتها مائتان وست وثمانون‏(286)‏ بعد البسملة‏,‏ وهي أطول سور
القرآن الكريم علي الإطلاق‏,‏ ويدور محورها الرئيسي حول قضية التشريع الإسلامي‏.‏
وقد سبق لنا استعراض سورة البقرة‏,‏ وما جاء فيها من تشريعات‏,‏ وعقائد‏,‏
وأخبار‏,‏ وقصص‏,‏ وقواعد أخلاقية وسلوكية‏,‏ وإشارات كونية‏,‏ ونركز هنا علي ومضة
الإعجاز الإنبائي في النص الذي اخترناه عنوانا لهذا
المقال‏.‏
من أوجه الإعجاز الإنبائي في النص الكريم‏:‏

يقول ربنا ـ تبارك
وتعالي ـ في محكم كتابه‏:‏


﴿ وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾
‏(‏ البقرة‏:35)‏

وأكد ربنا ـ تبارك اسمه ـ علي نفس المعني في مقام آخر من القرآن الكريم
قال ـ عز من قائل‏:‏
﴿ وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ
‏(‏ الأعراف‏:19)‏
وقد اختلف المفسرون في تحديد الجنة التي أدخل إليها أبوانا آدم وحواء ـ
عليهما السلام ـ هل هي جنة المأوي المعروفة باسم جنة الخلد وهي دار جزاء وخلود‏,‏
لا يخرج داخلها منها أبدا‏,‏ أم هي جنة في الأرض أعدها الله ـ سبحانه وتعالي ـ
لهما‏,‏ وجعلها دار ابتلاء واختبار‏,‏ والواضح من الآيات القرآنية الكريمة
والأحاديث النبوية الشريفة أنها كانت جنة علي الأرض أي‏:‏ منطقة مرتفعة علي هيئة
ربوة تعلو ما حولها‏,‏ زاخرة بالأشجار المثمرة‏,‏ ذات الظلال الوارفة‏,‏ والنضرة
والبهجة الدائمة‏,‏ ولذلك وصفها ربنا ـ تبارك وتعالي ـ موجها الخطاب إلي أبينا آدم
ـ عليه السلام ـ قائلا له‏:‏

﴿ إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَى . وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَى (‏طه‏:119,118)‏
هذا بالإضافة إلي أن الجنة التي أسكنها آدم وحواء تم تكليفهما فيها ألا
يأكلا من شجرة معينة‏,‏ وابتليا فيها بذلك‏,‏ والأرض هي دار الابتلاء‏,‏ وجنة الخلد
هي دار الجزاء التي وعد الله ـ تعالي ـ المتقين بدخولها في الآخرة‏,‏ وهي ليست دار
ابتلاء‏.‏كذلك فإن إبليس دخل علي أبوينا آدم وحواء جنتهما
الأرضية‏,‏ وهو محروم من الدخول إلي جنة المأوي‏,‏ وأن مجرد إخراج أبوينا آدم وحواء
من الجنة التي أسكنا فيها ينفي عنها أن تكون جنة الخلد التي لا يخرج منها من دخلها
أبدا‏.‏

والاحتجاج بتعريف‏(‏ الجنة‏)‏ التي سكنها أبوانا آدم وحواء ـ عليهما
السلام ـ لا يدل أبدا علي أنها جنة المأوي‏,‏ وذلك لأن الألف واللام هنا للتعريف‏,‏
وليسا للتعميم ويستدل علي ذلك من وصف القرآن الكريم لعدد من جنات الأرض بالتعريف‏,‏
وذلك من مثل قوله ـ تعالي‏:‏


﴿ إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الجَنَّةِ إِذْ
أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ ﴾
‏(‏ القلم‏:17)‏
وكذلك فإن الاحتجاج بأن ذكر‏(‏ الهبوط‏)‏ من الجنة التي أدخل إليها
أبوانا آدم وحواء ـ عليهما السلام ـ يمكن أن يشير إلي النزول من السماء إلي الأرض
لا سند له علي الإطلاق‏,‏ وذلك لأن الهبوط قد يكون من مرتفع علي الأرض إلي ما
دونه‏,‏ كما قد يكون هبوطا معنويا في مثل قوله ـ تعالي ـ‏:‏


(1) ﴿...‏ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ﴾ (‏البقرة‏:36)‏

‏(2)‏ ﴿ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي
هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ
وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ (‏البقرة‏:38)‏
‏(3)‏ ﴿ قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (‏الأعراف‏:24)‏
أو من السفينة إلي البر‏,‏ ودليلنا علي ذلك أقوال ربنا ـ تبارك وتعالي ـ
التي منها‏:‏


‏(1)
﴿...‏ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ ‏..‏ ومنه الآيات‏:‏

‏(2)
﴿...‏ قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ ‏.. (‏ هود‏:48)‏

ويؤكد حقيقة أرضية الجنة التي أدخلها أبوانا آدم وحواء ـ عليهما السلام
ـ أنهما خلقا من طين الأرض وللخلافة في الأرض‏,‏ ولم يرد أنهما رفعا إلي السماء‏,‏
وفي ذلك يقول ربنا ـ تبارك وتعالي‏:‏


‏(1)
﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ
خَلِيفَةً
‏(‏ البقرة‏:30).‏

(2)
﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ
‏(‏ السجدة‏:7).‏

‏(3)‏ ﴿
إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين
(‏ ص‏:71).‏

ويؤكد ذلك أيضا من أقوال المصطفي ـ صلي الله عليه وسلم ـ قوله الشريف‏:‏
إن الله ـ تعالي ـ خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض‏,‏ وجاء بنو آدم علي قدر
الأرض‏:‏ فجاء منهم الأحمر‏,‏ والأبيض‏,‏ والأسود‏,‏ وبين ذلك‏,‏ والسهل والحزن‏,‏
والخبيث والطيب‏(‏ أخرجه من أئمة الحديث‏:‏ أحمد‏,‏ وأبو داود‏,‏ الترمذي‏,‏
والبزار‏,‏ وابن حبان‏).‏

ليس هذا فقط‏,‏ بل إن هناك من أقوال ربنا ـ تبارك
وتعالي ـ ما يشير إلي أن جنة الخلد ستكون في الأرض الجديدة التي سوف تتبدل عن أرضنا
الحالية وسوف تحتوي كل ذراتها بالكامل وذلك من مثل آياته ـ تعالي ـ‏:‏


*‏
﴿
وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾
(‏آل عمران‏:133).‏
*‏
﴿
قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ ‏(‏ الأعراف‏:25).‏

*‏
﴿
يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ
(‏إبراهيم‏:48).‏
‏*‏

﴿
مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى
(‏طه‏:55).‏
‏*‏
﴿
وَقَالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ
فَنِعْمَ أَجْرُ العَامِلِينَ

(‏الزمر‏:74).
‏*‏
﴿ سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن
يَشَاءُ
وَاللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ (‏الحديد‏:21).‏
‏*‏ ﴿ وَاللَّهُ أَنْبَتَكُم مِّنَ الأَرْضِ نَبَاتاً . ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً
(‏نوح‏:17,18).‏
كل هذه الأدلة تؤكد أن الجنة التي سكنها أبوانا آدم وحواء ـ عليهما
السلام ـ كانت ربوة مرتفعة علي الأرض ذات أشجار نضرة‏,‏ وثمار يانعة‏,‏ وظلال
وارفة‏,‏ تتوفر لهما فيها جميع حاجاتهما دون عناء أو تعب‏,‏ فلما خالفا أمر ربهما
وأكلا من الشجرة التي نهيا عنها أهبطا إلي أرض الابتلاء والنصب‏,‏ والشقاء
والتعب‏,‏ والكدر والنكد‏,‏ ولذلك قال ـ تعالي ـ‏:‏


﴿
وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ .
فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا
فِيهِ
وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ‏(‏ البقرة‏:36,35).‏

وهذا الحين هو أجل كل منهما‏,‏ وأجل كل فرد من ذريتهما إلي قيام
الساعة‏,‏ ولا يعني ذلك أبدا أنهما كانا خارجين عن حدود الأرض‏,‏ فقد خلقا منها‏,‏
وأدخلا الجنة عليها‏,‏ وأهبط بهما من تلك الجنة الأرضية هبوطا معنويا من مقومات
الرعاية الإلهية الكاملة التي لا تكلف الفرد أية مسئولية عن توفير احتياجاته
كلها‏(‏ الضرورية منها والكمالية‏)‏ إلي واقع الكدح الحقيقي من أجل توفير شيء من
تلك الاحتياجات‏,‏ وتحمل المسئولية الكاملة عن تحقيق ذلك‏,‏ لأن أبوينا آدم وحواء
مخلوقان ابتداء للحياة علي هذه الأرض‏,‏ ولذلك قال ـ تعالي ـ‏:‏


﴿...‏ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ‏..
(‏ البقرة‏:30).‏
والتجربة التي مر بها أبوانا آدم وحواء ـ عليهما السلام ـ كانت تربية
لهذين المخلوقين اللذين استخلفهما الله في الأرض‏,‏ وإعدادا لهما من أجل فهم حقيقة
رسالة الإنسان في هذه الحياة عبد الله‏,‏ يعبده ـ تعالي ـ بما أمر‏,‏ ومستخلفا في
الأرض مطالبا بعمارتها وإقامة عدل الله فيها‏,‏ كما هو مطالب بمقاومة كل محاولات
الشيطان من أجل إغوائه عن تحقيق رسالته في هذه الحياة الدنيا‏,‏ حتي تكون هذه
الحياة بحق هي دار ابتلاء للإنسان وفترة اختبار وامتحان يثبت لنفسه في نهايتها
استحقاقه بالخلود في الجنة أو في النار‏,‏ وبذلك يقيم الحجة علي نفسه بنفسه‏,‏ وإلا
فإن علم الله المحيط بكل شيء غني عن هذا الاختبار حتي يميز أهل الجنة عن أهل
النار‏.‏

من هنا كانت حكمة الله من إدخال أبوينا آدم وحواء ـ عليهما السلام
ـ في الجنة حتي يدركا شيئا من نعيمها‏,‏ ثم يعرضهما ربهما لمحاولة من إبليس من أجل
إغوائهما عن الالتزام بأوامر الله‏,‏ ثم ييسر لهما التوبة إلي الله‏,‏ والندم علي
مخالفة أمره‏,‏ ومعرفة حقيقة العدواة بين الشيطان والإنسان حتي يحتاط كل إنسان عاقل
لنفسه من غواية شياطين الجن والإنس‏,‏ ويعرف كيف يعود إلي ربه إذا غلبه الشيطان علي
نفسه‏,‏ فلا ييأس الإنسان من رحمة الله‏,‏ ويتعلم كيف ينتصر علي عدوه الأول إذا شاء
الانتصار عليه‏,‏ ويعرف مصيره إذا سمح للشيطان بالانتصار
عليه‏!!‏
وقصة أبوينا آدم وحواء ـ عليهما السلام ـ كما جاءت في كتاب
الله هي من أوجه الإعجاز الإنبائي في القرآن الكريم‏,‏ وهو إنباء غيبي لأن أيا من
بني آدم لم يشهد خلق أبويه آدم وحواء‏.‏

من هنا يتضح أن قصة خلق أبوينا آدم
وحواء ـ عليهما السلام ـ كما جاءت في القرآن الكريم لم تنقل من كتب الأقدمين‏,‏ وإن
كان بعض التشابه في القصة يؤكد أن أصلهما واحد‏,‏ وإن كان أحدهما قد تعرض للتشويه
البشري‏,‏ وبقي الآخر بروايته الربانية‏.‏ فالحمد لله علي نعمة الإسلام‏,‏ والحمد
لله علي نعمة القرآن‏,‏ والحمد لله علي بعثة خير الأنام سيدنا محمد النبي العربي‏,‏
وعلي آله وصحبه ومن تبع هداه‏,‏ ودعا بدعوته إلي يوم الدين‏,‏ وآخر دعوانا أن الحمد
لله رب العالمين‏.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alredaalnoor.0wn0.com
نبيلة محمود خليل
Admin


عدد المساهمات : 884
تاريخ التسجيل : 20/08/2010

مُساهمةموضوع: رد: الإعـجاز التاريخـي    الأربعاء سبتمبر 28, 2011 6:09 am

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ
أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الكَافِرِينَ ﴾


هذه الآية القرآنية الكريمة جاءت في بداية العشر الثاني من سورة
البقرة‏,‏ وهي سورة مدنية‏,‏ وآياتها مائتان وست وثمانون‏(286)‏ بعد البسملة‏,‏ وهي
أطول سور القرآن الكريم علي الإطلاق‏,‏ ويدور محورها الرئيسي حول قضية التشريع الإسلامي‏.‏
وقد سبق لنا استعراض سورة البقرة‏,‏ وما جاء فيها من
ركائز التشريع‏,‏ وأسس العقيدة‏,‏ وضوابط كل من الأخلاق والسلوك‏,‏ وقصص
السابقين‏,‏ ومن الإشارات الكونية والعلمية‏,‏ وغير ذلك من الأخبار‏,‏ ونركز هنا
علي ومضة الإعجاز الإنبائي الغيبي في الأمر الإلهي إلي الملائكة بالسجود لأبينا آدم
ـ عليه السلام ـ كما جاء في الآية القرآنية الكريمة التي اتخذناها عنوانا لهذا
المقال وفي أربعة مواضع أخري من كتاب الله‏.‏



من أوجه الإعجاز الإنبائي الغيبي في النص الكريم‏:‏
يقول ربنا ـ
تبارك وتعالي ـ في محكم كتابه‏:‏
﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ
إِبْلِيسَ أَبَى

وَاسْتَكْبَرَ
وَكَانَ مِنَ الكَافِرِينَ ‏(‏ البقرة‏:34)‏
وأكد ربنا ـ تبارك اسمه ـ هذا المعني في أربعة مواضع أخري من محكم كتابه
فقال‏:‏
‏(1) ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا
لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ
السَّاجِدِينَ ﴾
(‏ الأعراف‏:11).‏
‏(2)‏
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ
إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً ﴾
(‏ الإسراء‏:61)‏.
‏(3)‏
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ
إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ
أَفَتَتَّخِذُونَهُ

وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً ﴾
(‏ الكهف‏:50)‏.
‏(4)‏
﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ
إِبْلِيسَ أَبَى ﴾
(‏ طه‏:116)‏
وسجود الملائكة لأبينا آدم‏-‏ عليه السلام‏-‏ هو سجود
تكريم واحترام وتوقير‏,‏ لا سجود خضوع وعبادة وتسليم كسجود العباد لخالقهم‏-‏
سبحانه وتعالي‏-‏ وذلك لأن الله‏-‏ تعالي‏-‏ خص ذاته العلية وحده بالعبادة‏,‏ وأمر
عباده بعدم الخضوع بالسجود لغيره‏-‏ سبحانه وتعالي‏-‏ واعتبر ذلك ضربا من الشرك
بالله‏.‏
والملائكة خلق غيبي بالنسبة لنا‏,‏ سابق خلقهم لخلق الإنسان‏,‏ وصفهم
رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ بأنهم خلقوا من نور‏,‏ وذلك انطلاقا من حديث أم
المؤمنين السيدة عائشة ـ رضي الله عنها ـ أن النبي ـ صلي الله عليه وسلم ـ قال‏:‏
"خلقت الملائكة من نور‏,‏ وخلق الجان من مارج من نار‏,‏ وخلق آدم مما
وصف لكم"
‏(‏ صحيح مسلم‏).
والملائكة يصفهم القرآن الكريم بأنهم عباد الله
المكرمون‏,‏ وبأنهم هم الملأ الأعلى‏,‏ وهم السفرة‏,‏ الكرام البررة‏.‏
والإيمان
بالملائكة واجب إسلامي لقول ربنا‏-‏ تبارك وتعالي‏:‏
﴿ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ
وَكُتُبِهِ
وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ
وَقَالُوا سَمِعْنَا
وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المَصِيرُ ﴾ (‏ البقرة‏:285).‏
ويؤكد ذلك قوله ـ سبحانه وتعالي‏:
﴿ ...
وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ
وَمَلائِكَتِهِ
وَكُتُبِهِ
وَرُسُلِهِ
وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً ﴾ (‏ النساء‏:136).‏
ويصف القرآن الكريم الملائكة بقول ربنا ـ تبارك
وتعالي‏:‏
﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِن دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ
وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ * يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾‏ (‏ النحل‏:50,49),‏ ويقول ربنا ـ تبارك وتعالي‏:‏ ﴿ وَلَهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ
وَالأَرْضِ
وَمَنْ عِندَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ
وَلاَ
يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ ﴾ (‏ الأنبياء‏:20,19).‏
ويضيف القرآن الكريم في وصف الملائكة قول
ربنا ـ تبارك وتعالي‏:‏
الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلاً أُوْلِي أَجْنِحَةٍ
مَّثْنَى

وَثُلاثَ
وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ
شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
( فاطر‏:1).‏
ويؤكد القرآن الكريم الطاعة الفطرية لله في الملائكة
بقول ربنا ـ تبارك وتعالي ـ عنهم بأنهم‏:
﴿...لاَّ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ (‏ التحريم‏:6)‏
والأمر الإلهي للملائكة بالسجود لأبينا آدم ـ عليه
السلام ـ وجميع ذريته إلي قيام الساعة موجودة في صلبه هو إعلان من الله ـ تعالي ـ
بتكريم الإنسان‏,‏ ذلك المخلوق المكرم الذي خلقه الله ـ سبحانه وتعالي ـ بيديه‏,‏
ونفخ فيه من روحه‏,‏ وعلمه من علمه‏,‏ وأسجد له الملائكة‏,‏ وفضله علي كثير ممن خلق
تفضيلا‏,‏ وفي ذلك يقول الحق ـ تبارك وتعالي‏:‏
﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البَرِّ
وَالْبَحْرِ
وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا
تَفْضِيلاً
‏(‏الإسراء‏:70).‏
ومبعث هذا التكريم أن الله ـ تعالي ـ توج الحياة
الأرضية بخلق الإنسان‏,‏ وجعله أشرف هذه المخلوقات علي الإطلاق‏,‏ وميزه بالبيان
والعقل‏,‏ وبالقدرة علي التفكير الإيجابي‏,‏ وعلي اكتساب المعارف والمهارات‏,‏ ومن
ثم جعل الإنسان مخلوقا عاقلا مكلفا مسئولا محاسبا عن كل عمل يعمله في هذه الحياة
الدنيا‏.‏
فهناك العالم المادي‏(‏ بجوامده‏,‏ وسوائله‏,‏ وغازاته‏),‏ وهناك
عوالم الحياة غير المكلفة‏:‏ النباتية والحيوانية‏,‏ وعوالم الحياة العاقلة غير
المحسوسة ومنها المسخر‏(‏ كالملائكة‏)‏ والمكلف‏(‏ كعالم الجن‏)‏ وهناك الإنسان ذلك
المخلوق العاقل‏,‏ المكلف‏,‏ المسئول‏,‏ المحاسب والمدرك‏,‏ الذي له القدرة علي
التفكير وعلي إدراك ما يفكر فيه‏,‏ كما يستطيع الإدراك في نفسه لمعان وقيم للأشياء
والأفعال تجعله قادرا علي العيش في عالم من الأفكار‏,‏ والتصورات‏,‏ والذكريات‏,‏
والعواطف‏,‏ والمشاعر‏,‏ والأحاسيس‏,‏ والتعبير عن ذلك كله تعبيرا يقبله العقل
السوي‏,‏ وذلك مكن الإنسان من إدراك ذاته بصورة متميزة عن كل ما سواه من الكائنات
الحية المدركة‏,‏ رغم ما بينه وبينها من شبه في البناء يشير إلي وحدانية الخالق ـ
سبحانه وتعالي ـ وتمايز في مستوي هذا البناء تشير إلي طلاقة القدرة الإلهية التي
أبدعت خلق الإنسان وإلي مبررات التكريم الذي رفعه إليه الله وهو ـ تعالي ـ الرافع
الخافض‏.‏
والإنسانية في الإنسان ليست بجسده المادي المعقد البناء‏,‏ ولا بصفاته
الجسدية الظاهرة والتشريحية الخاصة‏,‏ فكل ذلك يحكمه قوانين المادة ومظاهر
الحياة‏.‏ والإنسانية في الإنسان ليست كذلك بنسبته إلي سلالة معينة من الكائنات هي
السلالة البشرية بمعني كونه بشرا أي مخلوقا ظاهرا علي جميع الكائنات الحية
الأرضية‏,‏ بمعني كونه انسيا من الإنس‏(‏ أي غير الجن‏)‏ فهذه كلها صفات مادية
محضة‏.‏ ولكن الإنسانية في الإنسان هي قدرته علي الارتقاء بذاته إلى الدرجة التي
تؤهله للقيام بواجبات الاستخلاف في الأرض‏,‏ واحتمال تبعات التكليف الإلهي الذي
كلفه به الله ـ تعالي ـ بقوله العزيز‏:
﴿... إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً...﴾ والارتقاء بذاته كذلك إلى الدرجة التي تؤهله لحمل الأمانة التي وصفها
ربنا ـ تبارك وتعالي ـ بقوله العزيز‏:‏
﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ
وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا
وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً
جَهُولاً
‏(‏الأحزاب‏:72).‏
ولذلك فالإنسان توازن دقيق بين طبيعته المادية
وروحه التي نفثها فيه خالقه‏,‏ وجعل له عقلا يحول دون طغيان أحد جانبيه علي
الآخر‏,‏ وعلي ذلك فالإنسان يعلو علي متطلبات جسده بعقله‏,‏ ويعلو علي أحكام عقله
بروحه‏,‏ لأنه يتصل بدوافع الحياة بواسطة جسده‏,‏ ويتصل بخالقه عن طريق عقله
وروحه‏.‏ وواجب العقل البشري أن يدرك ما وسعه إدراكه من العوالم المحسوسة
المدركة‏,‏ ولكنه لا يستطيع إدراك ما فوق ذلك من عوالم الغيب المطلق إلا ببيان من
الله ـ تعالي ـ عن طريق الوحي المنزل علي أنبياء الله ورسله‏.‏
من هنا كانت
ضرورة الدين لاستقامة حياة الإنسان علي الأرض‏,‏ وتمكينه من تحقيق رسالته فيها
بنجاح‏.‏
والدين علمه الخالق ـ سبحانه وتعالي ـ لأبينا آدم ـ عليه السلام ـ لحظة
خلقه‏,‏ وأنزله علي سلسلة طويلة من الأنبياء والمرسلين‏,‏ وأتمه وختمه في الرسالة
الخاتمة التي بعث بها الرسول الخاتم سيد الأولين والآخرين سيدنا محمد النبي العربي
ـ صلي الله عليه وسلم ـ ولما كان ليس من بعد هذا الرسول الخاتم من نبي ولا رسول‏,‏
فقد تعهد ربنا ـ تبارك وتعالي ـ بحفظ رسالته الخاتمة تعهدا مطلقا فحفظت في القرآن
الكريم‏,‏ وفي سنة خاتم المرسلين ـ صلي الله عليه وسلم ـ في نفس لغة الوحي بها‏(‏
اللغة العربية‏)‏ علي مدي يزيد علي أربعة عشر قرنا وسوف تبقي محفوظة بحفظ الله ـ
تعالي ـ إلى ما شاء الله حتى تبقي حجة الله علي خلقه إلي يوم الدين‏.‏
والإنسان
لا يمكنه أن يحيا علي هذه الأرض حياة سوية بغير الدين‏,‏ والدين لا يمكن أن يكون
صناعة بشرية لقيامه علي عدد من ركائز الغيب المطلق‏(‏ كقضية العقيدة‏)‏ وعلي فروض
تعبدية لابد للإنسان من تلقي أوامرها من الله ـ سبحانه وتعالي ـ وعلي دستور أخلاقي
وفقه للمعاملات وهذه من القضايا التي لا تقوي الطبيعة البشرية علي وضع أية ضوابط
صحيحة فيها‏,‏ ومن هنا كانت ضرورة الدين‏.‏
والإنسان بفضل عقله‏,‏ وإرادته الحرة
المستنيرة بالعقل يستطيع التمييز بين معتقد صحيح وآخر غير صحيح‏,‏ وذلك بدقة حفظ
الوحي السماوي الذي أنزل بهذا المعتقد‏,‏ والإنسان هو الكائن المتميز بالقدرة علي
تحصيل العلم‏,‏ وبالاستعداد لكسب المعارف عن طريق التحصيل‏,‏ والتفكير والإلهام
والالتزام بوحي السماء‏,‏ وهو المخلوق الوحيد القادر علي تدبير حياته‏,‏ وعلي توجيه
قواه وملكاته المادية والروحية‏,‏ وعلي تسخير ما في الأرض من قوي وكائنات‏,‏ وما في
الكون من سند وقوانين لعمارة الحياة علي الأرض‏,‏ ومن ثم التعرف علي خالق الكون
ومبدع الوجود‏,‏ وفهم رسالته في هذه الحياة‏:‏ عبدا لله‏,‏ مطالبا بعبادته بما
أمر‏,‏ ومستخلفا ناجحا في الحياة مطالبا بعمارة الأرض وإقامة شرع الله وعدله فيها
وهي مبررات الأمر الإلهي للملائكة بالسجود لأبينا آدم ـ عليه السلام ـ وبصلبه جميع
بنيه‏.‏
أما إبليس فهو من الجن كما جاء في سورة الكهف‏,‏ والجن من عالم الغيب
الذي لا نراه‏,‏ وهم قد عمروا الأرض قبل الإنس‏,‏ وأساءوا وأفسدوا فيها وسفكوا
الدماء قبل أن يسفكها بنو آدم‏.‏ وقد سمي الجن جنا لاستتارهم عن أبصار الإنس‏.‏
والجن خلق عاقل مكلف كالإنس‏,‏ ومنهم المؤمن والكافر‏,‏ وهم يأكلون ويتناسلون
ويموتون‏,‏ وقد عرفهم الإنس من كتاب الله ـ سبحانه وتعالي ـ ومن سنة رسوله ـ صلي
الله عليه وسلم ـ فقد جاء ذكر الجان في مواضع عديدة من القرآن الكريم‏,‏ وفي العديد
من أحاديث سيد المرسلين‏,‏ ومن هنا وجب الإيمان بوجودهم وإن لم نستطع
رؤيتهم‏.‏
وقد شمل أمر الله ـ تعالي ـ إلي الملائكة بالسجود لأبينا آدم ـ عليه
السلام ـ كل من كان معهم ـ علي الرغم من كون الأمر للملائكة خاصة ـ وقد كان معهم
إبليس وكان يعبد الله ـ سبحانه وتعالي ـ بعبادة الملائكة فشمله الأمر بالسجود لآدم
ولكنه أبي‏.‏
هذه الواقعة لم يشهدها أي من بني آدم‏,‏ ولم يسمع بها كفار ومشركو
قريش‏,‏ ولم ترد في أي من كتب الأولين‏,‏ ومن هنا فإن عرضها في خمسة مواضع مختلفة
من القرآن الكريم‏(‏ في كل من سورة البقرة‏,‏ الأعراف‏,‏ الإسراء‏,‏ الكهف‏,‏ وطه
يمثل وجها من أوجه الإعجاز الإنبائي الغيبي في كتاب الله‏,‏ يشهد لهذا الكتاب
المجيد بأنه لا يمكن أن يكون صناعة بشرية بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه
علي خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ وحفظه بعهده الذي قطعه علي ذاته العلية في نفس لغة
وحيه‏(‏ اللغة العربية‏)‏ علي مدي يزيد علي أربعة عشر قرنا‏,‏ وتعهد بهذا الحفظ
تعهدا مطلقا حتى يبقي القرآن الكريم حجة الله علي خلقه إلي يوم الدين‏,‏ ويبقي
شاهدا بأنه كلام الله الخالق‏,‏ وشاهدا للرسول الخاتم بالنبوة وبالرسالة‏,‏ فالحمد
لله علي نعمة الإسلام‏,‏ والحمد لله علي نعمة القرآن‏,‏ والحمد لله علي بعثة خير
الأنام ـ صلي الله وسلم وبارك عليه وعلي آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلي
يوم الدين‏,‏ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alredaalnoor.0wn0.com
نبيلة محمود خليل
Admin


عدد المساهمات : 884
تاريخ التسجيل : 20/08/2010

مُساهمةموضوع: رد: الإعـجاز التاريخـي    الأربعاء سبتمبر 28, 2011 6:10 am

﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ
لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا
مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ
وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ (‏ البقرة‏:30)


هذا النص القرآني الكريم جاء في مطلع العشر الثاني من سورة البقرة‏,‏
وهي سورة مدنية‏,‏ وآياتها مائتان وست وثمانون‏(286)‏ بعد البسملة‏,‏ وهي أطول سور
القرآن الكريم علي الإطلاق‏.‏
هذا‏,‏ وقد سبق
لنا استعراض سورة البقرة وسبب تسميتها‏,‏ وما جاء فيها من التشريعات الإسلامية‏,‏
وركائز العقيدة‏,‏ وفروض العبادة‏,‏ ومكارم الأخلاق‏,‏ والإشارات الكونية‏,‏ ونركز
هنا علي أوجه الإعجاز الإنبائي والعلمي في إخبار القرآن الكريم عن حوار وقع بين
الله ـ تعالي ـ وملائكته بخصوص خلق الإنسان واستخلافه في الأرض والذي لخصه النص
القرآني من سورة البقرة الذي اخترناه عنوانا لهذا المقال‏.‏



أولا‏:‏ من أوجه الإعجاز الإنبائي في النص الكريم‏:‏
هذا الحوار الذي جري بين رب العالمين وملائكته هو من أمور الغيب
المطلق الذي لا سبيل للإنسان في الوصول إلي شيء منه إلا بإنباء من الله ـ تعالي ـ
أو إبلاغ من رسوله ـ صلي الله عليه وسلم ـ لأن الإنسان لا يملك الوسيلة المناسبة
للوصول إليه إلا بهذا الإنباء الإلهي أو التبليغ النبوي‏.‏ ولولا أن الله ـ تعالي ـ
قد أخبرنا في محكم كتابه بهذا الموقف الذي جري بينه وبين ملائكته ما كان لأحد من
بني آدم وسيلة من الوسائل البشرية يمكن أن تعينه في الوصول إلي معرفة ذلك‏,‏ ومن
هنا كان هذا النص القرآني صورة من صور الإعجاز الإنبائي في كتاب الله‏.‏
وقد
اختلف المفسرون في فهم فحوي سؤال الملائكة‏,‏ وفي كيفية علمهم بأن الإنسان المستخلف
في الأرض يمكن أن يفسد فيها وأن يسفك الدماء؟
وغالب الرأي أن الملائكة قاست
الإنس بالجن لأن كليهما خلق عاقل حر مكلف‏,‏ صاحب إرادة‏,‏ وأن الجن كانوا قد سبقوا
الإنس في عمارة الأرض فأفسدوا فيها وسفكوا الدماء في غالبيتهم‏,‏ وعلي ذلك فإن فحوي
سؤال الملائكة هو الاستعلام والاستفسار عن أن الله ـ تعالي ـ قد وهب الجن ـ وهم خلق
عاقل مكلف حرية الإرادة في الأرض فأفسدوا فيها وسفكوا الدماء وتظالموا فيما
بينهم‏,‏ فما هي الحكمة من تكرار الأمر مع خلق آخر عاقل مكلف ذي إرادة حرة‏,‏ وما
هو الهدف من استخلافه في الأرض؟ خاصة أن الملائكة خلق مفطورون علي طاعة الله
وعبادته‏,‏ يصفهم القرآن الكريم لرسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ بقول ربنا تبارك
وتعالي ـ له‏:
﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ
عِبَادَتِهِ

وَيُسَبِّحُونَهُ
وَلَهُ يَسْجُدُونَ ﴾ ‏(‏ الأعراف‏:206).‏
وكأن الملائكة كانوا يرون الاستخلاف في الأرض
لخلق مفطورين علي طاعة الله ـ تعالي ـ وعبادته من أمثالهم هم خشية أن يستخدم
الإنسان إرادته الحرة في الإفساد وإراقة الدماء في الأرض كما فعلت الجن من قبل‏,‏
ولذلك قالوا
﴿...أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ
وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ
وَنُقَدِّسُ لَكَ ...﴾ .‏
ومن المحتمل أن تكون الملائكة قد علمت ذلك من معني الاستخلاف
ذاته‏,‏ لأن المستخلف علي الشيء مؤتمن عليه‏,‏ وإذا كان هذا المؤتمن ذا إرادة حرة
فإما أن يؤدي الأمانة أو أن يخونها‏,‏ وهم مشفقون علي أهل الأرض من تضييع
الأمانة‏,‏ ومن عواقب ذلك‏.‏
ومن المحتمل أيضا أن يكون الملائكة قد سألوا الله ـ
تعالي ـ حين أمرهم بالسجود لآدم ـ عليه السلام ـ عن هذا الخلق المستخلف علي الأرض
فأخبرهم بأنه خلق عاقل‏,‏ مكلف‏,‏ مكرم‏,‏ ذو إرادة حرة‏,‏ وأنه يستخلف في الأرض
للابتلاء والاختبار حتي يثبت كل فرد منهم ـ بعمله ـ استحقاقه لرحمة الله وإدخاله
الجنة وخلوده فيها‏,‏ أو عقابه بالخلود في النار‏,‏ وربهم أعلم بكل فرد منهم‏,‏
ولكنه ـ من عدله المطلق ـ أراد أن يقيم الحجة علي كل فرد من بني آدم وأن يشهده علي
نفسه بعمله الذي يسجله الله ـ تعالي ـ له أو عليه‏,‏ استعدادا ليوم الحساب
والفصل‏,‏ وفي ذلك يقول الحق ـ تبارك وتعالي‏:‏
﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَأٍ مَّسْنُونٍ *
فَإِذَا سَوَّيْتُهُ

وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ
المَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ
السَّاجِدِينَ ﴾
(‏ الحجر‏:28‏ ـ‏31).‏
وقال ـ تعالي‏:‏
﴿ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ
المَوْتَ

وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ
عَمَلاً

وَهُوَ العَزِيزُ الغَفُورُ ﴾ (الملك‏:2,1)‏.
وقال رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ لأمته‏:‏ إن
الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون ومن هنا جاء الرد الإلهي
علي سؤال الملائكة‏:‏‏
﴿... قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ (‏ البقرة‏:30).‏
ومن معاني هذا النص القرآني الكريم الذي اتخذناه
عنوانا لهذا المقال أن الله ـ تعالي‏,‏ بعلمه وإرادته وحكمته ـ استخلف آدم وذريته
للابتلاء والاختبار بأعمالهم في الأرض‏,‏ وهو ـ سبحانه ـ أعلم بكل منهم من علم أي
منهم بنفسه‏,‏ وأن أبانا آدم ـ عليه السلام استخلف ذريته علي التوحيد الكامل لله ـ
سبحانه وتعالي ـ وعلي الفهم الصحيح لرسالة الإنسان في الحياة الدنيا‏:‏ عبدا لله
الخالق البارئ المصور‏,‏ شاهدا لجلاله بالألوهية والربوبية‏,‏ والخالقية‏,‏
وبالوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه‏,‏ وبالتنزيه الكامل عن جميع صفات خلقه وعن كل
وصف لا يليق بجلاله‏(‏ من مثل ادعاء الشريك أو الشبيه أو المنافس أو المنازع أو
الصاحبة والولد لله الخالق ـ جل جلاله‏).‏
وانطلاقا من هذه الشهادة لله ـ تعالي
ـ يجب علي كل مستخلف في الأرض الخضوع لله بالعبادة بما أمر‏,‏ وبالطاعة لكل ما أمر
به‏,‏ وباجتناب كل ما نهي عنه‏,‏ وذلك طيلة فترة استخلافه للعبد منا في الأرض‏(‏
وهي أجله‏),‏ وهي فترة محددة في علم الله‏,‏ وللإنسان بعدها الموت‏,‏ وحياة
البرزخ‏,‏ ثم البعث والحشر‏,‏ والحساب والجزاء وذلك بالخلود إما في الجنة وإما في
النار‏.‏
وهذا هو الإسلام الذي استخلف الله ـ تعالي ـ به أبانا آدم ـ عليه
السلام ـ وذريته في الأرض‏,‏ والذي استخلف آدم به ذريته‏,‏ وظل بنو آدم يستخلف
بعضهم بعضا إلي يومنا هذا‏,‏ وسوف يبقون كذلك إلي قيام الساعة‏,‏ فكل إنسان خليفة
لمن سبق من أسلاف‏,‏ ومستخلف لمن لحق به أو انحدر عنه من ذرية حتى تأتي نفخة الصور
التي يفني علي دثرها كل حي‏,‏ فينتهي هذا الوجود الدنيوي بالكامل‏,‏ وينتقل الخلق
إلي الحياة الآخرة بخلود لا موت فيه‏.‏
وفي رحلة الاستخلاف تلك ينجو من التزم
بشرع الله وأوامره‏,‏ ويهلك من انحرف عن الهداية الربانية‏,‏ وهذا هو الهدف من
عملية الاستخلاف في الأرض الذي خفي علي علم الملائكة فجاءهم الرد الإلهي
المباشر‏:‏
﴿... قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ (‏ البقرة‏:30).‏
وقد فصل القرآن الكريم هذا الأمر في مقام آخر بقول
ربنا ـ تبارك وتعالي ـ‏:‏
﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن
شَيْئاً مَّذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ
نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ
إِمَّا شَاكِراً

وَإِمَّا كَفُوراً ﴾ (‏ الإنسان‏:1‏ ـ‏3).‏
وقال ـ تعالي ـ‏:‏
﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ
وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا
وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً * لِيُعَذِّبَ
اللَّهُ المُنَافِقِينَ

وَالْمُنَافِقَاتِ
وَالْمُشْرِكِينَ
وَالْمُشْرِكَاتِ
وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ
وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ ‏(‏الأحزاب‏:73,72).‏
وقد أعطي ربنا ـ تبارك وتعالي ـ الإنسان عقلا
يفكر به‏,‏ ويميز الخير من الشر‏,‏ ويفصل الحق من الباطل‏,‏ كما أعطاه الإرادة
الحرة التي يختار بها ويدع‏,‏ ويفعل ويترك‏,‏ ووهبه كل المقومات اللازمة لحمل أمانة
التكليف‏,‏ ومن هنا وجب حسابه‏,‏ وتحددت أسباب استخلافه في الأرض من أجل الابتلاء
والاختبار‏.‏ فالإنسان مؤتمن علي ملك الله في الأرض‏,‏ ومسئول أمام الله ـ تعالي ـ
عن أمانته‏,‏ ومطالب بعبادة الله بما أمر وبذلك أصبحت عمارة الأرض وعبادة الله ـ
تعالي ـ بما أمر وجهين لعملة واحدة هي صك الاستخلاف في الأرض الذي وقعه أبونا آدم
وذريته في عالم الذر الذي قال عنه الله ـ تعالي ـ‏:‏
﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ
ذُرِّيَّتَهُمْ

وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى
شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ﴾
‏(‏ الأعراف‏:172).‏
من هنا كان هذا الإخطار الإلهي إلي الملائكة‏,‏
وهذا الاستفسار الملائكي من الله ـ تعالي ـ عنه من الأمور الغيبية عن الإنسان غيبا
مطلقا‏,‏ ومن هنا كان إخبار القرآن الكريم عنها وجها من خصوصيات كتاب الله نصفه
بالإعجاز الإنبائي للقرآن الكريم‏,‏ وهو وجه من أوجه الإعجاز في هذا الكتاب الخالد
لا يدركه كثير من الناس لأن من أخبار القرآن الكريم ما يضم تحت مسمي الإعجاز
التاريخي ومنها ما يجمع تحت مسمي الإعجاز الإنبائي ومنه الإعجاز الإنبائي المستقبلي
الذي قد يدركه بعض الناس عند وقوعه‏,‏ ومنه الإعجاز الإنبائي الماضي الذي لا سبيل
للإنسان في الوصول إليه إلا ببيان من الله ـ تعالي ـ أو بلاغ من رسوله ـ صلي الله
عليه وسلم ـ‏.‏


ثانيا‏:‏ من أوجه الإعجاز العلمي في النص الكريم‏:‏
يشير هذا النص القرآني الكريم إلي حقيقة الغيب‏,‏ فالذات الإلهية غيب‏,‏
والملائكة غيب‏,‏ والحوار الذي دار بين الله ـ تعالي ـ وملائكته غيب‏,‏ وكل هذه
الغيوب المطلقة وغيرها كثير ستبقي محجوبة عن الإنسان طيلة فترة استخلافه في
الأرض‏,‏ ومن هنا كانت حاجة الإنسان إلي الهداية الربانية‏,‏ وإلي وحي السماء‏.‏
والغيب بالنسبة إلي الإنسان غيبان‏,‏ أحدهما غيب مرحلي قد يصل إليه الإنسان بأساليب
الكشف العلمي‏,‏ وثانيهما غيب مطلق لا سبيل للإنسان في الوصول إلي شيء منه إلا
ببيان من الله ـ تعالي ـ والتأكيد علي حقيقة الغيب أصبح من النتائج العلمية
المؤكدة‏,‏ وتكفي في ذلك الإشارة إلي ما توصل إليه علماء الفلك بكل التقنيات
المتطورة التي استخدموها من أن ما يدركونه من مادة وطاقة في الجزء المدرك من الكون
هو أقل من‏5%‏ مما تشير الحسابات في مجال الفيزياء الفلكية إلي وجوده‏,‏ وأن أغلب
مادة وطاقة الكون موجودة بهيئات لا تستطيع وسائل الإنسان إدراكها ولذلك أطلقوا
عليها أسماء من مثل المادة السوداء أو المادة الداكنة‏,‏ والطاقة الخفية أو غير
المدركة‏.‏ ويعترف علماء الفلك اليوم بحقيقة الغيوب التي لا يستطيع الإنسان الوصول
إليها في كون يلفه الظلام‏,‏ ويمتلئ بالغيوب‏,‏ ومن هنا امتدح ربنا ـ تبارك وتعالي
ـ الذين يؤمنون بالغيب‏,‏ وأكد حاجة الإنسان إلي بيان من الله الخالق عن هذه الغيوب
المطلقة من أمثال الذات الإلهية‏,‏ الملائكة‏,‏ الروح‏,‏ الجن‏,‏ حياة البرزخ‏,‏
البعث‏,‏ الحشر‏,‏ الحساب‏,‏ الميزان‏,‏ الصراط‏,‏ الجنة والنار‏,‏ وغيرها كثير‏,‏
وهذه القضايا لو لم يصل الإنسان فيها بيان من الله ـ يكون بيانا ربانيا خالصا لا
يداخله أدني قدر من التصورات البشرية فإما أن ينكر كل الغيب مع وجوده‏,‏ أو يبتدع
عنه تصورات من عنده فيضل في ذلك ضل إلا بعيدا كما ضل كل منكري الوحي السماوي عبر
التاريخ‏,‏ وكما سيبقي ملايين الضالين إلي قيام الساعة‏.‏
وهنا تتضح ومضة كل من
الإعجاز الإنبائي والعلمي في إيراد هذا الحوار بين رب العالمين وملائكته‏,‏ والذي
لو لم يخبرنا به الله ـ سبحانه وتعالي ـ في محكم كتابه‏,‏ ما كان أمام الإنسانية
كلها من سبيل إليه‏.‏ فالحمد لله علي نعمة الإسلام‏,‏ والحمد لله علي نعمة
القرآن‏,‏ والحمد لله علي بعثة خير الأنام ـ صلي الله عليه وسلم وبارك عليه وعلي
آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلي يوم الدين ـ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب
العالمين‏.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alredaalnoor.0wn0.com
نبيلة محمود خليل
Admin


عدد المساهمات : 884
تاريخ التسجيل : 20/08/2010

مُساهمةموضوع: رد: الإعـجاز التاريخـي    الأربعاء سبتمبر 28, 2011 6:12 am

وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ
مِنَ المُوقِنِينَ ﴾‏(‏ الأنعام‏:75)




هذه الآية
القرآنية الكريمة جاءت في خواتيم النصف الأول من سورة الأنعام‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏
وآياتها مائة وخمس وستون‏165‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلي الأنعام في أكثر من موضع‏,‏
ومن خصائصها أنها أنزلت كاملة دفعة واحدة‏,‏ وأنها خامس أطول سور القرآن الكريم‏.‏
ويدور المحور الرئيسي للسورة حول عدد من العقائد والتشريعات الإسلامية‏.‏
هذا‏,‏
وقد سبق لنا استعراض سورة الأنعام‏,‏ وما جاء فيها من ركائز العقيدة‏,‏ والتشريع‏,‏
وما تخللها من قصص وإشارات كونية‏,‏ ونركز هنا علي وجهي الإعجاز العلمي والتاريخي
في الآية الكريمة التي اتخذناها عنوانا لهذا المقال‏.‏

أولا‏:‏ من أوجه الإعجاز العلمي في الآية الكريمة‏:‏
توجه هذه
الآية الكريمة أنظار قارئيها إلي حقيقة أن الكون الذي نحيا في جزء ضئيل منه هو كون
شاسع الاتساع‏,‏ دقيق البناء‏,‏ منضبط الحركات‏,‏ محكم إحكاما مبهرا في كل جزئية من
جزئياته‏,‏ وفي كل أمر من أموره‏.‏ وكون هذه صفاته لا يمكن أن يكون قد أوجد ذاته
بنفسه‏,‏ ولا يمكن أن يكون نتاج العشوائية أو الصدفة‏,‏ بل لابد له من موحد عظيم له
من صفات الألوهية والربوبية والوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه‏,‏ ومن طلاقة
القدرة‏,‏ وشمول العلم‏,‏ وتمام الحكمة ما يتجلي في كل صغيرة وكبيرة من أجزاء هذا
الكون‏.‏
فكوننا مبني من نفس اللبنات وعلي نفس النظام‏:‏ من الذرة إلي المجموعة
الشمسية إلي المجرة‏,‏ وإلي الكون كله مما يشهد لخالقه بالوحدانية المطلقة بغير
شريك‏,‏ ولا شبيه‏,‏ ولا منازع‏.‏
وكل شيء في هذا الكون مبني في زوجية واضحة من
اللبنات الأولية للمادة إلي الإنسان حتى يشهد لخالقه ـ تعالي ـ بالوحدانية المطلقة
فوق جميع خلقه بغير شريك‏,‏ ولا

شبيه‏,‏ ولا منازع‏,‏ ولا صاحبة ولا ولد‏.‏
فهناك المادة وضدها
(‏(Matterand
Antimatter
‏ وهناك الطاقة الموجبة والسالبة علي مختلف أشكالها((Positive
and negativeenergy

وهناك الذكر والأنثى في جميع المخلوقات من النبات والحيوان
والإنسان‏.‏
وهذه الزوجية السائدة في جميع المخلوقات تشهد لخالقها بالوحدانية
المطلقة فوق جميع خلقه‏,‏ كما تشهد لجلاله بالتنزيه الكامل عن جميع صفات خلقه‏,‏
لأنه ـ سبحانه وتعالي ـ هو خالق الكون كله فلابد وأن يكون فوق الكون بجميع
مكوناته‏,‏ وهو ـ تعالي ـ خالق كل من المكان والزمان فلا يحده أي منهما‏,‏ لأن
المخلوق لا يحد خالقه أبدا‏,‏ وهو ـ جل جلاله ـ فوق كل من المادة والطاقة لأنه هو
مبدعهما‏,‏ والمخلوق لا يشكل خالقه أبدا‏.‏
وعلماء الفلك المعاصرون يقررون بأن
كوننا الشاسع الاتساع‏,‏ الدقيق البناء‏,‏ المنضبط الحركات‏,‏ المحكم في الجزئيات
والكليات‏,‏ لابد له من مرجعية في خارجه‏
(AREFERENCEPOINT),‏ وهذه المرجعية العليا لابد وأن تكون مغايرة للكون بكل ما فيه ومن
فيه مغايرة كاملة‏,‏ فلا يحدها أي من أبعاد المكان أو الزمان‏,‏ ولا يشكلها أي من
صور المادة أو الطاقة‏,‏ وكأنهم ينطقون بالحق الذي أنزله ربنا ـ تبارك وتعالي ـ عن
ذاته العلية بقوله العزيز‏:
﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ﴾
(
الشوري‏:11).‏
من هنا فإن في قول ربنا ـ تبارك وتعالي ـ‏:‏
﴿ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ
السَّمَوَاتِ

وَالأَرْضِ
وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ
‏(‏
الأنعام‏:75)‏
.

يتضح لنا وجه
من أوجه الإعجاز العلمي في كتاب الله يتلخص في ضرورة تعرف الإنسان علي الكون حتى
يري فيه جانبا من جوانب عظمة خالقه‏,‏ ووجها من أوجه القدرة الإلهية المبدعة في
الخلق‏,‏ ويري فيه ضآلة وجود الإنسان أمام هذا الكون المتناهي في اتساعه‏,‏ الدائب
في حركته‏,‏ والمنطلق في جريه إلي نهاية لا يعلمها إلا مبدع الكون وخالق
الكائنات‏.‏
كذلك يري الإنسان في الكون حاجة كل الكائنات‏,‏ وحاجة الكون كله إلي
رعاية خالقه في كل لحظة من لحظات وجوده‏,‏ وفي كل آن من آناء عمره‏.‏
ويري
الإنسان في استقرار قوانين الكون‏,‏ وسيلة من وسائل تعرفه عليها‏,‏ وهي من سنن الله
الحاكمة لكل كائن‏,‏ ومن ثم الانطلاق بتوظيف تلك السنن في القيام بواجبات الاستخلاف
في الأرض بعمارتها‏,‏ وإقامة شرع الله فيها‏,‏ ولذلك نجد القرآن الكريم في عشرات من
آياته يحض الناس حضا علي إمعان النظر في الكون‏,‏ ودراسته‏,‏ والتفكير في بديع صنعه
بأسلوب علمي منهجي سليم‏,‏ والتأكيد علي أن ذلك من أيسر وسائل تعرف الإنسان علي
خالقه‏,‏ وإدراك جانب من جوانب طلاقة القدرة الإلهية المبدعة في كل أمر من أمور
الكون والكائنات فيه‏,‏ فيسجد الإنسان للخالق البارئ المصور سجود العارف بربه‏,‏
ويؤمن به إيمان من يراه في بديع صنعه في خلقه‏,‏ وهذا الإيمان الفطري الذي مر به
نبي الله إبراهيم ـ عليه السلام ـ من خلال تأمله في الكون من قبل أن يأتيه وحي
السماء هو رسالة هذه الآية القرآنية الكريمة لكل قارئ أو سامع لها‏,‏ وذلك لأن
الإنسان في الإسلام مخلوق مكرم‏,‏ خلقه الله ـ تعالي ـ بقدرته‏,‏ ونفخ فيه من
روحه‏,‏ وعلمه من علمه‏,‏ وفضله علي كثير من خلقه‏,‏ لأن الإنسان هو المخلوق
المتميز بالعقل‏,‏ وبالقدرة علي التفكير والبيان‏,‏ وعلي اكتساب المعارف والمهارات
وتعل
يمها لغيره‏,‏ ومن ثم فهو المخلوق العاقل‏,‏ المكلف‏,‏ المسئول عن جميع
تصرفاته‏,‏ ومن قبيل الشكر علي هذه النعم استخدامها في التعرف علي خالقه من خلال
تأمل بديع صنع هذا الخالق العظيم في خلقه‏.‏
ويؤكد القرآن الكريم ضرورة التعرف
علي الكون من أجل التعرف علي حتمية وجود خالق عظيم‏,‏ عليم‏,‏ حكيم له من صفات
الكمال‏,‏ والجمال‏,‏ والجلال‏,‏ ما أضفي من بديع خلقه ومن هنا كان الدرس الذي يجب
أن يستقي من تعرف نبي الله إبراهيم ـ عليه السلام ـ علي ربه من خلال تأمله في
الكون‏,‏ من قبل أن يأتيه الوحي‏,‏ وفي ذلك يقول الحق ـ تبارك وتعالي ـ وكذلك نري
إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين‏,‏ فلما جن عليه الليل رأي كوكبا
قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين‏,‏ فلما رأي القمر بازغا قال هذا ربي فلما
أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين‏,‏ فلما رأي الشمس بازغة قال هذا
ربي هذا أكبر فلما أفلت قال ياقوم إني بريء مما تشركون‏,‏ إني وجهت وجهي للذي فطر
السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين‏,‏ وحاجه قومه قال اتحاجوني في الله وقد
هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا
تتذكرون‏,‏ وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله مالم ينزل به عليكم
سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون‏,‏ الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم
بظلم‏..‏ وهذا هو الدرس المستفاد من أحد المواقف
المهمة في سيرة نبي الله
إبراهيم ـ عليه السلام ـ والذي لم يرد له ذكر في كتب الأولين علي
أهميته‏.‏



ثانيا‏:‏ من أوجه الإعجاز التاريخي في الآية الكريمة‏:‏
عاش نبي
الله إبراهيم ـ عليه السلام ـ في حدود الألفية الثانية قبل الميلاد‏1861‏ ـ‏1686‏
ق‏.‏م وبعث خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلي الله عليه وسلم ـ في حدود سنة‏610‏ م‏,‏
أي أن بين هذين النبيين الصالحين أكثر من ألفي عام‏,‏ وعلي الرغم من ذلك فقد سجل
القرآن الكريم أكثر من عشرين موقفا بارزا في حياة نبي الله إبراهيم ـ عليه
السلام‏,‏ ولم يكن العرب في زمن الجاهلية أهل علم وتوثيق وتدوين‏,‏ علي الرغم من
وجود آثار عديدة لنبي الله إبراهيم وابنه النبي إسماعيل ـ عليهما السلام ـ في الحرم
المكي‏,‏ ومن هنا فإن إيراد القرآن الكريم للعديد من الأحداث والمواقف الكبرى في
حياة نبي الله إبراهيم ـ عليه السلام ـ ومنها تأمله في ملكوت السماوات والأرض‏,‏
وحواره مع كل من أبيه وقومه‏,‏ وتحطيمه للأصنام‏,‏ ومحاولة حرقه في النار ونجاته
منها بإذن الله‏,‏ ومحاورته للنمرود‏,‏ والأمر بذبح ابنه إسماعيل وفداء الله ـ
تعالي ـ له بذبح سمين‏,‏ مما يعتبر جانبا من جوانب الإعجاز التاريخي في القرآن
الكريم يشهد لهذا الكتاب العزيز بأنه لا يمكن أن يكون صناعة بشرية‏,‏ بل هو كلام
الله الخالق الذي أنزله بعلمه علي خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ وحفظه بعهده الذي قطعه علي
ذات علية‏,‏ في نفس لغة وحيه اللغة العربية‏,‏ وتعهد بهذا الحفظ تعهدا مطلقا حتى
يبقي القرآن الكريم شاهدا علي الخلق أجمعين إلي يوم الدين‏,‏ وحجة الله البالغة علي
جميع خلقه‏,‏ التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها‏.‏

فالحمد
لله علي نعمة الإسلام والحمد الله علي نعمة القرآن‏,‏ والحمد لله علي بعثة خير
الأنام‏..‏ صلي الله وسلم وبارك عليه وعلي آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلي
يوم الدين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏.‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alredaalnoor.0wn0.com
 
الإعـجاز التاريخـي
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 2 من اصل 2انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الرضا والنور  :: المنتدى الاسلامى :: عجاز العلمي في القران والسنة النبوية الشريفة-
انتقل الى: