الرضا والنور


{ وَأَشْرَقَتْ الْأَرْض بِنُورِ رَبّهَا }
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخولالمجلة
منتديات الرحمة والمغفرة على منهج اهل السنة والجماعة
( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِالله ) . نداء إلى أنصار رسول الله "صلى الله عليه وسلم "أنضم الينا لنصرة رسولنا من خلال منتديات " الرحمة والمغفرة ". لزوارنا الاعزاء ومن يرغب بالتسجيل بمنتدانا . بادر وسجل نفسك بالمنتدى لنشرالإسلام .مديرة الموقع / نبيلة محمود خليل . أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم ..
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة

شاطر | 
 

 الأعجاز التشريعى

اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة
نبيل خليل
عضو جديد


عدد المساهمات : 91
تاريخ التسجيل : 30/07/2011

مُساهمةموضوع: الأعجاز التشريعى   الأربعاء أغسطس 10, 2011 3:59 pm

تذكير بمساهمة فاتح الموضوع :

أعجاز التشريعى
,,,,,,,,,,,,,

( بَشِّرِ
المُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً *)


بسم
الله الرحمن الرحيم




من
أسرار القرآن الكريم :


(381)
- (
بَشِّرِ
المُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً
*)


(النساء:138).

بقلم

الأستاذ
الدكتور/ زغلول راغب النجار


هذه الآية القرآنية الكريمة جاءت في أوائل
الربع الأخير من سورة "النساء", وهي سورة مدنية, وآياتها مائة وست وسبعون (176) بعد
البسملة, وهي رابع أطول سور القرآن الكريم بعد كل من سورة "البقرة", والأعراف",
و"آل عمران". وقد سميت سورة "النساء" بهذا الاسم لكثرة ما ورد فيها من الأحكام
الشرعية التي تتعلق بالنساء.


ويدور
المحور الرئيس لسورة "النساء" حول قضايا التشريع لكل من المرأة, والأسرة, والمجتمع,
والدولة, وذلك من مثل تشريعات الزواج, والطلاق, والعبادات, والمواريث, والجهاد في
سبيل الله. وحسن تربية الأبناء, من أجل إقامة المجتمع المسلم الخالي من المخالفات
الشرعية, ومن رواسب الجاهلية القديمة والحديثة.


وبالإضافة
إلى ذلك تقرر سورة "النساء" وحدانية الخالق- سبحانه وتعالى- التي تؤكد على وحدة
رسالة السماء, وعلى الأخوة بين الأنبياء, وبين الناس جميعا.

هذا وقد سبق لنا استعراض سورة "النساء", وما
جاء فيها من التشريعات الإسلامية, وركائز العقيدة, والإشارات الكونية, ونركز هنا
على لمحة الإعجاز التشريعي في تحريم النفاق, وذم المنافقين, والتأكيد على خطر
وجودهم في مجتمع من المجتمعات الإنسانية, لأنهم أخطر على المجتمع الذي يتواجدون فيه
من أي انحراف آخر سواء كان هذا الانحراف عقديا أو سلوكيا – على خطورة مثل تلك
الانحرافات على المجتمعات الإنسانية بصفة عامة – إذا أرادت أن تحيا حياة
سوية.


من
أوجه الإعجاز التشريعي في الآية الكريمة


يقول
ربنا- تبارك وتعالى- في محكم كتابه :


(بَشِّرِ
المُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً
*
الَّذِينَ
يَتَّخِذُونَ الكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ
عِندَهُمُ العِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً
*
وَقَدْ
نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ
بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي
حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ
المُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً
*)
(النساء : 138-140).


وتستمر
الآيات في سورة "النساء" محذرة من المنافقين ومن أخطارهم على المجتمع حتى يأتي قرار
الله- تعالى- حاسما جازما يجعلهم أكثر خطرا على المجتمعات من الكافرين وذلك بقوله-
تعالى-:
(إِنَّ
المُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ
نَصِيراً
*)
(النساء:145).


ومن
معاني هذه الآيات الكريمة أن الله- تعالى- يأمر خاتم أنبيائه ورسله- صلى الله عليه
وسلم- أن ينذر المنافقين بأن لهم عذابا أليما يوم القيامة , لتوليهم لكافرين من دون
المؤمنين, فهل يطلبون العزة من هؤلاء الكافرين ؟ والعزة لله- تعالى- وحده يهبها لمن
يشاء من عباده المؤمنين, ومن اعتز بالله عز ومن اعتز بغير الله ذل . وقد نزل الله
عليكم في القرآن الكريم أنكم إذا سمعتم من المنافقين الاستهزاء والجحود بآيات الله
فلا تقعدوا معهم حتى ينتقلوا إلى حديث غيره, فإن لم تفعلوا ذلك شاركتموهم في جريمة
الكفر بآيات الله والسخرية منها, وإن عاقبة ذلك وخيمة على كل من الكافرين
والمنافقين الذين سيجمعهم الله جميعا قي جهنم.


وجاءت الإشارة إلى النفاق والمنافقين بمختلف
صياغات الكلمة (إسما وفعلا ومصدرا, وبالإفراد والجمع ) في سبعة وثلاثين (37) موضعا
من كتاب الله. و(النفاق) هو فعل المنافق الذي يدخل في الشرع من باب ويخرج عنه من
باب آخر, أي يظهر الإسلام وهو يبطن الكفر, ولذلك نبه ربنا- تبارك وتعالى- على خطر
النفاق والمنافقين بقوله العزيز :

(الْمُنَافِقُونَ
وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ
عَنِ المَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ
المُنَافِقِينَ هُمُ
الفَاسِقُونَ

*) (التوبة : 67).


و(الفاسقون)
في هذه الآية الكريمة هم الخارجون عن شرع الله. ومن معاني هذه الآية الكريمة أن
المنافقين والمنافقات يتشابهون في أنهم يفعلون من الأمور أقبحها, ويتظاهرون بالصلاح
والورع, ويتركون الحق وينأون عنه, ويدعمون الباطل ويساندونه, ويدعون أنهم الأصلح
للمجتمع. ويبخلون بأموالهم عن وجوه الخير, وينفقونها في وجوه الشر وجاهة وسمعة.
أعرضوا عن خالقهم فأعرض عنهم, وتركهم في ضلالهم لأنهم هم حقا الخارجون عن شرع
ربهم.


وبالإضافة
إلى التملق المزيف لأصحاب الجاه والسلطان, وإلى إظهار المنافق غير ما يبطن, وإلى
خداع نفسه وخداع غيره, وتلونه بكل لون, فإن نهاية النفاق دوما إلى بوار . ورسول
الله- صلى الله عليه وسلم- يضيف إلى صفات المنافقين الخيانة والكذب والغدر والفجور
وذلك بقوله الشريف
"
آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب , وإذا وعد أخلف, وإذا اؤتمن خان "

وقال-
صلى الله عليه وسلم-
"
أربع من كن فيه كان منافقا خالصا, ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق
حتى يدعها : إذا اؤتمن خان, وإذا حدث كذب, وإذا عاهد غدر, وإذا خاصم فجر " (أخرجه
كل من البخاري ومسلم).


[right] لذلك كان صحابة رسول الله- صلى الله عليه وسلم-
أبعد الناس عن النفاق والمنافقين, وأحرصهم على ألا يتسلل إلى تصرفاتهم شئ من هذه
الصفات الذميمة, فعن ابن أبي مليكة- رحمه الله- أنه قال "أدركت ثلاثين من أصحاب
النبي- صلى الله عليه وسلم- كلهم يخاف النفاق على نفسه ". ويذكر عن الحسن البصري-
رضي الله عنه- قوله عن النفاق : "ما خافه إلا مؤمن, ولا أمنه إلا
منافق".


والنفاق
يدمر الروابط في المجتمع, وينشر فيه كلا من الخداع, والمراوغة, والتلبيس, والغش,
والكذب, حتى تنعدم الثقة بين الناس, وتسود علاقاتهم الحذر والحيطة والشك في كل أمر,
والخداع والريبة في كل صلة. ومن صفات المنافق قساوة القلب, وجمود العين, والإصرار
على الذنب, والحرص على الدنيا.


فكل
من الخيانة, والكذب, والغدر, والفجور هي من صفات المنافقين , وإذا اجتمعت هذه
الصفات الذميمة في فرد واحد كان منافقا خالصا كما وصفه رسول الله- صلى الله عليه
وسلم-. وهذه الصفات القبيحة تعبر عن انحطاط في أخلاق من يحملها, لأنه لا يمكن أن
يؤتمن على شئ من تعود على خيانة الأمانة , ولا يمكن لمن تعود على الكذب أن يصدقه
الناس, ولا يمكن لغادر أن يحفظ العهد, ولا يمكن لفاجر إلا أن يرمي خصومه
بالافتراءات الكاذبة وبالتهم الباطلة, وإنسان هذا شأنه لا يمكن أن يكون لبنة صالحة
في مجتمع سليم, بل هو خارج على قوانين المجتمع وأمنه, وخارج عن فطرته السوية التي
فطره الله- تعالى- عليها , لأنه كي يحقق مآربه الشيطانية فلا بد وأن يظهرغير ما
يبطن, وأن يدعي الصدق وهو يعلم أنه كاذب, ويتظاهر بالأمانة ثم يخون, ويدعي المحافظة
على العهد وهو يخطط للغدر به. والمنافق إذا لم يراجع نفسه, وإذا لم يردها عن غيها
باستمرار غلب عليه النفاق حتى في معاملته مع ربه مما يؤدي إلى انتزاع الإيمان من
قلبه, وتركه ليمتلئ بالنفاق حتى يلقى ربه وهو- تعالى- غاضب عليه, وفي ذلك يقول
الحق- تبارك وتعالى-:
(
وَمِنْهُم
مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن
فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ
*
فَلَمَّا
آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُم مُّعْرِضُونَ*
فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا
أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) (التوبة
75-77)


والمنافقون
في كل زمان ومكان همهم الأكبر الحصول على أكبر قدر من المكاسب المادية بأي ثمن دون
تحري الحلال من الحرام, حتى لو كان ذلك على حساب حقوق الآخرين وحساب المصالح العامة
والأخلاق والقيم وعلى حساب كرامتهم الشخصية, فيعيشون كالعبيد الذين لا يملكون من
أمرهم شيئا , ولا يحركهم إلى مطامعهم إلا شهواتهم الدنيئة.


ومن
أبشع صور النفاق ما يعرف باسم النفاق السياسي الذي يتبعه المتسلقون الوصوليون أصحاب
الشهوات المفتوحة على المال والسلطة, فيستخدمون النفاق في مجاملة الحكام وتملقهم,
وتزيين أعمالهم الخاطئة, في أنظارهم وأنظار الغير وإظهارها بغير مظهرها الحقيقي
فيخدعوهم ويخدعوا المجتمع كله ويخدعوا أنفسهم , وذلك من أجل بعض المكاسب الشخصية ,
ورحم الله أمير الشعراء شوقي الذي قال:


يولد السيد المتوج
غضا *
طهرته في مهده النعماء


فإذا ما المملقون تولوه *
تولت طباعه الخيلاء
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

كاتب الموضوعرسالة
نبيلة محمود خليل
Admin


عدد المساهمات : 884
تاريخ التسجيل : 20/08/2010

مُساهمةموضوع: رد: الأعجاز التشريعى   السبت سبتمبر 17, 2011 4:27 am

دعوة إلى الإيمان بالله
ج4


نتابع الجزء الرابع من بحث دعوة إلى الإيمان بالله


حادي عاشر: من مميزات الإسلام كما تكامل في رسالته
الخاتمة:


1- إنه الرسالة السماوية الوحيدة التي تعهد الله – تعالي – بحفظها فحفظت في
نفس لغة الوحي ( اللغة العربية ) علي مدي يزيد علي أربعة عشر قرنا, وستظل محفوظة
إلي ما شاء الله، وذلك لطلاقة الوعد الإلهي بحفظها, بينما وُكِّلَ حفظ
الرسالات السابقة كلها لأتباعها فضيعوها ضياعا تاما، ماعدا ذكريات محرفة تحريفا
شديدا عن آحاد منها. بناء علي ذلك فإن الإسلام-كما تكامل في رسالته الخاتمة-هو
الدين الوحيد الذي يرتضيه ربنا – تبارك وتعالي – من عباده, لأنه دين الله في صفائه
الرباني وإشراقاته النورانية, دون أدنى ابتداع، بينما كل ما عداه من معتقدات معاصرة
هو صناعة بشرية خالصة وإن ادعت بأن لها صلة بوحي السماء. والدين لا يمكن أن يكون
صناعة بشرية بل لابد من كونه هداية ربانية خالصة لا يداخلها أدني قدر من التصورات
البشرية .


2- إن الإسلام-كما تكامل في القرآن الكريم، وفي سنة خاتم الأنبياء
والمرسلين-صلى الله عليه وسلم- يجسد دعوة كل أنبياء الله ورسله من زمن أبينا آدم –
عليه السلام – إلي بعثة خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد – صلي الله عليه وسلم-,
وقد بلغ عددهم مائة وعشرين ألف نبي , اصطفي الله – سبحانه وتعالي – منهم ثلاثمائة
وبضعة عشر رسولا. وقد بعث الله – تعالي – كل نبي وكل رسول إلي أمته, حتى شملت دعوته
– تعالي – جميع أمم الأرض، ثم بعث خاتم الأنبياء والمرسلن للخلق أجمعين إلى يوم
الدين. وكل الرسائل الثلاثمائة وبضعة عشر التي تنزلت قبل بعثة الرسول الخاتم– صلي
الله عليه وسلم - قد ضاعت كلها ضياعا كاملا, وبقي القرآن الكريم محفوظا بحفظ الله
– تعالي – في نفس لغة وحيه , تحقيقا لعهد الله الذي قطعه علي ذاته العلية؛ وذلك لأن
الرسول الخاتم قد ختمت بنبوته النبوات, كما ختمت برسالته كل الرسالات السماوية
ولذلك فليس من بعده – صلي الله عليه وسلم – نبي ولا رسول ولذلك كان لابد من حفظ
رسالته الخاتمة حفظا مطلقا حتى تبقي هداية الله لخلقه أجمعين وحجته - تعالى - عليهم
إلي يوم الدين .


3- بناء علي ذلك فإن الإسلام-كما تكامل في كل من القرآن الكريم وسنة خاتم
الأنبياء والمرسلين-صلى الله عليه وسلم-هو الدين الوحيد الذي يرتضيه ربنا – تبارك
وتعالي – من عباده, ولا يرضى منه دينا سواه، وذلك لأنه هو دين الله في صفائه
الرباني وإشراقاته النورانية, دون أدنى ابتداع، بينما كل ما عداه من معتقدات معاصرة
هو صناعة بشرية خالصة وإن ادعت بأن لها صلة بالهداية الربانية، والدين لا يمكن أن
يكون صناعة بشرية.


4- إنه الدين الوحيد الذي ينزه الله - تعالي – عن جميع صفات خلقه وعن كل
وصف لا يليق بجلاله , والذي يوحد الله – سبحانه وتعالي – توحيدا كاملا (بغير شريك
, ولا شبيه , ولا منازع , ولا صاحبة ولا ولد) والمنطق السوي يأمر بذلك ويؤكده لان
الإيمان بالله وتنزيهه فوق جميع صفات خلقه أمر منطقي في العقول، و فطري في النفوس
انطلاقا من وحدة البناء في كون قائم على الزوجية الكاملة في كل شئ (من اللبنات
الأولية للمادة والطاقة إلى الإنسان)، ولضرورة تمايز الخالق –سبحانه وتعالى- في
ذاته وصفاته وأسمائه عن جميع خلقه.


5- وبما أن الإسلام هو الدين الوحيد القائم علي التوحيد الكامل لله-تعالى-
فهو يقوم علي الإيمان بوحدة رسالات السماء وبالأخوة بين الأنبياء , وبين الناس
جميعا , دون أدني قدر من التمييز العرقي أو الطبقي , بينما تقوم كل المعتقدات
المعاصرة – والتي هي صناعة بشرية كاملة – علي التمييز العرقي أو الطبقي أو الديني
بين الناس .


6- يقوم الإسلام علي الاعتقاد الجازم بأن الله – تعالي – هو خالق كل شيء
بالحق وإلي أجل مسمي، وأن الإنسان من خلق الله – تعالي– الذي خلقه من طين, ونفخ
فيه من روحه, وعلمه من علمه, وأمر الملائكة بالسجود له, وكرمه وفضله علي كثير ممن
خلق تفضيلا, واستخلفه في الأرض لأجل محدد، حدده الخالق –سبحانه وتعالى- لكل فرد من
بني آدم , ولكل شئ في هذا الوجود ولا تستطيع قوة على وجه الأرض تغيره بالتقديم أو
التأخير. كما يقوم الإسلام العظيم على الإيمان بأن الكون – بكل ما فيه ومن فيه –
خاضع للقدرة الإلهية التي أبدعته فالله – تعالي – وحده هو الذي يمسك بكل أجزاء
الكون , ويصونه ويبقيه , ولا يملك أحد غير الله أن يبدل من نظام الكون وقوانينه
شيئا, بمعني أن قوانين الكون المطردة ليست واجبة ولا مطلقة , لأنها خاضعة لقدرة
الله – تعالي – الذي خلقها، وأوجدها، وجعلها منظمة للكون ولجميع ما فيه من الكائنات
والموجودات.
والإنسان جزء من هذا الكون المادي الذي خلقه الله - تعالي – بعلمه
وحكمته وقدرته , ولكن الإنسان له كيان روحي عاقل بالإضافة إلى جسده المادي, وله
قدرة على التفكير , وعلي التعبير عن أفكاره ومشاعره، لأنه كائن حي , عاقل، قادر ,
مختار ومكلف.
ويقوم الإسلام العظيم على الإيمان بأن الإنسان يولد علي الفطرة،
وأن الخير أصيل فيه , والشر طارئ عليه, وأن الله – تعالي – قد وهبه القدرة على
التمييز بينهما بالعقل, ولكن أبواه يهودانه، أو يمجسانه، أو يُنَصِّرانِة. وإن كانت
قمة الخير في الإنسان , ووسيلته إلى إنمائه تتمثل في خضوعه بالعبودية لله – تعالي-
وحده لأنه –سبحانه- هو رب هذا الكون ومليكه , والذي لا سلطان في هذا الوجود لغيره.
والإنسان إذا لم يؤمن إيمانا جازما بذلك ,ولم يعمل به كان جبارا عاتيا على
الخلق،ومفسدا مدمرا في الأرض, يستخدم كل نعمة عنده في الكفر بالله، والإفساد في
الحياة، وفي الاستعلاء علي الخلق، والتجبر والتسلط عليهم , أو في أن يكون عبدا
لغير الله-تعالى- فيشرك به , وهذه صورة من صور الإذلال الذي يتنافي مع كرامة
الإنسان .
ومن الخير الفطري الذي أودعه الله – تعالي – في طبيعة الإنسان تلك
القيم الخيرة من مثل حب الحق وحب الخير , وتذوق الجمال الحسي والمعنوي في كل شيء ,
وهذه القيم يحرص الإسلام العظيم علي رعايتها وتنميتها في كل فرد منذ لحظة الإدراك
الأولي في حياته. ومن ذلك الإيمان بالأخوة الإنسانية التي له عندها حقوق وعليه
تجاهها واجبات لا بد من أدائها . ولا تستقيم الحياة الدنيوية إلا بقيام الاتزان
الدقيق بين حقوق الفرد وواجباته تجاه كل من أسرته ,وأهله , ومجتمعه , وأمته , و
تجاه الإنسانية جمعاء. ومن ذلك حب العلم النافع , غير المعزول عن الحكمة , وإتباعه
بالعمل الصالح الذي ينفع الناس جميعا، ,وذلك لان العلم النافع يصدقه العمل الصالح،
كما أن الإيمان الصادق لابد وان يكون مقرونا بالعمل الصالح وبالأخلاق الكريمة
وبالأخذ بعزائم الأمور.
وقد جاء القران الكريم مؤكدا على أن لكل شيء في هذا
الكون فطرته السوية التي فطره الله – سبحانه وتعالي – عليها , والتي تخصه وتميزه عن
غيره , وعلي أن الكون – بكل ما فيه ومن فيه – خاضع لقوانين الخالق – سبحانه وتعالى
– وهي قوانين مطردة , لا تتخلف ولا تتوقف ولا تتعطل إلا بإرادته. ومعرفة هذه
القوانين هي من أسباب التقدم العلمي والتقني وهما وسيلة حسن القيام بواجبات
الاستخلاف في الأرض بعمارتها وتيسير الحياة على سطحها.


7- إن الإسلام هو الدين الوحيد الذي يكرم الإنسان، و يجعل لدمه حرمة تفوق
حرمة أقدس أماكن العبادة. وانطلاقا من هذه الكرامة يدعو الإسلام العظيم إلى الحرية
الكاملة للإنسان في اختيار الدين الذي يود أن يدين نفسه به لله - تعالي –، وذلك
انطلاقا من حقيقة أن الإنسان في الإسلام هو مخلوق مكرم، عاقل , حر، ذو إرادة , ومن
هنا كان حقه الكامل في حرية التدين ويكفي في ذلك قول ربنا –تبارك وتعالي-:

﴿ل اَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ
فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ

وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الوُثْقَى لاَ
انفِصَامَ لَهَا

وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾( البقرة :256 ).
وقوله – تعالي -:
﴿ وَقُلِ الحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ.... ﴾ ( الكهف :29 )
وقوله –سبحانه-:﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ
. لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ .وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ . وَلاَ
أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ . وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ . لَكُمْ
دِينُكُمْ
وَلِيَ دِينِ﴾)الكافرون :1- 6) هذا في الوقت الذي تقوم المعتقدات المعاصرة كلها إما
بالانغلاق التام علي ذاتها استعلاء وأنانية , وإما بالاستغلال و الابتزاز لفقر
الناس وحاجاتهم في ساعات الاضطرار والعوز، وذلك بمساومتهم علي دينهم بلقمة العيش أو
قطرة الدواء , أو خيمة الإيواء .


8- إنه دين متوازن في كل شيء، فهو يدعو إلى الأخذ بمكارم الأخلاق , وإلى
احترام العقل السوي, وإلى تعظيم طلب العلم, وتوقير العلماء وجعلهم ورثة الأنبياء,
كما يوصي الإنسان المؤمن بالحرص علي الفوز بالحكمة, وبقبول كل ما يقره المنطق
السوي, ويقوم عليه الدليل القاطع ويدعمه البرهان الناصع, ويدعو الإنسان إلى النجاح
في الدنيا بالحق ,وبالعمل للآخرة دون توانٍ أو توقف حتى يلقى أجله المحدد. ويكفي
لتأكيد ذلك أن أولى آيات القران الكريم نزلت تأمر بالقراءة والكتابة ,وتعظيم
أدواتهما وفي ذلك يقول ربنا -تبارك وتعالى-
﴿ اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ
عَلَقٍ * اقْرَأْ

وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ
الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾
(العلق:1-5). وأقسم ربنا تبارك وتعالى بالقلم تعظيما لشأنه- وهو الغنى
عن القسم لعباده- فقال عز من قائل:-
﴿ ن وَالْقَلَمِ
وَمَا يَسْطُرُونَ ﴾ (القلم:1).

9- إن الإسلام دين يكلف الإنسان بحسن القيام بواجبات الاستخلاف في الأرض
بعمارتها
وإقامة شرع الله وعدله فيها. ويجعل من ذلك عبادة لا تقل في قدرها عن
عبادة الخالق – سبحانه وتعالي–بما أمر, وهما وجهان لعبادة واحدة, تتحقق بهما رسالة
الإنسان في هذه الحياة .


10- إنه دين يأمر بالبحث في المعلوم المنظور من أمور الكون، أو ما يعرف باسم
"عالم الشهادة"، كما يدعو إلي الإيمان "بعالم الغيب". ومن الغيوب
التي يطالبنا الإسلام بها الإيمان بالله , وملائكته , وكتبه , ورسله , واليوم الأخر
, وبالقدر خيره وشره , والتسليم بعوالم الجن دون محاولة التعرض لهم , ودون إفراط في
ذلك أو تفريط .


11- إنه دين يدعو إلي تحرير الإنسان من عبودية الذات أو المخلوقات إلى
عبودية الخالق وحده(بغر شريك، ولا شبه، ولا منازع، ولا صاحبة ولا ولد) , ويلغي جميع
الوسائط بين المخلوقين وخالقهم , فلا صكوك غفران , ولا كراسي اعتراف , ولا تقديس
لغير الله – تعالي – ولغير ما قدس هو – سبحانه وتعالي – من أزمنة و أماكن بعلمه
وحكمته وإرادته.


12- إنه دين يدعو إلي التوسط والاعتدال في كل أمر من أمور الحياة الدنيا،
ويأمر بصلاح الدنيا دون نسيان الآخرة , كما يأمر بمخالطة الناس في حدود تمنع
الانعزال عنهم , وتحول دون الانفتاح الكامل عليهم . وعلي ذلك فإنه لا رهبانية في
الإسلام ,ولا كهانة ولا عرافة , ولا رجال دين, ولكن علماء ومتخصصون في مختلف
المجالات الدينية والدنيوية بلا أدني سلطان ديني، لأنه لا سلطان في هذا الوجود لغير
الله – سبحانه وتعالي .


13- إنه دين يحفظ الضرورات الخمس لكل فرد من بني آدم: الدين,
والعقل , والنفس, والمال, والعرض , علي أسس من
العدالة, والمساواة بين الناس جميعا, والتيسير لهم , والحرص علي مصالحهم, والمحافظة
علي كرامة كل فرد من أفرادهم وحقوقه .


14- إنه دين يرفض الغفلة عن الحق في أي مجال من
مجالات المعرفة ,و يحارب التقليد الأعمى بلا دليل, كما يحارب الجمود علي الآراء
الخاطئة الموروثة , ويحرم القضاء بالظن والهوى, ويطالب بتأسيس كل حكم علي الدليل
العقلي المقبول , وعلي البرهان الجلي الواضح, ويحض علي طلب العلم النافع الصحيح،
القائم علي أساس من مسئولية الإنسان عن حواسه وعقله , وينهي عن كل ما يمكن أن يحول
دون معرفة الحق وقبوله من مثل الكبر والغرور ,والمجادلة علي غير أساس أو منطق , أو
علي غير توفر لأصول المعرفة اللازمة .


15- إن الإسلام العظيم يدعو إلى اكتساب المعارف النافعة بالتجرد للحق
والصدق فيه, والمجاهدة في سبيله, والاستمساك به , والتعاون عليه , وكلها من أسس
المنهج العلمي الاستقرائي الصحيح الذي وضعه أسسه المسلمون.


من هذا العرض الموجز فإننا ندعو الناس جميعا إلي قراءة القرآن الكريم –
ولو في احدي التراجم العديدة لمعانيه لمن لا يجيدون العربية , وان كانت كل التراجم
لا تستطيع نقل جلال الربوبية الذي يتراءى لكل ذي بصيرة بين آياته العربية- كما
ندعوهم إلي الاطلاع علي شيء من سيرة الرسول الخاتم – صلوات الله وسلامه عليه – وعلي
بعض أقواله الشريفة , وذلك من أجل التعرف على هذا الدين من مصادره الصحيحة، لأنه
الدين الوحيد الذي لا يرتضي ربنا – تبارك وتعالي – من عباده دينا سواه , والذي لا
خلاص للبشرية كلها من الكوارث التي تنتظرها إلا بالرجوع إلي الله عن طريقه , ولذلك
فهو أكثر الأديان إنتشارا في عالم اليوم على الرغم من الجهود المضنية التي تبذلها
كل أبواق الشر في العالم من أجل تشويه صورته , والإساءة إليه . والتحذير من إمكانية
إعادة تطبيقه نظاما شاملا كاملا للحياة كما كان في الحضارة الإسلامية التي جسدت
واحدة من أعظم الحضارات التي عرفها تاريخ البشرية وأكملها , لأنها كانت الحضارة
الوحيدة التي جمعت بين الدنيا والآخرة في معادلة واحدة , فازدهرت في ظلها الدنيا ,
واستخدم ازدهارها طريقا صحيحا للآخرة بإقامة شرع الله وعدله على الأرض.


وعالم اليوم أصبح مليئا بالمفاسد و المظالم، والمشاكل، والخلافات،
والمآسي, والصراعات، وذلك بسبب جهل الناس بالدين الصحيح، فغرقت الأرض في بحار من
الدماء والأشلاء, والخراب والدمار!!, ولجهل أغلب الناس بالإسلام حرموا من فهم
الذات، ومن المعرفة الحقة لرسالة الإنسان في هذه الحياة, ومصيره من بعدها , فحاول
إنسان اليوم العيش بتصوراته المادية البحتة، وهى تصورات محدودة قاصرة, واندفع
بمطامعه الدنيوية الحقيرة جريا وراء مكاسبه المادية الآنية فيها بأي ثمن , فعانى من
غلبة القوي الذي لا ضمير له علي الضعيف الذي لا حول ولا قوة له، كما عانى من انتشار
الحروب الساخنة والباردة، ومن كثرة المؤامرات الدولية والمحلية , وتكدس الأسلحة
التقليدية وغير التقليدية المتطورة، ومنها أسلحة الدمار الشامل (الذرية والنووية
والنيترونية،والأسلحة الكيميائية والحيوية القذرة)، وعانى من تطور أجهزة التجسس
والتصنت علي الناس, ومن استنزافت ثروات الأرض, وتلوث مختلف بيئاتها , حتي أصبحت
مهددة لمختلف صور الحياة بالأمراض والفناء, كما عانى أهل الأرض من انتشار الكوارث
الطبيعية والمجاعات الجماعية، ومن مختلف العقوبات والابتلاءات من مثل انتشار
الأمراض, والأوبئة الفتاكة, ومن ارتفاع كل من الأسعار ومعدلات الجريمة, وتزايد نسب
الإدمان والانتحار , وانهيار مؤسسة الأسرة, وتسيب المرأة، وزعامة الأحداث، ومن شيوع
الزنا والخنا والشذوذ, ومن ضياع الأخلاق الفاضلة وانتشار الرذائل, ومن كثرة أبناء
وبنات الحرام, ومن اختلاط الأنساب بصورة مروعة.
وفوق ذلك كله يعانى أهل الأرض
اليوم من سوء توزيع الثروة إلي الحد الذي تملك فيه عشرون دولة من دول العالم أكثر
من 87 % من ثروات الأرض جميعها، بينما لا يتعدي مجموع سكانها 18% من مجموع تعداد
سكان هذا الكوكب، ويعيش أكثر من 82 % من سكان الأرض علي اقل من 13 % من مجموع
ثروتها في مستوي من الفقر أو ما دون حد الفقر تحت قدر من المظالم والاستبداد،
والاستغلال التي تستوجب غضب الله – تعالي – وتستعجل نزول عقابه .


وعالم اليوم مهدد بالعديد من الكوارث الإنسانية: العسكرية منها,
والبيئية, والصحية, الاقتصادية , والدينية، والأخلاقية، والاجتماعية , التي لا يعلم
مدى خطورتها إلا الله – تعالي - , ولن يستطيع الإنسان تجنب وقوع تلك الكوارث إلا
بالرجوع إلي الله -سبحانه وتعالي – إيمانا به وتصديقا بكتابه , وبخاتم أنبيائه
ورسله– صلي الله عليه وسلم - , ويقينا في حتمية الآخرة وضرورتهما, وما فيها من بعث
وحشر، وحساب وجزاء، وخلود إما في الجنة أبدا أو في النار أبدا، ومعرفة صحيحة بحقيقة
وضع الإنسان في هذه الحياة : عبدا لله , خلقه ربنا – تبارك و تعالى – لرسالة محددة،
وهي رسالة ذات وجهين : أولهما عبادة الله – تعالي – بما أمر , وثانيهما حسن القيام
بواجبات الاستخلاف في الأرض بعمارتها وإقامة شرع الله وعدله فيها . ولن يستطيع
الإنسان الوصول إلي ذلك إلا عن طريق الإسلام العظيم الذي تعهد ربنا – تبارك وتعالي
– بحفظ وحيه فحفظه في القران الكريم وفي سنة خاتم الأنبياء والمرسلين، فأصبح هذان
المصدران من مصادر الوحى الإلهي هما طوق النجاة الوحيد لكل إنسان علي وجه الأرض,
ولا نجاة له بغيرهما , فيا أيها الناس : عليكم بكتاب الله ( القران الكريم ) ,
وعليكم بسنة خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد بن عبد الله النبي العربي القرشي –
صلي الله عليه وسلم - فهما الصورة الوحيدة للهداية الربانية الموجودة بأيدي الناس
اليوم، ولا نجاة للإنسان في هذه الحياة الدنيا ولا من أهوال الآخرة إلا بالتعرف علي
تلك الهداية الربانية، اللهم قد بلغت، اللهم فاشهد وأنت خير الشاهدين، وآخر دعوانا
أن الحمدلله رب العالمين.




قائمة ببعض
المراجع المختارة

أولا: من مؤلفات الدكتور زغلول النجار

1- "السماء في القرآن الكريم" - دار المعرفة، بيروت (لبنان)(
(2004م).


2- "الأرض في القرآن الكريم" - دار المعرفة، بيروت (لبنان)(
(2005م).


3- "الحيوان في القرآن الكريم" - دار المعرفة، بيروت
(لبنان)( (2006م).


4- "خلق الإنسان في القرآن الكريم"- دار المعرفة،
بيروت (لبنان)( (2008م).


5- "الإنسان من الميلاد إلى البعث في القرآن الكريم"
دار المعرفة، بيروت (لبنان)(2008م).


6- "من آيات الإعجاز التاريخي في القرآن الكريم"-دار
المعرفة، بيروت(لبنان)
(تحت الطبع) .


7- "النبات في القرآن الكريم"، دار الشروق الدولية،
القاهرة.


8- تفسير الآيات الكونية في القرآن الكريم (الأجزاء من 1-4)؛ دار الشروق
الدولية - القاهرة.


9- الإعجاز العلمى في السنة النبوية – دار نهضة مصر –
القاهرة.


ثانيا: من مؤلفات الأستاذ عبدالقادر عوده (رحمه الله):

10- "التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي" في مجلدين، – مكتبة
دار التراث – القاهرة (2003م).


ثالثا: من مؤلفات الأستاذ الدكتور محمد عثمان نجاتى(رحمه
الله):


11- القرآن وعلم النفس - دار الشورق - القاهرة.

12- الحديث النبوى وعلم النفس- دار الشورق - القاهرة.

رابعا: من مؤلفات الدكتور محمد عز الدين توفيق:

13- التأصيل الإسلامى للدراسات النفسية – دار السلام –
القاهرة.


خامسا: من مؤلفات الشيخ عاتق بن غيث البلادينى:

14- أخبار الأمم البائدة (في القرآن) – دار مكة للنشر والتوزيع – مكة
المكرمة.
سادسا: من مؤلفات الدكتور خالد فائق العبيدى:

15- ومضات اعجازية من القرآن والسنة النبوية (1) الآثار
والتاريخ.


سابعا: من مؤلفات الأستاذ هارون يحى:

16- Perished Nations:
Ta-Ha Publishers L
td, London.

ثامنا: من مؤلفات الأستاذ الدكتور فاضل صالح السامرائى:

16- التعبير القرآنى: دار عمار – عمان – الأردن.

تاسعا: بعض المواقع على شبكة المعلومات الدولية:

1- www.elnaggarzr.com

2- www.islamnoon.com

3- www.maknoon.com

4- www.55a.net

5- www.islamway.com
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alredaalnoor.0wn0.com
نبيلة محمود خليل
Admin


عدد المساهمات : 884
تاريخ التسجيل : 20/08/2010

مُساهمةموضوع: رد: الأعجاز التشريعى   السبت سبتمبر 17, 2011 4:29 am

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى
الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ (البقرة:183)

كثر ما جاء في فضل الصيام من الآيات القرآنية الكريمة، والأحاديث
النبوية الشريفة، قد جعل كثيراً من الناس يعتقدون أن فوائد الصيام مقصورة
على الجوانب التعبدية, وانعكاساتها الروحية والعاطفية والأخلاقية والسلوكية على
الأفراد والمجتمعات، ولكن ثبت بالعديد من الدراسات المستفيضة أن للصيام فوائدَ
صحيةً لخصها خاتم الأنبياء والمرسلين
صلى الله عليه وسلم في قوله الشريف : " صوموا تصحوا " .
وقد أظهرت نتائج تلك الدراسات أن الأداء البدني للصائم من طلوع
الفجر الصادق إلى الغروب أفضل من أداء غير الصائم لتحسن كل من درجة تحمل البدن
للمجهودات العضلية, وأداء كل من القلب وبقية الجهاز الدوري، وغيره من أجهزة الجسم
من مثل (الجهاز الهضمي، والجهاز التنفسي) أثناء الصيام, ومن هنا كانت قلة الشعور
بالإجهاد, وتحمل ما لا يمكن للفرد تحمله في ساعات الإفطار العادية, وذلك لاختلاف
مصدر الطاقة في الجسم بين الصائم والمفطر, أما إذا زادت مدة الصيام عن المتوسط الذي
شرعه الإسلام (11 – 14 ساعة تقريبا) فإن الأداء البدني والعضلي يبدأ في التأثر,
ويبدأ الصائم في الشعور بالإعياء.

فمن المعروف أن الصوم يسبب انصهار الدهون في الجسم، مما يؤدي إلى
زيادة في الأحماض الدهنية الحرة في الدم, فتصبح هذه الأحماض مصدرا رئيسيا لطاقة
الصائم بدلاً من الجلوكوز والمخزون في كل من الكبد والدم والذي يستهلك في حالة
المفطر, وهذا يساعد على تقليل استهلاك مادة "الجليوكوﭽين" في كل من العضلات والكبد
أثناء بذل الجهد من قبل الصائم, ويساعد كذلك في ضبط مستوى سكر الجلوكوز في الدم
الذي يؤدي نقصه إلى الشعور بالإعياء، ولما كان مستوى سكر الجلوكوز في دم المفطر هو
المصدر الرئيسي لطاقته, كان جهده المبذول يشعره بإعياء أكبر مما يشعر به الصائم إذا
قام بنفس المجهود, تحت نفس المجهود.


والإضافة إلى ذلك في قوله -تعالى-: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا
كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾
[البقرة آية:183] إنباء بحقيقة تاريخية لم تكن معروفة في زمن الوحي،
فقد كتبه الله-تعالى- صيام شهر رمضان على كل أمة خلت كما كتب على أمة محمد ـ صلى
الله عليه وسلم ـ تماما بتمام ‏.‏
وفي ذلك يقول المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏ : ‏" صيام رمضان كتبه الله علي الأمم قبلكم ‏" (‏ رواه ابن أبي حاتم عن عبد الله بن عمر-رضي الله عنهما-
مرفوعا).


وإذا كان صيام شهر رمضان قد فرض على كل مسلم بالغ‏,‏ عاقل‏,‏ صحيح‏,‏
مقيم‏,‏ وذلك تعظيما لهذا الشهر الكريم الذي اختاره الله ـ تعالى ـ بعلمه وحكمته
وقدرته من بين شهور السنة لإنزال القرآن الكريم فيه‏,‏ فإن أحاديث رسول الله ـ صلى
الله عليه وسلم ـ تؤكد أن جميع ما نعلم من أصول الكتب السماوية السابقة قد أنزل في
شهر رمضان‏,‏ ومن هنا كان لزاما على جميع المؤمنين بالأصول السماوية لهذه الكتب أن
يعظموا هذا الشهر الفضيل بصيامه تماما كما نصومه نحن المسلمين أي : بالإمساك عن
جميع أنواع المفطرات من الفجرالصادق إلى غروب الشمس
‏,‏ فقد روى الإمام أحمد عن وائلة بن الأسقع أن رسول الله ـ صلى الله
عليه وسلم ـ قال ‏:
" أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان‏,‏ وأنزلت التوراة لست مضين
من رمضان‏,‏ وأنزل الزبور لثلاث عشرة خلت من رمضان‏,‏ وأنزل الإنجيل لعشرين خلت من
رمضان، وأنزل الله القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان‏ "
.‏
والثابت أن القرآن الكريم نزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت
العزة من السماء الدنيا‏,‏ وكان ذلك في ليلة القدر من شهر رمضان‏,‏ ثم أنزل بعد ذلك
مفرقا على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بحسب الوقائع على مدى ثلاث وعشرين سنة
كما روى ابن عباس ‏(‏رضي الله عنهما‏).


ولما كان القرآن الكريم هو آخر الكتب السماوية المنزلة هداية للبشرية
فقد تعهد ربنا ـ تبارك وتعالى - بحفظه بقول ربنا- عز من قائل‏:


﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ
وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ ‏(‏الحجر‏:9).‏

وقد جاءت الإشارة إلى الصوم عموما فيما بقي من الكتب السماوية السابقة،
وهذا مما يؤكد على وحدة رسالة السماء، وعلى الأخوة بين الأنبياء‏,‏ وعلى وحدة الجنس
البشري التي يقررها القرآن الكريم بقول ربنا ـ تبارك وتعالى ‏:‏
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن
نَّفْسٍ
وَاحِدَةٍ
وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا
وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً
وَنِسَاءً
وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً
﴾‏
(‏النساء‏:1).

ويؤكدها قول المصطفى ـ صلي الله عليه وسلم ـ‏ :‏ " النَّاسُ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ " (قَالَ الترمذي هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ) .‏

ومما جاء في العهدين القديم والجديد ما يلي:

· جاء في " العهد القديم " ( مز 35 / 13 ) ما نصه :


" أذللت بالصوم نفسي , وصلاتي إلى حضني ترجع ".

· وجاء في " العهد الجديد " ( أعمال 13 / 2 ) ما نصه :


" وبينما هم يخدمون الرب ويصومون قال الروح القدس
: أفرزوا لي ( برنابا ) و ( شاول ) للعمل الذي دعوتهما إليه ، فصاموا حينئذ وصلوا ،
ووضعوا عليهما الأيادي ثم أطلقوهما ".


· وجاء في ( أعمال 14 / 23 ) ما نصه : " وانتخبا لهم قسوسا في كل كنيسة
ثم صليا بأصوام واستودعاهم للرب الذي كانوا قد آمنوا به ......" .
وانطلاقا من
ذلك فإن في قول ربنا تبارك وتعالى ـ :
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا
كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾
[البقرة آية:183] تأكيد على وحدة رسالة السماء، وعلى الأخوة بين الأنبياء، وبين الناس
جميعا، وتأكيد كذلك صدق القرآن الكريم في كل ما جاء به، وتأكيد وعلى صدق نبوة
الرسول الخاتم الذي تلقى القرآن الكريم عن ربه الكريم ، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة
، ونصح الأمة ، وجاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين ، فصلى الله وسلم وبارك عليه ،
وعلى آله وصحبه ، ومن تبع هداه ، ودعا بدعوته إلى يوم الدين ، وآخر دعوانا أن الحمد
لله رب العالمين .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alredaalnoor.0wn0.com
نبيلة محمود خليل
Admin


عدد المساهمات : 884
تاريخ التسجيل : 20/08/2010

مُساهمةموضوع: رد: الأعجاز التشريعى   السبت سبتمبر 17, 2011 4:29 am

تابع الجزء الثالث من بحث دعوة إلى الإيمان بالله



ثامنا: حاجة الإنسان إلى الدين تشهد بجود الله:
يؤكد لنا
التاريخ المدون أن الإنسان لا يمكنه أن يحيا على هذه الأرض حياة سوية بغير دين
, وأن الدين لا يمكن أن يكون صناعية بشرية . وذلك لأن الدين هو بيان من الخالق –
سبحانه وتعالى- للإنسان في القضايا التي يعلم ربنا – تبارك وتعالى- بعلمه المحيط
عجز الإنسان عجزا كاملا عن وضع أية ضوابط صحيحة لنفسه فيها , وذلك من مثل قضايا
العقيدة والعبادة والأخلاق والمعاملات , وذلك لكون هذه القضايا إما من الغيوب
المطلقة كقضية العقيدة , أو من الأوامر الإلهية الخالصة كقضية العبادة , أو هي من
ضوابط السلوك كدساتير الأخلاق، وفقه المعاملات . والعقيدة الصحيحة تطالب الناس
جميعا بالإيمان بالله –تعالى- ربا واحدا أحدا, فردا صمدا, (بغير شريك, ولا شبيه,
ولا منازع, ولا صاحبة ولا ولد) كما تطالبهم بالإيمان بأن هذا الإله الواحد الأحد ,
الفرد الصمد هو خالق كل شئ , وأن كل شئ سواه مخلوق بقدرة هذا الخالق العظيم , التي
لا تحدها حدود , ولا يعوقها عائق .


وهذا الخالق
العظيم مغاير في ذاته و أسمائه وصفاته لجميع خلقة , فلا يحده أى من المكان أو
الزمان لأنه – سبحانه وتعالى- هو خالقهما ؛ ولا يتشكل من المادة أو الطاقة لأنه –
تعالى- هو مبدعهما , والمخلوق لا يحد خالقه أبدا .
والإنسان -بحكم تكوينه- لا
يستطيع إدراك إلا الأشياء المحسوسة، أي: المحددة بكل من المكان والزمان,
والمُشَكَّلة بشكل من أشكال المادة أو الطاقة أو من كليهما معا. ولما كان الخالق
العظيم منزها عن حدود كل من المكان والزمان, والمادة والطاقة, أي: منزها عن جميع
صفات خلقه، وعن كل وصف لا يليق بجلاله , صعب على الإنسان معرفة خالقه دون وحى من
هذا الخالق العظيم, وإن أدرك كل إنسان عاقل بديع صنع الله في نفسه , وفى الآفاق من
حوله .
ولذلك عَرَّف ربنا –تبارك وتعالى- كلا من أبوينا آدم وحواء –عليهما
السلام- لحظة خلقهما من الذي خلقهما، كما عرفهما على حقيقة رسالة كل منهما في
الحياة الدنيا, ومصيره من بعدها. وبذلك كان آدم –عليه السلام- أول الأنبياء، بل كان
نبيا مكلما كما وصفه خاتم الأنبياء والمرسلين –صلى الله عليه وسلم- في حديثه
الصحيح.
وعلم آدم ذريته , وكلما عاشت البشرية بنور الهداية الربانية كلما سعدت
وأسعدت، ولكن الإنسان فيه ميل للنسيان ورغبة في الخروج على الحدود التى حددها له
الله فَيَضلُّ ويُضِلُّ , ويَشقى ويُشقى حتى تغرق البشرية في ظلام دامس من
الضلالات، والمظالم، والضياع التام فيرسل الله – تعالى- نبيا يصطفيه من الناس
ليردهم إلى الدين الصحيح، إن كان الدين لا يزال موجودا بين أيديهم وإن انحرفوا عنه.
ولكن إذا كان الدين قد ضاع أو حُرِّف وبُدِّل أرسل الله – تعالى- رسولا مصطفى من
بين الناس، ينزل عليه رسالة جديدة من نفس المصدر، بنفس العقيدة مؤكدا على وحدانية
الخالق-سبحانه وتعالى-( أن أعبدوا الله ما لكم من إله غيره )، وعلى وحدة رسالة
السماء، وعلى الإيمان بجميع الأنبياء، وعلى الأخوة بين الناس جميعا.


وظلت
البشرية-عبر تاريخها الطويل- تتأرجح بين الإيمان والكفر, وبين التوحيد والشرك ,
وظلت الهداية الإلهية تتنزل إلى الناس في كل أمة من أمم الأرض لقول ربنا –تبارك
تعالى- :
﴿ وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيهَا نَذِيرٌ ﴾ (فاطر:24)، حتى
بلغ عدد الأنبياء مائة وعشرين ألف نبي، اصطفى الله -تعالى- من بينهم ثلاثمائة وبضعة
عشر رسولا. وكان لابد وأن يكون لتنزل الوحي من خاتمة وكان ختامها بعثة النبي و
الرسول الخاتم، سيد الأولين والآخرين , سيدنا محمد بن عبد الله النبي العربي – صلى
الله عليه وسلم-، فختمت ببعثته النبوات , وبرسالته كل الرسالات السماوية التي نسخها
القرآن الكريم بعد أن ضيع أتباعها أصول تلك الرسالات، وأشبعوا ما بقى منها من
ذكريات كثيرا من التحريف والتبديل والتغيير , الذي أخرجها عن إطارها الرباني،
وجعلها عاجزة عن هداية أتباعها، خاصة وأن هذه الرسالات السابقة كلها كانت قد نقلت
مشافهة من الآباء للأبناء , ومن الأجداد للأحفاد , وحين جاء وقت تدوينها تم ذلك بعد
عدة قرون من موت أو رفع الرسل الذين تلقوها. و تم تدوين كل منها بلغات غير لغة
الوحي بها , وبأيدي أناس مجهولين، ليسوا بالأنبياء ولا المرسلين، وليس لأي منهم
أدنى قدر من العصمة اللازمة في التبليغ عن الله -تعالى-. ومن هنا كانت الرسالة
الخاتمة ناسخة لكل ما أنزل قبلها من رسالات، ومهيمنة عليها هيمنة كاملة.


تاسعا: إن الدين عند الله الإسلام:
من ركائز
العقيدة الإسلامية: الإيمان بالله –تعالى- و ملائكته، و كتبه و رسله و اليوم الآخر،
و بالقدر خيره و شره. و الإنسان -المحبوسة روحه في هذا الجسد الطيني- لا تستطيع
حواسه المحدودة إدراك الذات الإلهية، و إن كان الإيمان بالله- تعالى- مطبوعا فى
جبلته . هذا الإنسان المفطور على الإيمان بالله - تعالى- إن لم يهتد إلى العقيدة
الصحيحة
, فإما أن يصطنع لنفسه عقيدة فاسدة يملأ بها الحاجة الداخلية في ذاته
إلى العبادة , أو أن يعيش في هذه الدنيا هائما على وجهه بغير عقيدة، و كلا الحالين
لن يفيده بشيء في الدنيا ولا في الآخرة , بل سوف تُلْقَى كل من أعماله و كفره أو
عقيدته الفاسدة في وجهه يوم القيامة كالخرقة البالية، مهما أخلص لها وتفانى في
خدمتها ...!!
أما الملائكة فهم عالم غيبي لا توجد لدينا وسيلة مادية
لإثبات وجودهم, ولولا أن الله – تعالى- قد أخبرنا بوجودهم ما كان أمامنا من وسيلة
لمعرفة ذلك.
وكذلك الأمر
بالنسبة إلى الرسل السابقين وكتبهم، فالتاريخ المكتوب لم يدون لنا شيئا
عنهم, و لا عنها، ولولا إخبار الله –تعالى- لنا عن بعضهم ما كان أمامنا من وسيلة
للتعرف عليهم ولا على أممهم.
وأما عن
اليوم الآخر , وما فيه من بعث , وحشر , وحساب وجزاء , وميزان وصراط , وجنة
ونار , فلولا أن الله – تعالى- قد أخبرنا عن ذلك ما كان أمامنا من وسيلة للتعرف
عليه , على الرغم من توفر كل الشواهد المادية العديدة على حتمية فناء الكون و فناء
كل ما فيه من أحياء وجمادات .
من هنا كانت
ضرورة أن تكون العقيدة بيانا ربانيا خالصا لا يداخله أدنى قدر من التصورات
البشرية وإلا كانت عقيدة فاسدة, تقود أتباعها حتما إلى النار مهما أخلصوا لها
وتفانوا في خدمتها...!!
والركيزة
الثانية للدين هي العبادة , وهى بمفهومها اللغوي قمة الخضوع لله بالطاعة ,
ولا توجد طاعة بغير أوامر , فإذا لم يتلق الإنسان بينا من الله – تعالى- يوضح
تفاصيل العبادة التى يرتضيها من عباده، فإما أن يبتدع الإنسان من عنده أنماطا من
العبادة لم يفرضها عليه خالقه،أو لا يعبد هذا الخالق العظيم، علما بأن عبادته –
تعالى- من أول أسباب وجود الإنسان في هذه الحياة الدنيا. كذلك لا يمكن لعاقل أن
يتخيل إمكانية ابتداع الإنسان لنمط من العبادة , ثم افتراض قبولها من الله –تعالى-،
لما في ذلك من منافاة لحقيقة العبودية لله الخالق , و من تألُّهٍ على جلاله، وهو رب
هذا الكون ومليكه , وهذا موقف يرفضه العقل السليم , والمنطق السوي رفضا كاملا
.
أما الأخلاق والمعاملات فهما من ركائز الدين, ومن ضوابط السلوك البشري,
والتاريخ يؤكد لنا عجز الإنسان عجزا كاملاً عن وضع ضوابط صحيحة لسلوكه, وما تعج به
الأرض اليوم من قهر واستبداد، وجور ومظالم , ومن كثرة بحار الدماء, وأكوام الأشلاء
, وساحات الحروب وما تخلفه من الخراب والدمار, ومن مختلف صور ضياع الإنسان وتحلله،
وانحرافه ومفاسده، وانفلاته من جميع الضوابط الربانية لأخلاقه وسلوكه، لهو خير دليل
على عجز الإنسان عن وضع ضوابط صحيحة لنفسه في دائرة الأخلاق والسلوك.
وإذا سلمنا
بهذه المقدمات التى تقضى بأن الإنسان لا يمكنه أن يحيا على هذه الأرض حياة سوية
بغير دين , وأن الدين لا يمكن أن يكون صناعة بشرية , ظهرت لنا العلامة الفارقة بين
دين صحيح ودين غير صحيح , وهذه العلامة هي دقة حفظ الأصول السماوية للدين. ولما
كان الوحي السماوي الوحيد المحفوظ بين أيدي الناس اليوم في نفس لغة وحيه (اللغة
العربية) على مدى يزيد على أربعة عشر قرنا هو القرآن الكريم الذي تعهد ربنا –تبارك
وتعالى- بحفظه تعهدا مطلقا حتى يبقى شاهدا على الخلق أجمعين إلى يوم الدين بأنه
هداية رب العالمين، وشاهدا للرسول الخاتم الذي تلقاه بالنبوة وبالرسالة وبذلك تتضح
حاجة الإنسانية كلها إلى الإسلام العظيم .


فكما أن إلهنا
واحد فلابد وأن تكون هدايته للبشرية واحدة ,وهذه الهداية علمها الله –تعالى- لأبينا
آدم –عليه السلام- لحظة خلقه , وأنزلها على عدد كبير من أنبيائه ورسله , ثم أكملها
وأتمها، وحفظها في القرآن الكريم , وفى سنة خاتم الأنبياء والمرسلين -صلى الله
وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين- ولذلك قال –تعالى- :
﴿ إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا
جَاءَهُمُ العِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ

وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسَابِ

(آل عمران : 19).
ومن معاني هذه الآية الكريمة أن الدين الوحيد الذي يرتضيه
ربنا –تبارك وتعالى- من عباده هو الإسلام بمعنى الطاعة لأوامر الله –تعالى- واجتناب
نواهيه , وتحكيم شرعه الذي أنزله في محكم كتابه ، ودعوة الناس جميعاً إلى الإيمان
بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر , وتوحيد الله –تعالى- توحيدا كاملا (–
بغير شريك , ولا شبيه , ولا منازع , ولا صاحبة ولا ولد ) وتنزيهه –جل شأنه- عن جميع
صفات خلقه , وعن كل وصف لا يليق بجلاله .
ومن معاني هذه الآية الكريمة أيضا: أن
كل نبي من أنبياء الله , وكل رسول من رسله قد بعث بالإسلام , وإن اختلفت تفاصيل بعض
التشريعات باختلاف الأزمنة والبيئات.
وتؤكد الآية الكريمة أن اختلاف أهل الكتاب
في قضية التوحيد جاء من قبيل البغي والاعتداء والظلم بينهم حينما تخلوا عن دين الله
, وحرفوا كتبه , واشتروا بها ثمنا قليلا , افتراء على الله , واستهانة بعقابه ,
ولذلك ختمت الآية الكريمة بتهديد شديد من الله –تعالى- لهم يقول فيه :
﴿...
وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا
جَاءَهُمُ العِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ

وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسَابِ

(آل عمران : 19)
ولما كانت بعثة سيدنا محمد –صلى الله عليه وسلم- تمثل ختام
النبوة , وختم رسالات السماء فقد تعهد ربنا –تبارك وتعالى- بحفظ هذه الرسالة
الخاتمة في القرآن الكريم , وفى سنة خاتم الأنبياء المرسلين–صلى الله عليه وسلم-
فقال – عز من قائل - :
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ
وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ( الحجر :
9).
ومجرد حفظ القرآن الكريم على مدى أربعة عشر قرنا أو يزيد , في نفس لغة وحيه

( اللغة العربية) دون أن يضاف إليه أو ينقص منه حرف واحد هو من معجزات هذا
الكتاب الخالد ، ومن الشهادات الدالة على صدقه , وعلى صدق هذا الوعد الإلهي المطلق
الذي قطعه ربنا – تبارك وتعالى- على ذاته العلية بحفظه، وعلى صدق الرسول الخاتم
الذي تلقاه–صلى الله عليه وسلم- . وهذا الوعد الإلهي القاطع يؤكد أن القرآن الكريم
سيبقى محفوظا بحفظ الله -تعالى- إلى ما شاء الله رب العالمين، وسيبقى، شاهدا على
الخلق أجمعين إلى يوم الدين بأنه كلام رب العالمين , وشاهدا للنبي الخاتم الذي
تلقاه بالنبوة وبالرسالة . كما يؤكد على أن الإسلام كان دين كل نبي وكل رسول من لدن
أبينا آدم -عليه السلام- إلى بعثة خاتم الأنبياء والمرسلين – صلى الله وسلم وبارك
عليه و عليهم أجمعين- ولكنه اكتمل , وتم , وحفظ في القرآن الكريم وفى سنة خاتم
النبيين , ولذلك خاطبه الله -تعالى- بقوله العزيز
﴿...اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي
وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً... ﴾ ( المائدة : 3
).


عاشرا: إعجاز القرآن الكريم للخلق أجمعين بمعنى عجزهم جميعا عن الإتيان
بشيء من مثله يشهد بأنه كلام الله:
سبق وأن أشرنا
إلى أن القرآن الكريم هو الصورة الوحيدة من كلام رب العالمين المحفوظ بين أيدي
الناس اليوم بنفس لغة وحيه ( اللغة العربية) ولذلك تتعدد جوانب الإعجاز فيه بتعدد
زوايا النظر المحايد إليه (بمعنى عجز الإنس والجن فرادى ومجتمعين عن الإتيان بشيء
من مثله), ومن ذلك ما يمكن إيجازه فيما يلي:


1-
الإعجاز اللغوي(الأدبي, البياني, البلاغي, النظمي, اللفظي
والدلالي):
جاء القرآن
الكريم منذ أربعة عشر قرنا بتحدٍ صريح للإنس والجن -فرادى ومجتمعين- أن يأتوا بشيء
من مثله , ولا يزال هذا التحدي قائما دون أن يتقدم عاقل ليقول أنه استطاع نظم سورة
من مثل سور القرآن الكريم . وقد كان العرب في زمن الوحي هم أرباب البلاغة والفصاحة
وحسن البيان, واعترف الكفار منهم -قبل المسلمين- بتفوق القرآن الكريم على كل
إبداعاتهم اللغوية من شعر ونثر (أنظر كتاب "التعبير القرآني" للأستاذ الدكتور فاضل
صالح السمرائى).


2-
الإعجاز الاعتقادي: بمعنى أن توحيد
الله –تعالى- توحيدا مطلقا فوق جميع خلقه هو اصح من الشرك بالله, وأن تنزيه الله
–سبحانه وتعالى- عن جميع صفات خلقه وعن كل وصف لا يليق بجلاله أفضل من الانحطاط
بمدلول الألوهية إلى مستوى الإنسان أو الحيوان أو الجماد، وهذا التنزيه للذات
الإلهية يتطابق مع كل منطق سوى , ومع كل معطيات العلم الذي ينادى اليوم بأن الكون
الذي نحيا فيه لابد له من مرجعية في خارجه , تكون مغايرة له مغايرة كاملة, لا يحدها
أي من المكان أو الزمان , ولا يشكلها أي من المادة أو الطاقة. وخلق الكون في زوجية
واضحة (من اللبنات الأولية للمادة إلى الإنسان) وبناؤه على نظام واحد من الذرة إلى
المجموعة الشمسية إلى المجرة يؤكد على وحدانية الخالق –سبحانه وتعالى- وعلى تفرده
فوق جميع خلقة بصفات الإلوهية، والربوبية، والخالقية، والوحدانية
المطلقة.


كذلك فإن
الإيمان بوحدة رسالة السماء ( المنطلقة من حقيقة الإيمان بوحدانية الخالق سبحانه
وتعالى) وبالأخوة بين الأنبياء (انطلاقا من الإيمان برسالتهم الواحدة) ، وبالأخوة
بين الناس جميعاً باعتبارهم إخوة وأخوات ينتهي نسبهم إلى أب واحد ، وأم واحدة هما
(آدم وحواء عليهما السلام)، هو أفضل من التحلق حول نبي واحد ، والمبالغة في تعظيم
شأنه حتى الارتقاء به وهما خاطئا إلى مقام الألوهية، ونسيان بقية الأنبياء
والمرسلين أو إنكارهم. كذلك فإن المؤاخاة بين الناس جميعا—على اختلاف أعراقهم،
وألوانهم، ولهجاتهم- هو أفضل من التمييز العرقي ، أو الطبقي ، أو الديني ، أو على
أي أساس آخر .


والإيمان بعوالم
الغيب التي أخبر عنها القرآن الكريم من مثل عوالم الملائكة والجن أفضل من إنكارها
بغير علم ، والمعطيات الكلية للعلوم تؤكد على أن الغيوب تحيط بنا من كل جانب ،
وتكفى في ذلك الإشارة إلى معطيات علوم الفلك التي تعترف بأن ما يراه الفلكيون في
الجزء المدرك من السماء الدنيا لا يكاد يتعدى (10%)من حقيقة ما هو موجود فيها من
مختلف صور المادة والطاقة المحسوبة رياضيا حسب قوانين الفيزياء الفلكية.

والإيمان بأن العدل الإلهي يقتضى ألا يحاسب الناس بدون إنذار ، وأنه ما
من بقعة مأهولة من بقاع هذه الأرض إلا وأرسل إلى أهلها نبي أو رسول ، والإيمان بهم
جميعا وبما أرسلوا به أفضل من التحلق حول نبي واحد منهم، وقد أخبرنا القرآن الكريم
عن خمسة وعشرين من الأنبياء والمرسلين لم يدون التاريخ شيئاً عنهم وإن كانت آثار
أممهم تملأ جنبات الأرض ، والدراسات الآثارية الحديثة بدأت في الكشف عن عدد منها.

والإيمان بالآخرة وبما فيها من بعث ، وحشر ، وحساب وجزاء أفضل من
إنكارها ، والإشارات العلمية كلها تشير إلى حتمية فناء الكون والكائنات . كذلك فإن
كثيرين من عتاة المجرمين ومن الحكام والمتجبرين يفلتون من سيف العدالة في الدنيا ،
ولابد من الاقتصاص منهم في الآخرة، وهذا الأمر وحده كاف لإثبات حتمية الآخرة و
ضرورتها.
والإيمان بالقضاء والقدر ـ خيره وشره ـ هو تسليم لله ـ تعالى ـ بأنه هو
رب هذا الكون ومليكه ، وسيده ومدبر أمره ، فلا يحدث فيه أمر إلا لحكمة بالغة ، وهنا
تتجلى قيمة الإيمان بالقضاء والقدر ، لأن الحرمان من هذا التسليم لله ـ تعالى ـ هو
مبعث للشقاء بلا طائل لأن قدر الله نافذ -رضي الإنسان أو أبى- وفى الرضا إيمان
بالله - تعالى- وتسليم بقضائه وطاعة له، وراحة للضمير الإنساني، بينما في الاعتراض
كفر بقضاء الله وقدره ، ورفض لحكمه ، وإرهاق للنفس دون طائل ، وقدر الله ـ تعالى ـ
نافذ لا محالة.


3-
الإعجاز التعبدي : فما من فريضة
فرضها الله ـ تعالى ـ على عباده في محكم كتابه إلا ومردودها الإيجابي على المتعبد
نفسه ظاهر للعيان : من الشهادتين بأنه لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله ،
إلى إقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم شهر رمضان ، وحج البيت الحرام لمن استطاع
إليه سبيلاً . وكل عبادة من هذه العبادات أفضل من كل الوثنيات الموضوعة عند
المتعبدين من أهل الكتاب وغيرهم .
وتكفى في ذلك الإشارة إلى ما ثبت من توسط
مكة المكرمة لليابسة، مما يؤكد على أنها أقدم بقاع الأرض، و بها أول بيت وضع للناس؛
كما تكفى الإشارة إلى إثبات أن خط الطول المار بمكة المكرمة هو خط الطول الوحيد
المتجه إلى الشمال الحقيقي للأرض، بينما يميل خط طول جرينتش –الذي فرض على العالم
بحد السيف- (7.5) درجة إلى الغرب، ولذلك يجب اتخاذ خط طول مكة المكرمة خط طول
الأساس لجميع الأرض بمعنى أن ما يقع إلى الشرق منه يعتبر شرقا، وما يقع إلى الغرب
من يعتبر غربا، حتى ينتظم شكل خرائط الأرض.


4-
إعجاز الدستور الأخلاقي : بمعنى كماله
ومواءمته للطبيعة البشرية مواءمة كاملة بغير غلو ولا إقلال
(انظر: دستور الأخلاق في القرآن للدكتور محمد عبد الله دراز-رحمه الله-
).

5-
الإعجاز التشريعي: ويتضح من عدم
المماثلة بين الشريعة الإلهية والقانون الوضعي، فالشريعة تتسم بالكمال ، والسمو ،
والدوام في كل أمر شرعته، من الأمر بالشورى إلى تشريعات الأسرة ، إلى تحريم الخمر
والميسر ، إلى تشريعات الإثبات والتعاقد ، إلى تشريعات كل من الحدود والتعازير ،
والكفارات المختلفة ، وغيرها . وكل واحد من هذه التشريعات كل من الإلهية له حكمته
ومردودة الإيجابي على المجتمع ، بينما جميع القوانين الوضعية تتسم بالنقص ، وعدم
الكمال ، وفقدان القدرة على الاستمرارية(أنظر كتاب التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا
بالقانون الوضعي للشهيد عبد القادر عودة) .


6-
الإعجاز التاريخي: ذكر القرآن
الكريم قصة خلق أبوينا آدم وحواء ـ عليهما السلام ـ بشئ من التفصيل ، والمعطيات
الكلية للمعارف المكتسبة تؤكد ذلك وتدعمه . كذلك ذكر هذا الكتاب العزيز قصة أربعة
وعشرين نبياً آخرين ، وكيف تفاعلت أمة كل نبي منهم معه ؛ وماذا كان جزاؤها ،
والاكتشافات الآثارية تؤكد دقة كل ما جاء في كتاب الله عن كل أمة من هذه الأمم،
وعما جاء عن أعداد من الصالحين والطالحين من الرجال والنساء الذين عايشوا تلك
الأمم، مما يجعل هذا القصص القرآني شهادة صدق لكتاب الله، ومن ذلك الكشف عن كل من
بقايا سفينة نبي الله نوح-عليه السلام- فوق جبل الجودى، وعن إرم ذات العماد في
الجنوب الشرقي من صحراء الربع الخالي. وعن آثار كل من قوم صالح، وقوم لوط، وآثار كل
من نبي الله سليمان وملكة سبأ، وفرعون موسى، وأصحاب الكهف، وغيرهم، (انظر كتاب
الإعجاز التاريخي في القرآن الكريم لكاتب هذه الدعوة).


7-
الإعجاز العلمي في القرآن الكريم : يحوى القرآن
الكريم أكثر من ألف آية بكل منها إشارة أو أكثر من إشارة علمية إلى حقيقة من حقائق
الكون ، وجاء ذلك بين ثنايا آيات القرآن الحاملة لركائز الدين الأربع الأساسية (من
العقيدة والعبادة والأخلاق والمعاملات) . وهذه الحقائق العلمية -في مجملها- لم تصل
إليها المعارف المكتسبة إلا في القرنين الماضيين ، وأغلبها لم تتبلور مفاهيمها إلا
في العقود المتأخرة من القرن العشرين وأوائل القرن الحادي والعشرين. وهذا السبق
العلمي للقرآن الكريم (في زمن لم يتوفر للإنسان أية وسيلة من وسائل الكشف العلمي)
لا يمكن تفسيره إلا بكون هذا الكتاب العزيز كلام الله الخالق في صفائه الرباني ،
وإشراقاته النورانية ، وأنه حفظ حفظاً كاملاً بوعد من
الله – تعالي- .
وهذا السبق بإيراد العديد من حقائق الكون , والإنسان والحياة، هو ما يجمع تحت مسمي
" الإعجاز العلمي في القران الكريم "(أنظر كتب السماء، والأرض، والنبات، والحيوان،
وخلق الإنسان، والإنسان من الميلاد إلى البعث لكاتب هذه الدعوة).


8-
الإعجاز النفسي: يخاطب القران
الكريم النفس الإنسانية خطاب الخبير العليم بدخائلها , ويرتقي بها في معارج الله
كما لا يقوي أي خطاب أخر علي الارتقاء بها , ويفصل دقائقها , ومزاياها , وأمراضها
وعللها تفصيل العليم بخباياها, الخبير بمزايها ونقائصها.(انظر مؤلفات الأستاذ
الدكتور محمد عثمان نجاتى –رحمه الله-).


9-
الإعجاز الإنبائي في القران الكريم :أخبر القرآن
الكريم بعدد من الأحداث قبل وقوعها , وقد تم تحقق جزء منها, ولا زالت الإنسانية في
انتظار تحقق الباقي من هذه الأحداث، زمن ذلك قوله -تعالى
-﴿الـم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لله
الأَمْرُ مِن قَبْلُ

وَمِنْ بَعْدُ
وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ ﴾
(الروم1-4).


10-
الإعجاز الاقتصادي: ويكفي في ذلك
الإشارة إلي تحريم الربا بمختلف صوره وأشكاله، خاصة في التعاملات المالية, والتشديد
في إجراءات الإثبات والتعاقد عند كتابة العقود والحقوق والديون، والعدل المطلق في
أحكام المواريث , والتحذير من الغش في الصنعة، ومن تطفيف الكيل والميزان في التجارة
.


11-
الإعجاز الإداري: ويتلخص في
الحرص علي تولية الكفاءات العالية , وفي المحافظة علي إنسانية الإنسان، والعمل علي
تطوير قدراته باستمرار(وذلك بتشجيعه علي كسب المعارف , وتنمية المهارات، ومكافأته
علي كل انجاز ناجح يحققه)، والعدل بين المرؤوسين , والمساواة بينهم في الحقوق
والواجبات , والعمل علي تطوير قدرات كل فرد منهم باستمرار .


12-
الإعجاز التربوي: ويتلخص في
توصيات القرآن الكريم بالحرص علي اكتساب المعارف النافعة, وعلي تحليلها وغربلتها
بمعايير الإسلام, والدعوة إلي اكتساب العلم, وإلي توقير العلماء، والتركيز علي
شمولية المعرفة الإنسانية مع احترام التخصص.


13-
إعجاز الشمول:
بمعني قدرة القرآن الكريم علي تناول كل شيء في الوجود ورَدَّه لحكم الله
خالق الوجود, وقدرته علي تقديم الإجابات الشافية لكل ما يعن للفكر الإنساني من
تساؤلات، وعلى التشريع لكل من الفرد , والأسرة , والمجتمع , والدولة , وللناس
أجمعين في كل مكان وفي كل زمان بعدل منقطع النظير, وعلى تناول كليات الأشياء تاركا
التفاصيل لاجتهاد الإنسان بما يعجز عنه كل كتب الأرض، ومن ذلك التشريع للأسرة في
الزواج، والطلاق والعدة، والميراث، والأمر بالمساواة بين الأبناء، و الحض على صلات
الرحم، ورعاية الأيتام، والأرامل، والعجزة وتوقير كبار السن، ورحمة الصغار، وحسن
التواصل بين الناس جميعا.


14-
الإعجاز الصوتي: يتميز القران
الكريم بسلاسة أسلوبه , وبالدقة البالغة في موافقة ألفاظه للمعاني المقصودة منها,
مع السهولة في تركيب جمله, والانسياب في النطق بآياته , مع روعة الجرس الذي ييسر
حفظه, ويطرب السمع والعقل والقلب لموافقة الصوت للمعني السامي المقصود, جذبا
لانتباه كل من القارئ والسامع, وتأثيرا في أعماق كل منهما. والجرس الجميل هو ميزة
صوتية للقران الكريم كله يعجز عنها أي أسلوب آخر, لأنه يحرك كلا من العقل والقلب
نحو سلسلة من المعاني المتصلة بالكلمة التي تتداعي مع غيرها من كلمات الآية
الواحدة، ومع كلمات ما يسبقها وما يلحق بها من آيات , مع تكامل في المعني , وانسجام
في الصوت , ويسر في الانتقال , وجمال في الإيقاع لا تستطيعه أساليب المخلوقين فرادى
ومجتمعين.


15-
إعجاز رسم الحروف في القران الكريم : يتميز الحرف
العربي بالجمال والتناسق والطواعية للتشكيل، وقد وضعت لكتابة المصحف العثماني قواعد
لخطه ولرسم حروف كلماته, ومن هذه القواعد : الحذف , والزيادة, والهمزة، والبدل,
والفصل, والوصل, وذلك من اجل استيعاب كل اللهجات العربية, وفي مقدمتها لهجة قريش,
وغيرها من لهجات العرب, وذلك من أجل إمكانية حمل الآية الواحدة لأكثر من معني واحد,
كلها يتحملها النص, في تكامل لا يعرف التنافر أو التضاد، وليس هذا لغير القران
الكريم .


16-
إعجاز الحفظ للقران الكريم
: حفظ كتاب الله
علي مدي يزيد علي أربعة عشر قرنا , في نفس لغة وحيه ( اللغة العربية ) دون خطأ واحد
في اللغة، أو في العقيدة، أو في العبادة , أو في دستوري الأخلاق والمعاملات , أو في
الإشارات العلمية , أو في سرد الأحداث التاريخية , أو في توجيه الخطاب إلي النفس
الإنسانية, أو في التركيز على عدد من القواعد الاقتصادية و الإدارية , أو في غير
ذلك من الأمور التي جاء بها هذا الكتاب العزيز.
ويتجلي إعجاز الحفظ للقران
الكريم بصورة أوقع في ضياع جميع أصول الرسالات السابقة بلا استثناء , وتعرض ما بقي
عن بعضها من ذكريات للتحريف تلو التحريف , وللتأليف والتزييف، خاصة وأن هذه
الذكريات قد دونت بلغات غير لغة الوحي بكل منها، وقد كتبت بعد قرون من موت أو رفع
الرسل الذين أرسلوا بها وجمعت من أفواه الناس اعتمادا على ما يمكن أن تكون قد وعته
الذاكرة وفهمه العقل؛ ثم صيغت بأقلام من هم ليسوا بأنبياء ولا بمرسلين ,وظلت تتعرض
للتحرير تلو التحرير , وللحذف والإضافة , وللتحريف والتزوير إلي يومنا الراهن ,
وسوف تبقي كذلك إلي قيام الساعة .


17-
إعجاز التحدي بالقرآن الكريم: جاء بالقرآن
الكريم العديد من الآيات التي تتحدى كلا من الإنس والجن على أن يأتوا بشيء من مثله:
في أسلوبه , ومحتواه، ومضمونه دون خطأ واحد علي كثرة الموضوعات التي تناولها هذا
الكتاب العزيز, وإلي اليوم لم يتقدم عاقل فيقول إنه استطاع الإتيان بشيء من مثل
سورة واحدة من قصار سور القرآن الكريم – علي كثرة محاولات أعداد من الشياطين
والمجانين من المجادلين بالباطل – الذين فشلوا في ذلك التحدي فشلا ذريعا .


كل هذه الجوانب
(وغيرها كثير) مما يشهد للقران الكريم بأنه لا يمكن أن يكون صناعة بشرية ، بل هو
كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه علي خاتم أنبيائه ورسله , وحفظه بعهده الذي قطعه
علي ذاته العلية، في نفس لغة وحيه ( اللغة العربية )، وتعهد بهذا الحفظ تعهدا
مطلقاً حتى يبقى القرآن الكريم نبراس الهداية الربانية للخلق أجمعين إلى يوم الدين،
وحجة الله-تعالى- على عباده قاطبة، وشهادة للرسول الخاتم الذي تلقاه بالنبوة
وبالرسالة .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alredaalnoor.0wn0.com
نبيلة محمود خليل
Admin


عدد المساهمات : 884
تاريخ التسجيل : 20/08/2010

مُساهمةموضوع: رد: الأعجاز التشريعى   السبت سبتمبر 17, 2011 4:30 am





بسم الله الرحمن الرحيم
العهدان القديم والجديد : نظرة علمية
بقلم
الأستاذ الدكتور / زغلول راغب محمد النجار
رئيس لجنة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم
بالمجلس الأعلى للشئون
الإسلامية – مصر
*****************************

انطلاقاً من إيمان المسلم بإلإله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لا
شريك له في ملكه، ولا شبيه له من خلقه، ولا منازع له في سلطانه، والمنزه عن جميع
صفات
خلقه، وعن كل وصف لا يليق بجلاله، فإن المسلم يؤمن بوحدة رسالة السماء،
وبالأخوة بين الأنبياء وبين الناس جميعاً. وذلك مؤسس على قول ربنا -تبارك
وتعالى-:
﴿ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن
رَّبِّهِ

وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ
وَكُتُبِهِ
وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ
وَقَالُوا سَمِعْنَا
وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المَصِيرُ ﴾ [البقرة:285].
قوله – عز من قائل-:
﴿ إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا
جَاءَهُمُ العِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ

وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسَابِ
[آل عمران:19].
وقوله – تعالى -:﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ
مِنْهُ

وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ ﴾ [آل عمران:85].
وقوله – وهو أحكم القائلين –:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن
نَّفْسٍ

وَاحِدَةٍ
وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا
وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً...﴾ [النساء:1].
كذلك يكرم ربنا – تبارك وتعالى- الإنسان، وذلك بقوله – تعالى -:

﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً
[الإسراء:30].
وانطلاقاً من هذا التكريم الإلهي للإنسان فقد تُرك حراً في اختيار الدين
الذي يدين نفسه به لله، لأنه على أساس من هذا الاختيار سيكون جزاؤه في الآخرة،
ويؤكد ذلك أقوال ربنا –تبارك وتعالى-:
- ﴿ لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾ [البقرة: 256].
- ﴿ وَقُلِ الحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ
فَلْيُؤْمِن

وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾ [الكهف: 29].
- ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴾ [الكافرون: 6].
ولذلك عاش المسلمون مع مواطنيهم من أصحاب المعتقدات الأخرى في سلام عبر
التاريخ، ولكن انطلاقاً من الهجمة الشرسة على الإسلام في هذه الأيام، ومن المؤامرات
الدولية لإثارة الفتن في ديار المسلمين بمخطط خبيث يطلقون عليه اسم "الفوضى
الخلاقة"، يطبقونه بشيطانية عجيبة في كلٍّ من أفغانستان، والعراق، والصومال،
والسودان، وأرادوا نقله إلى مصرنا الحبيبة، فارتفعت بعض أصوات المسيحيين المصريين
بالتهجم على الإٍسلام العظيم، وبمحاولة تنصير بعض أبناء وبنات المسلمين استغلالاً
لحالات الفقر والبطالة والأزمات النفسية التي يمر بها بعض الشباب، وقد تقدم هؤلاء
شيطان من شياطين الأرض يدعى "زكريا بطرس" باع نفسه للمخابرات الأمريكية
والإسرائيلية، وحرض الجالية المصرية المسيحية في الخارج على التمرد، وأقام له أعداء
مصر قناة فضائية تسمى كذباً باسم "قناة الحياة" تبث على القمر الأوروبي، وهي في
الحقيقة قناة للموت لإثارتها الفتن بين أبناء الشعب الواحد بالكذب والتزوير
والتلفيق.
وظل هذا الشيطان يبث فتنه بطول ساعات الليل والنهار على مدى أكثر من
أربع سنوات دون صدور بيان من قيادة الكنيسة المصرية باستنكار بذاءاته وافتراءاته
وكذبه التي تفتت الوحدة الوطنية، وتؤدي إلى فتنة حقيقية.
ومن هنا جاء ردِّي على افتراءاته حين سئلت عن ذلك بواسطة بعض وسائل
الإعلام، والذي اعتبره المحامي نجيب جبرائيل إساءة إلى الديانة المسيحية. وردي كان
رداً علمياً محضاً دون قصد الإساءة إلى أحد، وأفصله في الحقائق العلمية
التالية:


أولاً: ضياع أصول كل من التوراة والإنجيل:
من الثابت تاريخاً أن أصول التوراة قد فقدت في زمن السبي البابلي، ثم
أعيد كتابة الأسفار الخمسة من العهد القديم في زمن عزرا (حوالي سنة 398 قبل
الميلاد) أي بعد ثمانية قرون من موت نبي الله موسى – عليه السلام – (الذي وقع في
حدود سنة 1184 قبل الميلاد).
ثم بواسطة مجهولين أضيفت بعد ذلك أسفار (يسوع، والقضاة، والملوك) ثم
أسفار (إشعيا، وإرميا، وحزقيال، وأسفار الأنبياء الصغار الإثني عشر)، ثم أضيفت
مجموعة المزامير.
وفي عصر بطليموس الثاني (في حدود سنة 285 ق. م). تمت الترجمة السبعينية
للعهد القديم إلى اللغة اليونانية القديمة، وهي لغة لم يتحدثها موسى – عليه السلام
– ولا أي من أتباعه.
وفي أثناء هذه الترجمة حدث العديد من الأخطاء، والتحريفات،
والزيادات المقصودة وغير المقصودة لأن كلاًّ من المترجمين والنُّسَّاخ كانوا
يعتقدون أنهم يدونون تراثاً شعبياً أكثر من تدوين وحي سماوي، وقد انتقد الآباء
اليسوعيون هذه الأخطاء والزيادات والتحريفات في تقدمتهم للترجمة اليسوعية للعهدين
القديم والجديد كما جاء في دلائل التحريف للدكتور شريف سالم.
وفي الفترة من (165 ق.م إلى 135 م) تم تدمير مدينة القدس مرة أخري ، وتم
حرق جميع كتب اليهود، وأجبرهم أنتيوخوس أبيفانس بالتحول إلى دين اليونان الوثني،
وفي هذه الفترة كثرت الصراعات بين الطوائف اليهودية، كما كثر الدس والتحريف
والتضليل. وفي ذلك يقول ربنا – تبارك وتعالى– عن اليهود مخاطباً عباده الموحدين:

· ﴿ أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ
يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ

وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 75].
· ويقول وهو أحكم القائلين: ﴿
مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن
مَّوَاضِعِهِ...
[النساء: 46].
· ويقول – عز من قائل -:
﴿ فَبِمَا
نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ

وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن
مَّوَاضِعِهِ
وَنَسُوا
حَظاًّ مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ

وَلاَ تَزَالُ
تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَاعْفُ
عَنْهُمْ
وَاصْفَحْ
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ
[المائدة: 13].
· ويقول – وهو أحكم الحاكمين –:
﴿...وَمِنَ
الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ
يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ...
[المائدة: 41].
وعلى ذلك فإن "العهد القديم" ليس وحياً سماوياً، ولكنه صناعة بشرية
كاملة، تعرضت – عبر التاريخ – ولا تزال تتعرض للإضافة والحذف، وللتحرير بعد
التحرير، وللتبديل والتغيير، وكلام الله – تعالى – لا تبديل له ولا
تحريف.
فسفر "دانيال" مثلاً هو مؤلف متأخر لا تعترف به طائفة (الصدقيون)
اليهودية، وإن استخدمته طائفة (الفريسيين)، بينما استعملت جماعة (لفائف قمران)
أسفاراً من مثل أسفار "طوبيا" و"ابن مسيراغ" و "باروخ"، و "أخنوخ" و "اليوبيلات"
وغيرها، وكلها لا علاقة لها بوحي السماء.
وانطلاقاً من ذلك حدثت اختلافات بين كل من الترجمات السبعينية اليونانية
والعبرانية والسامرية في أكثر من ستة آلاف موضع، كما اختلف تبويب العهد القديم من
طائفة إلى أخرى (أنظر قائمة كل من يوسيفوس وأوريجانوس واختلافهما عن تبويب العهد
القديم في طبعاته المتأخرة)، وكان الإجماع في مؤتمر "جامنيا" على التحريف بالحذف
والإضافة، وانطلاقاً من ذلك كله ابتدع اليهود كتاب "التلمود" وأهملوا العهد
القديم.


ثانياً: شهادات غير المسلمين بتحريف كتب العهدين القديم
والجديد:
من المزاعم التي يطلقها النصارى ويروجون لها قولهم : إن المسلمين وحدهم
هم الذين ينظرون إلى كتب العهدين القديم والجديد نظر الشك والريبة، ويصفونها
بالتحريف والتزوير، وهذا الزعم صادر عن مغالطة صريحة، وعن وإغفال لحقائق التاريخ
الثابتة، إذ من الثابت تاريخياً أن مجمع نيقية (325م) هو أول من قام باختيار
الأناجيل الأربعة المعتمدة اليوم عند المسيحيين من بين ما يزيد على سبعين إنجيلاً،
ولم يقم ذلك الاختيار وفق منهج علمي، تم على أساسه قبول ما قُبِلَ، ورد ما رُدَّ،
وإنما كان الضابط الوحيد في ذلك هو ما ظنه رعاة المجمع من عدم معارضة تلك الأناجيل
لما تبنوه هم من عقائد.
وبالطبع لم يحظ هذا الاختيار بموافقة كل المؤتمرين، فقد عارضه جمع عظيم
منهم، إلا أن قوة سيف الرومان حسمت الخلاف لصالح من ذهب إلى الادعاء بألوهية عيسى –
عليه السلام – نظراً لسيادة الفكر الوثني في الحضارتين اليونانية والرومانية، ولذلك
اعتبر المؤتمر جميع المخالفين لقراراته مبتدعة ومهرطقين، علماً بأنهم كانوا
الأكثرية، وكان فيهم عدد من الموحدين الذين نادوا بوحدانية الله بغير شريك، ولا
شبيه، ولا منازع، ولا صاحبة، ولا ولد، وآمنوا بأن عيسى – عليه السلام- هو عبد الله
ورسوله، وكان منهم القسيس الإسكندرى الشهير "آريوس: وأتباعه "الأريسيون" الذين
كانت غالبية نصارى مصر في ذلك الوقت منهم.
وهكذا قضت سلطة الرومان الغاشمة على جميع المخالفين لهم، وخاصة الموحدين
منهم وذلك بالملاحقة والتشريد، فلم ينتشر مذهبهم، بل اضمحل مع مرور الوقت حتى بقي
اليوم – فيما يظهر – من غير أتباع تقريبا. وفيما يلي استعراض لمواقف عدد من قدماء
النصارى الذي حكموا على هذه الأناجيل بالتحريف والتزوير.


أ- الفرقة الأبيونية: ظهرت هذه الفرقة في القرن الميلادي الأول وكانت معاصرة لبولس أو "شاؤول
الطرسوسي" اليهودي الذي لم يقابل المسيح أبدا، ولكنه اندس بين تلامذته من أجل إفساد
عقائدهم. فأنكرت عليه تلك الفرقة كل دعاواه إنكاراً شديداً وعدَّته مرتداً، وكانت
الفرقة الأبيونية تسلم بالأسفار الخمسة الأولى فقط من كتب العهد القديم، وتسلم من
كتب العهد الجديد بإنجيل متى فقط، وتختلف النسخة المعتمدة عندهم عن النسخة المعتمدة
عند أتباع "بولس"، فليس فيها مثلاً البابان الأولان من إنجيل متى الموجودان حالياً،
لأنها تعتقد أن هذين البابين ومواضع أخرى كثيرة هي كتابات محرفة، وكانت هذه الفرقة
تنكر الادعاء بألوهية المسيح وتعتقد أنه نبي من أنبياء الله.


ب- الفرقة المارسيونية: وهي من فرق النصارى القديمة أيضاً، وكانت تنكر جميع كتب العهد القديم
وتقول: إنها كتابات بشرية محضة وليست كتباً موحى بها. وكانت هذه الفرقة تنكر جميع
كتب العهد الجديد إلا إنجيل لوقا وعشر رسائل فقط من رسائل بولس، وهذه الرسائل العشر
المسلمة عندها مخالفة للرسائل الموجودة الآن، وأما إنجيل لوقا فكانت هذه الفرقة
تنكر البابين الأولين منه، وتنكر منه مواضيع أخرى كثيرة.


ج- فرقة ماني كيز: وكان من علماء هذه الفرقة كل من القس "فاستس" والقس "إكستاين" وكلاهما
عاش في القرن الرابع الميلادي، وقد نقل "لاردنر" في تفسيره للعهدين القديم والجديد
عن " إكستاين " ما يلي:
قال "فاستس": ‹‹ أنا أنكر الأشياء التي ألحقها في العهد
الجديد آباؤكم وأجدادكم بالمكر، وعيبوا صورته الحسنة وأفضليته؛ لأن هذا الأمر محقق
: إن هذا العهد الجديد لم يصنفه المسيح ولا الحواريون، بل صنفه رجل مجهول الاسم،
ونسبه إلى الحواريين ورفقاء الحواريين خوفاً من أن لا يعتبر الناس تحريره، ظانين
أنه غير واقف على الحالات التي كتبها، وآذى المريدين لعيسى إيذاءً بليغاً بأن ألف
الكتب التي يوجد فيها الأغلاط والتناقضات››.


ونادي زعيم هذه الفرقة بعدة مبادئ كان أبرزها :
1- أن المسيحيين أدخلوا في العهد الجديد أشياء خارجة
عنه.
2- أن هذا العهد الجديد المعروف الآن ليس من كتابة المسيح ولا الحواريين
ولا تابعيهم، وإنما هو كتابة رجل مجهول الاسم.
3- أن هذا العهد الجديد وقعت فيه العديد من الافتراءات والأغلاط والتناقضات
عمداً وعن غير قصد.
والطعن في مصداقية هذه الأناجيل لم يكن محصوراً على فرق عدتها الكنائس
شاذة ومبتدعة واتهمتها بالهرطقة والشذوذ، بل إنه ليتجاوز ذلك ليشكل قناعات لدى
مفسرين ومؤرخين مقبولين لدى النصارى كافة منهم الأسماء التالية:
أ- " آدم كلارك" الذي قال في تفسيره للعهدين القديم والجديد: " إن أكثر البيانات التي
كتبها المؤرخون للرب (يقصد عيسى) غير صحيحة؛ لأنهم كتبوا الأشياء التي لم تقع بأنها
وقعت يقيناً، وغلطوا في الحالات الأُخَر عمداً أو سهواً، وهذا الأمر محقق بأن
الأناجيل الكثيرة الكاذبة كانت رائجة في القرون المسيحية الأولى، وبلغت هذه
الأناجيل أكثر من سبعين إنجيلاً، وكان فابري سيوس قد جمع هذه الأناجيل الكاذبة
وطبعها في ثلاثة مجلدات". وأضاف : ‹‹ كانت ترجمات كثيرة باللغة
اللاتينية من المترجمين المختلفين موجودة قبل "جيروم"، وكان بعضها في غاية التحريف،
وبعض مواضيعها مناقضة للمواضيع الأخرى، كما صرح به "جيروم" ››
.


ب- وقال "لاردنر" في تفسيره للعهدين القديم والجديد: "حكم على الأناجيل المقدسة لأجل
جهالة مصنفيها بأنها ليست حسنة بأمر السلطان أناسطيثوس (الذي حكم ما بين سنتي 491 –
518م) فصححت مرة أخرى، فلو كان للأناجيل إسناد ثابت في عهد ذلك السلطان ما أمر
بتصحيحها، ولكن لأن مصنفيها كانوا مجهولين أُمِرَ بتصحيحها، والمصححون إنما صححوا
الأغلاط والتناقضات على قدر الإمكان، فثبت التحريف فيها يقيناً من جميع الوجوه،
وثبت أنها فاقدة الإسناد".


ج- وقال "واتسن": "إن "أوريجن" كان يشكو من الاختلافات، وينسبها إلى أسباب مختلفة، مثل
غفلة الكاتبين وعدم مبالاتهم، ولما أراد "جيروم" ترجمة العهد الجديد قابل النُّسخ
التي كانت عنده فوجد بينها اختلافاً عظيماً"، واعتراف بذلك في مقدمته لتلك الترجمة،
وفى خطابه للبابا.
هذه بعض الأقوال التي نقلها صاحب كتاب "إظهار الحق" رحمت الله الهندي
(رحمه الله رحمة واسعة)، وهي جميعها صادرة عن فرق نصرانية أو عن باحثين نصارى،
وكلها تشهد بتحريف هذه الأناجيل، ومن هنا نعلم أن المسلمين ليسوا وحدهم من قال
بتحريف هذه الأناجيل، كما يزعم بعض المسيحيين، بل إننا نقول: إن كل من ينظر في هذه
الأناجيل سواء من ناحية السند أو من ناحية المتن يعلم علماً يقينياً بأنها محرفة،
وأن يد العبث قد تدخلت فيها فزادت وبدلت وغيرت بدون وجه حق، إن لم تكن قد ابتدعت من
عندها ما لم يكن له أصل في تعاليم المسيح –عليه السلام-.
وعلى ذلك فإننا نؤمن بأن الله – تعالى – الذي أنزل –فيما أنزل من كتب
لهداية عباده– كلاًّ من صحف إبراهيم، والتوراة، والزبور، والإنجيل، والقرآن الكريم،
هذا الإله الخالق –سبحانه وتعالى– لم ينزل كتاباً اسمه "العهد القديم" أو "العهد
الجديد"، وكلاهما صناعة بشرية خالصة لا علاقة لها بوحي السماء، وإن تحدثت عنه
بألسنة أعداد كبيرة من البشر العاديين الذين ليسوا برسل ولا بأنبياء، ومن ثم فليس
لهم أية عصمة، وليست لكتاباتهم أية حجة.
ويبقى الوحي السماوي الوحيد الموجود بأيدي الناس اليوم، والمحفوظ في نفس
لغة وحيه (اللغة العربية)، والمحفوظ حفظاً كاملاً على مدى يزيد على أربعة عشر
قرناً، والذي تعهد ربنا –تبارك وتعالى– بحفظه تعهداً مطلقاً هو القرآن الكريم،
الباقي شاهداً على الخلق أجمعين إلى يوم الدين، وحجة الله البالغة على جميع خلقه، و
الباقي مصدر التلقي الصحيح لأخبار أنبياء الله السابقين، وأممهم،
وكتبهم.


اعتراف القس جيروم بتحريف الأناجيل:
مسألة تحريف الأناجيل مسألة قديمة جديدة، وقد خاض فيها قبل المسلمين
مفكرون أجانب كثيرون منذ " فولتير " (1694م – 1778م) والبارون " هولباخ "
وكبار
قدامى القساوسة مثل " جان ميلييه " واللاهوتي " ثيرو " (1765م) والقس
الشهير "إرنيست رينان " (1823م – 1892م)، إلى (ندوة يسوع)
"The Jesus
Seminar"
وعالم اللاهوت الأمريكي الأشهر (بارت إرمان) رئيس قسم الدراسات الدينية بجامعة
كارولينا
الأمريكية.
وقد اكتشفت د. زينب عبد العزيز أستاذة الحضارة والتاريخ بكلية البنات
بجامعة الأزهر الشريف،
المخطوطة التي تثبت التحريف المتعمد للأناجيل على يد الراهب
الأشهر
جيروم (Jerome). حيث نقرأ اعترافه بذلك في رسالة رفعها في مقدمة
مراجعته للأناجيل الأربعة إلى البابا داماز داماسوس الأول
(Pope Damasus I ) رأس النصرانية في ذلك العهد. وقد وُجدت هذه الوثيقة في المكتبة العامة الفرنسية
المسماة باسم / "مكتبة فرانسوا
ميتران" تحت رقم [C-
244(1) T1 11.1-A]
وفيما يلي نص هذه الوثيقة الخطيرة:



المجلد الأول من أعمال الراهب جيروم
بداية المقدمة
حول مراجعة نصوص الأناجيل الأربعة
إلى قداسة البابا داماز من جيروم




(تحثني على أن أقوم بتحويل عمل قديم لأخرج منه بعمل جديد، وتريد مني أن
أكون حكماً على نُسخ كل تلك النصوص الإنجيلية المتناثرة في العالم، وأن أختار
منها وأقرر ما هي
تلك التي حادت أو تلك التي هي أقرب حقًّا من النص اليوناني، إنها مهمة
ورعة، لكنها
مغامرة خطرة إذ سيتعيَّن عليَّ تغيير أسلوب العالم القديم وأعيده إلى
الطفولة، وأن أقوم بالحكم على الآخرين يعني في نفس الوقت أنهم سيحكمون فيه على
عملي. فمَن من
العلماء أو حتى من الجهلاء حينما سيمسك بكتابي بين يديه ويلحظ التغيير
الذي وقع فيه بالنسبة للنص الذي اعتاد قراءته لن يصيح بالشتائم ضدي ويتهمني بأنني
مزور ومدنس
للمقدسات؛ لأنني تجرأت وأضفت وغيَّرت وصححت في هذه الكتب
القديمة؟
وحيال مثل هذه الفضيحة، هناك شيئان يخففان من روعي؛ الأمر الأول: أنك أنت الذي
أمرتني بذلك، والأمر الثاني: أن ما هو ضلال لا يمكن أن يكون حقًّا، وهو ما تقرره
أقذع
الألسنة شراسة. وإذا كان علينا أن نضفي بعض المصداقية على مخطوطات
الترجمة
اللاتينية، ليقل لنا أعداؤنا أيها أصوب؛ لأن هناك من الأناجيل بعدد
الاختلاف بين
نصوصها، ولماذا لا يروقهم أن أقوم بالتصويب اعتمادًا على المصادر
اليونانية لتصويب
الأجزاء التي أساء فهمها المترجمون الجهلاء، أو بدلوها بسوء نية، أو حتى
قام بعض
الأدعياء بتعديلها.
وإذا كان علينا دمج المخطوطات فما يمنع أن نرجع ببساطة إلى الأصول
اليونانية ونبعد بذلك عن أخطاء الترجمات السيئة أو التعديلات غير
الموفقة من جانب الذين تصوروا أنهم علماء، أو الإضافات التي أدخلها
الكتبة النعسانين! إنني لا أتحدث هنا عن العهد القديم والترجمة السبعينية
باللغة
اليونانية التي لم تصل إلا بعد ثلاث ترجمات متتالية من العبرية إلى
اليونانية ثم
إلى اللاتينية. ولا أود أن أبحث هنا ما الذي سيقوله أكويلا أو سيماك ,
أو لماذا آثر تيودوسيان اختيار موقف الوسط بين المترجمين القدامى والحداث؛ لذلك
سأعتمد على
الترجمة التي يمكن أن يكون قد عرفها الحواريون.
وأتحدث الآن عن العهد الجديد، المكتوب بلا شك باللغة اليونانية فيما عدا إنجيل متَّى الذي كان
قد استعان أولاً بالعبرية لنشره في منطقة اليهودية. إن هذا الإنجيل يختلف يقينًا عن
الذي
بلغتنا نظرًا لتعدد المصادر التي استعانوا بها لتكوينه. وقد آثرت أن
أرجع إلى نص
أساسي، فلا أود الاستعانة بترجمات المدعوان لوشيانوس أو هزيكيوس التي
يدافع عنها
البعض بضراوة عن غير وجه حق، واللذان لم يكن من حقهما مراجعة لا العهد
القديم بعد
ترجمة السبعين، ولا أن يقوما بمراجعة النصوص الجديدة. فالنصوص الإنجيلية
التي
وصلتنا بلغات شعوب مختلفة توضح مدى الأخطاء والإضافات التي بها. وإذا
كنت قد قمت
بذلك بالنسبة للنسخ المكتوبة بلغتنا فلابد وأن أعترف بأني لم أستفد منها
شيئًا
.
وهذه المقدمة المتواضعة تقترح أن يكون ترتيب الأناجيل الاسمي على
النحو
التالي: متى، مرقس، لوقا، ويوحنا. وقد تمت مراجعتها من عدة مخطوطات
يونانية قديمة،
وهي لا تبتعد كثيرًا عن فحوى النسخ اللاتينية، فلم أقم إلا بتصويب
الأجزاء التي بدت
بعيدة عن المعنى الحقيقي وتركت الأجزاء الأخرى كما وصلتنا في صياغتها
البدائية
ووضعت حرف ( ب ). أمام الترجمات التي قام بها يوسبيوس من القيصرية
المقسمة إلى عشرة
أجزاء وفقًا لأمونيوس السكندري، فقد ترجمتها إلى لغتنا التزامًا بالمعنى
اليوناني
فحسب، وإن كان هناك أي فضولي يود معرفة الأجزاء المتماثلة أو المتفردة
أو التي
تختلف تمامًا عن تقسيمة العشرة يمكنه معرفة ذلك؛ لأن الأخطاء قد تراكمت
مع الوقت
في كتبنا، وهو ما يجعل إنجيلاً ما يتفاوت عن الآخر، وأشرت إليه بحرف
(جـ).
لقد وقعت أخطاء عند محاولة التوفيق بينها؛ لذلك ترى خلطًا شديدًا
في
الترجمات اللاتينية، فأحد الكتبة قد قال : أكثر. وفي الآخر قد أضافوا
إذا تصوروا أنه:
أقل. وأن مرقس في أجزاء كثيرة ينقل عن لوقا ومتى، وأن متى ينقل عن يوحنا
ومرقس،
بينما كان كل إنجيل يحتفظ بما يخصه فحسب، فكل واحد منهم قد نقل عن
الإنجيل الذي وقع
في يده. لذلك عند قراءة الكشف الذي اقترحه لن يكون هناك أي خلط وسيتم
التعرف على
المتشابه بينها وعلى ما يخص كل منها بعد أن استبعدت الخلط
والأخطاء
.
ففي الكشف الأول يوجد توافق بين الأناجيل الأربعة متى ومرقس ولوقا ويوحنا، وفي الثاني لا يوجد توافق إلا بين متى ومرقس ولوقا، وفي
الثالث بين
متى ولوقا ويوحنا، وفي الرابع بين متى ومرقس ويوحنا، وفي الخامس بين متى
ولوقا، وفي
السادس بين متى ومرقس، وفي السابع بين متى ويوحنا، وفي الثامن بين لوقا
ومرقس، وفي
التاسع بين لوقا ويوحنا، وفي العاشر ستجد كل ما هو خاص بكل إنجيل ولا
يوجد في
الأناجيل الأخرى. وفي كل إنجيل على حدة هناك أجزاء متفاوتة الطول كلما
ابتعدنا عن
التوافق.
الرقم سيكون باللون الأسود، وسيتضمن رقمًا آخر تحته بالأحمر
لكي
يدل في أي إنجيل يوجد ذلك الجزء المعني، فعند فتح الكتاب ومحاولة معرفة
أي فصل
ينتمي لهذه الترجمة أو تلك فإن ذلك سيتضح فورًا من الرقم الذي أضفته من
أسفل. وعند
الرجوع إلى بداية الطبعة التي توجد فيها القوائم معًا وبفضل اسم الترجمة
المحدد في
بداية كل إنجيل يتم العثور على رقم كاتبه مع العناوين المختلفة لكل
منهم، ويوجد
بجوار هذا الأخير أسماء الفقرات المماثلة، وهكذا يمكن الاطلاع على
الأرقام الموجودة
في نفس الفصل. وما أن تتم معاينة هذه المعلومات يمكن التوصل إلى كل واحد
مع مراعاة
الأرقام التي تم تحديدها يمكن معرفة الأجزاء المتشابهة أو المتماثلة
(ب).
أرجو أن تكون بخير في المسيح وألا تنساني يا قداسة البابا)
أ.هـ.
وصدق الله العظيم في الـتأكيد على تحريف العهدين القديم والجديد إذ يقول
الله تعالى في محكم كتابه
العزيز:
﴿ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ
ثُمَّ

يَقُولُونَ هَـذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً
قَلِيلاً فَوَيْلٌ

لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ
مِّمَّا

يَكْسِبُونَ ﴾ [البقرة:79].
﴿ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ
مِنَ

الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ
اللّهِ

وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
[آل عمران: 78].
﴿ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا
ذُكِّرُواْ

بِهِ﴾ [المائدة: 13].




المراجع




أولاً: تراجم العهدين القديم والجديد بالإنجليزية:
1- ترجمة الملك جيمس ط K.JV 1819م، 1830م، 1836م 1950م، 1989م.
2- ترجمة الدوي الكاثوليكية D.V ط 1914م.
3- ترجمة الأخبار السارة CNB 1966م، 1971م، 1967م، 1992م.
4- ترجمة RCV 1946م، 1952م، 1971م.
5- ترجمة LBV 1962م، 1965م، 1971م.
6- الترجمة الإنجليزية المعتمدة ESV.
7- الترجمة الأمريكية المعتمدة 1901م والجديدة منها 1967م، 1972م،
1995.
8- الترجمة الدولية الحديثة .NIV
9- العهد الجديد من 26 ترجمة مجموعة من اللاهوتيين إصدار
MARSHALL
MORGAN &
SCOTT
10- الكتاب المقدس من أربع تراجم وإصدار COLLINS
11- KJ.VN.EBR.S.V PHILPS MODERN ENGLISH




ثانياً: التراجم العربية للعهدين القديم والجديد:
12- طبعة وليم واطس لندن 1844م وهي تكرار لترجمة 1671م
روما.
13- الترجمة السامرية دار الأنصار القاهرة 1978م.
14- الترجمة العربية ط 1865م.
15- الترجمة العربية الأرثوذكسية للأناجيل الأربعة ط
1935م.
16- ترجمة بأمر البابا كيرلس (1911م) مطبعة عين شمس.
17- ترجمة جورج فاخوري ط 1953م.
18- الترجمة اليسوعية الأولى والثانية.
19- ترجمة جمعية الكتاب المقدس ط 1979م (فإن دايك).
20- ترجمات الحياة والحياة التفسيرية.




ثالثاً: التفاسير للعهدين القديم والجديد:
21- تفسير وليم باركلي ترجمة لجنة من اللاهوتيين إصدار دار الثقافة
القاهرة.
22- تفسير آدم كلارك ط 1851 لندن.
23- تفسير متى هنري ترجمة القمص مرقس دواد القاهرة.
24- تفسير لاردنر ط 1827م لندن.
25- تفسير القمص تادرس اليعقوبي ملطي القاهرة.
26- تفسير هنري واسكات لندن.
27- التفسر الحديث للكتاب المقدس دار الثقافة القاهرة.
28- تفسير هورن ط 1822م لندن.
29- تفسر واتسن لندن.
30- تفسير هارسلي.
31- تفسير طومسن نيوتن ط 1803م لندن.
32- تفسير دوالي وروجردمينت ط 1848م لندن.
33- تفسير بنيامين بنكرتن إنجيل متى.
34- دراسات في العهد القديم سلسلة لتفسير الأسفار المحذوفة مراجعة
الأنبا أيسوذورس.
35- شرح رسالة غلاطية القس غبريال رزق الله.




رابعاً: بعض التعليقات على العهدين القديم والجديد:
36- دلائل تحريف الكتاب المقدس للدكتور شريف سالم 1426 هـ / 2005م –
الدار العلمية للنشر والتوزيع – القاهرة.
37- المساومة الكبرى: من مخطوطات قمران للمجمع الفاتيكاني المسكوني
الثاني للأستاذة الدكتورة زينب عبد
العزيز.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alredaalnoor.0wn0.com
نبيلة محمود خليل
Admin


عدد المساهمات : 884
تاريخ التسجيل : 20/08/2010

مُساهمةموضوع: رد: الأعجاز التشريعى   السبت سبتمبر 17, 2011 4:31 am

بسم الله الرحمن الرحيم

دعوة إلى الإيمان بالله

بقلم :

الأستاذ الدكتور / زغلول راغب محمد النجار

رئيس لجنة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم

بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية – مصر

**************

مقدمة

نعلم جميعا أن الأرض التي نحيا عليها يعمرها اليوم حوالي سبعة مليارات
نسمة من بني آدم, وقد عمرتها من قبل مليارات عديدة, كما ستعمرها في المستقبل
مليارات أخرى من هذه السلالة المكرمة حتى نهاية هذا الوجود. وتشير قوانين الوراثة
إلى أن هذه الأعداد المذهلة من البشر قد جاءت كلها من صلب أب واحد وأم واحدة وذلك
بانقسام الشيفرة الوراثية المختلطة لهذين الأبوين الأولين. ولا يمكن لعاقل أن يتصور
إمكانية إتمام هذا التسلسل العجيب للبلايين من بني الإنسان بشيء من العشوائية أو
الصدفة, وذلك لأن العشوائية والصدقة لا ينتجان نظاما بديعا مثل نظام تناسل الحياة.
ووصف طبيعة الأشياء بمجموع القوانين والسنن التي تحكمها لا يكفى لتفسير ذلك التسلسل
البشرى المعجز، أو تفسير نظائره في باقي مجموعات الحياة من النبات والحيوان، وذلك
لأن تلك القوانين والسنن تحتاج إلى واضع لها ومهيمن عليها , فمن الذي وضعها؟ ولا
يزال يرعاها؟ ويهيمن عليها؟ غير الله الخالق-سبحانه وتعالى- !!
من هنا كانت هذه الدعوة لأهل الأرض جميعا إلى الإيمان بالله، ويمكن لنا
تفصيل ذلك في النقاط التالية:


أولا: الصفات الوراثية للإنسان تشهد لخالقه بالألوهية
والربوبية:

أثبتت العلوم المكتسبة أن الصفات الوراثية للمخلوقات الحية – ومنها
الإنسان– تحملها جسيمات بالغة الدقة في داخل نواة الخلية الحية تعرف باسم الصبغيات
(الكروموسومات), وأن عدد هذه الصبغيات محدد لكل نوع من أنواع الحياة, وأن أي حيود
عن هذا العدد المحدد للنوع إما أن يقضى على جنينه في الحال فلا يكون، أو يسبب
اختلالا في البناء الجسدي للكائن الحي يظهر على هيئة عدد من التشوهات الخلقية التي
قد تفضي إلى الموت أو إلى العيش بعدد من الإعاقات الجسدية.


فالخلية العادية في جسم الإنسان، والتي لا يتعدى طول قطرها في المتوسط
(
03‚- مم ) بنيت بقدر مذهل من التعقيد, جعل لها قدرة على الأداء تفوق قدرات
أكبر المصانع التي استحدثها الإنسان، بل التي فكر في إنشائها ولم يتمكن من تحقيق
ذلك بعد. فنواة الخلية الحية هي عقلها المتحكم في جميع أنشطتها. هذه النواة
المتحكمة في الخلية البشرية الحية يوجد (46) صبغيا في وفي داخل (23) زوجا، أحدها
مخصص للقيام بمهمة التكاثر, والباقي مخصص للقيام بمهمات النمو الجسدي. وهذه
الصبغيات الجسدية والتكاثرية تشغل حيزا في داخل نواة الخلية لا يكاد يتعدى حجمه
واحدا من خمسمائة ألف من المليمتر المكعب, ولكن هذه الصبغيات إذا فُردت , وضمت
أطرافها إلى بعضها البعض فإن طولها يصل إلى قرابة المترين . وهذان المتران يضمان
(18.6 بليون جزيئا) من الجزيئات الكيميائية المعقدة، المرتبة ترتيبا في غاية الدقة
والانتظام والإحكام إلى درجة أنه إذا اختل وضع ذرة واحدة في أي من هذه الجزيئات
فإما أن يشوه المخلوق صاحب هذه الخلية أو لا يكون...!!


وإذا علمنا أن جسد الإنسان البالغ يضم تريليونات الخلايا , فإذا فردت
صبغيات جميع الخلايا في جسد فرد واحد من أفراد الجنس البشرى, وتم رصها بنهاياتها
الطرفية إلى بعضها البعض فإن طولها يزيد بأضعاف كثيرة على طول المسافة بين الأرض
والشمس (والمقدرة بحوالي مائة وخمسين مليون كيلو مترا في المتوسط).


وإذا سلمنا بحقيقة أن مخزونا هائلا من المعلومات فائقة الدقة في الترتيب
والنظام، وإحكام البناء موجود في داخل كل خلية حية من خلايا جسد كل فرد منا، وأن
هذه المعلومات موجودة على هيئة عشرات بل مئات التريليونات من الكيلومترات طولا من
الجزيئات الكيميائية المعقدة في البناء, والمنظمة في الترتيب بشكل شديد الإحكام،
بحيث يعطى هذا الشكل لكل فرد من بني آدم بصمة وراثية خاصة به, تميزه عن غيره من
البلايين الذين يملئون جنبات الأرض اليوم, والذين عاشوا وماتوا, والذين سوف يأتون
من بعدنا إلى نهاية هذا الوجود الدنيوي, فإن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو : من
الذي وضع في جسد كل فرد منا هذا الكم الهائل من المعلومات ؟ ومن الذي رتبها هذا
الترتيب المميز لكل إنسان ؟ مع تشابه التركيب الكيميائي للحمض النووي الريبى منزوع
الأكسجين (
DNA) الذي تكتب به الشيفرة الوراثية في أجساد جميع
البشر إلى (99.9%), ويبقى الاختلاف في جزء ضئيل جدا من الباقي الذي هو في حدود (1‚-
%) فقط, فأي قدرة, وأي علم, وأية حكمة يمكن أن تحقق ذلك كله غير قدرة الله
الخالق؟.




ثانيا: خلق الإنسان وبناؤه الجسدي يشهدان لخالقه بالألوهية
والربوبية:


هذا بالنسبة إلى الخلية الحية الواحدة في جسم الإنسان، فإذا دخلنا في
تفاصيل هذا البناء الجسدي : من تخصص كل من الأنظمة, والأجهزة, والأنسجة, والخلايا
المتعددة والتي تعمل في توافق عجيب, وتكامل مذهل من أجل سلامة الجسد البشرى كله،
فإن قدرة الله الخالق تتجلى بصورة أوفى وأعظم....!!


ويزداد العجب إذا علمنا أن هذه التريليونات من الخلايا المتخصصة, والتي
تنتظمها أنسجة متخصصة لتكون أجهزة ونظما متخصصة في جسد كل فرد بالغ من بني الإنسان
قد نشأت كلها من خليتين من خلايا التكاثر إحداهما من الأب (وهى الحيمن) التي لا
يزيد طولها على (005‚- من المليمتر), والأخرى من الأم (وهى البييضة) التي لا يزيد
قطرها عن (200‚- من المليمتر), وفى ذلك تمثيل عملي لخروج بلايين الأفراد من بني آدم
من أب واحد (هو آدم عليه السلام) وأم واحدة (هي حواء عليها من الله الرضوان) على
مسيرة تاريخ البشرية فوق سطح الأرض . والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو : من الذي قدر
كل ذلك بهذه الدقة الفائقة , والإحكام الشديد ؟ وهل يمكن للعشوائية أو الصدفة أن
تنتج شيئا من ذلك ؟ وهل يمكن لما يسمى باسم "الطبيعة" أو "الفطرة" وحدها أن ترتب
الأمور بهذه الدقة الفائقة ؟ والجواب بالقطع هو : "لا" ...!!
وإذا انتقلنا بعد
ذلك إلى تأمل الجوانب الروحية والنفسية للإنسان: بمشاعره, وعواطفه وأحاسيسه,
وملكاته, وقدراته، وانفعالاته، لدخلنا في متاهة لا نستطيع الخروج منها إلا بالخضوع
الكامل لله الخالق- سبحانه وتعالى- وفى ذلك يقول ربنا -تبارك وتعالى-:


﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ
جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً
فَخَلَقْنَا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا المُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا
العِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ
الخَالِقِينَ ﴾
(المؤمنون:12-14).
ويقول-عز من قائل-:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ
فِي رَيْبٍ مِّنَ البَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ
مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ
وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ
نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ
وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى
وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ العُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ
بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً

وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المَاءَ
اهْتَزَّتْ

وَرَبَتْ
وَأَنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴾ (الحج:5).
وقال سبحانه:
﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ
وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ
(الأنعام: 98) .
وقال –تعالى-
﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾ (التين:4).

ثالثا: الكون يشهد لخالقه بالألوهية والربوبية:

إذا عدنا من تأملات الإنسان في روعة بناء جسده المادي إلى شئ من التأمل
في الكون من حوله لوجدنا أننا نعيش فوق كرة من الصخر تقدر كتلتها بحوالي ستة آلاف
مليون مليون مليون طن, (5974 مليون مليون مليون طن), ويحيا على سطحها حوالي سبعة
بلايين نسمة من بني آدم, وأكثر من مليون ونصف المليون نوع من أنواع الكائنات الحية
التي يمثل كل نوع منها ببلايين الأفراد (مع العلم بأنه إذا أضيفت الأنواع المندثرة
من صور الحياة, وحسبت معدلات اكتشاف الأنواع الجديدة سنويا فإن عدد أنواع الحياة
الأرضية قد يصل إلى خمسة ملايين نوع , يمثل كل نوع منها ببلايين
الأفراد).
ويحيط بالأرض غلاف مائي تقدر كتلته بحوالي (1.4 مليون مليون مليون
طن)، وغلاف غازي له تركيب كيميائي محدد, وصفات طبيعية معينة تقدر كتلته بحوالي
(5100 مليون مليون طن). وهذا الغلاف الغازي يفصل الأرض عن السماء الدنيا, ويحميها
من العديد من المخاطر الكونية المحدقة بها.
وهذه الأرض تدور(في زماننا الراهن)
حول محورها أمام الشمس دورة كاملة كل أربع وعشرين ساعة, وذلك من أجل تبادل الليل
والنهار على سطحها بانتظام , ومع دوران الأرض حول محورها فإنها تجرى في مدار محدد
لها حول الشمس بسرعة محسوبة بدقة فائقة، وبمحور مائل على هذا المدار لكي تتبادل
الفصول المناخية الأربعة : الربيع , والصيف, والخريف, والشتاء، في تتابع محكم دقيق
مرة كل سنة من سنين الأرض تقدر الآن بـ (365.25) يوما من أيامنا الحالية , منتظمة
في اثنى عشر شهرا. وكانت دورة الأرض حول محورها عند بدء الخلق أسرع من معدلها
الحالي بسته أضعاف، ولذلك كان طول الليل والنهار معا أقل من أربع ساعات، وكان عدد
الأيام في السنة أكثر من (2200) يوما وفى ذلك يقول ربنا-تبارك وتعالى- في محكم
كتابه:
﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ يُغْشِي
اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً

وَالشَّمْسَ
وَالْقَمَرَ
وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الخَلْقُ
وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ ﴾ (الأعراف:54) .

وهذا وغيره من أمور الأرض مقدر بدقة فائقة , لوا اختلت موازينها قدر
شعرة ما كان هذا الكوكب صالحا للعمران بالحياة التى نعرفها , ومن ذلك دقة حساب كل
من البناء الداخلي والخارجي للأرض , كتلتها , وحجمها , متوسط كثافتها , متوسط بعدها
عن كل من القمر والشمس, مساحة كل من اليابسة والماء على سطحها , وتوزيع تضاريس هذا
السطح ؛ تركيب كل من أغلفتها الصخرية , والمائية , والهوائية , والحياتية ؛ توزيع
مناطقها المناخية ؛ تتابع دورات كل من صخورها , ومياهها , وحياتها ؛ تصريف الرياح
من حولها ؛ وتعدد الظواهر المحيطة بها والجارية على سطحها , من مثل الزلازل
والبراكين، والعواصف والأعاصير، والسحب والأمطار، والرعد والبرق، والصواعق
والحرائق، وسقوط الشهب والنيازك وغيرها. و الاتزان الأرضي الدقيق بين العمليات
الداخلية البانية , والعمليات الهدمية الخارجية , و بين المد والجزر , وبين كسوف
الشمس وخسوف القمر، وتقدير كل من منازله ومنازل الشمس بين البروج، وغير ذلك كثير
مما يتم بتقدير وإحكام ينفيان العشوائية والصدفة نفيا قاطعا ...!! ويشهدان للخالق
–سبحانه وتعالى- بطلاقة القدرة، وبديع الصنعة، وإتقان الخلق.


وأرضنا واحدة من أحد عشر كوكبا يدور كل منها في مدار محدد له حول شمسنا
لتكون ما يعرف باسم "المجموعة الشمسية" ؛ وشمسنا واحدة من حوالي تريليون نجم
تكون مجرتنا (سكة التبانة أو درب اللبانة) وكما أن لشمسنا توابع من
الكواكب , والكويكبات , والأقمار والمذنبات , فمن المرجح أن يكون لكل نجم من هذه
النجوم توابعه , انطلاقا من وحدة البناء في الكون . ومجرتنا عبارة عن قرص مفلطح
يبلغ طول قطره مائة ألف سنة ضوئية, وسمكه عشر ذلك. وبمجرتنا من النجوم وأشباهها ,
ومن السدم والدخان الكونى، ومن الثقوب السود ما يمثل تنوعا مذهلا في دقة توزيع
كثافة المادة التي تترابط بالجاذبية في داخل المجرة. ومن هذه النجوم ما يمر بمراحل
الميلاد والطفولة , ومنها ما ينعم بمراحل الصبا والشباب , والنضج والكهولة , ومنها
ما يرزح تحت وطأة الشيخوخة و أهوال الاحتضار ...!! والنجوم عبارة عن أفران نووية
عملاقة تتخلق بداخلها أغلب العناصر التى تحتاجها الحياة الدنيا (من الإيدروجين إلى
الحديد) وذلك بعملية تعرف باسم "عملية الاندماج النووي", وتنطلق الطاقة
اللازمة لاستمرار هذا الوجود الكوني , أما بقية العناصر التي يزيد وزنها الذري على
الوزن الذري للحديد فتتخلق في صفحة السماء باصطياد نوى ذرات الحديد لبعض اللبنات
الأولية للمادة، ويتم ذلك كله بتقدير وإحكام يشهدان للخالق العظيم بالألوهية
والربوبية والوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه.


وإلى مشارف القرن العشرين كان الفلكيون يتصورون أن مجرتنا هي كل الكون ,
ومع تطور أجهزة الرصد الفلكي ثبت أن بالسماء من أمثال مجرتنا ما بين مائتي ألف
مليون مجرة وثلاثمائة ألف مليون مجرة , بعضها أكبر من مجرتنا كثيرا , والبعض الآخر
في حجم مجرتنا أو أقل قليلا . وهذه الأعداد المهولة من المجرات مرتبة في مجموعات
ونسق محكمة الأبعاد , والأعداد , والكتل , والأحجام، والكثافات, ومنضبطة الحركة
والعلاقات انضباطا شديدا, ومن ذلك أن تكون عشرات من المجرات المتقاربة نسبيا تجمعات
تعرف باسم "المجموعات المحلية" , وتلتقي عشرات من تلك المجموعات فيما يعرف
باسم "الحشود المجرية" , ثم "التجمعات المحلية العظمى" , ثم "الحشود
المجرية العظمى
" إلى نهاية غير معلومة للسماء الدنيا التي لا يدرك الفلكيون
منها أكثر من شريحة يقدر قطرها بأكثر من (25 بليون سنة ضوئية) و السنة الضوئية يقدر
طولها بحوالي (9.5 مليون مليون كيلو متر).
والسماء دائمة الاتساع , بمعنى أن
المجرات دائمة التباعد عن بعضها البعض بسرعات تصل إلى ثلاثة أرباع سرعة الضوء
المقدرة بحوالي ثلاثمائة ألف كيلومتر في الثانية (أي أن المجرات تتباعد بسرعات قد
تصل إلى 225 ألف كيلو متر في الثانية) وهى سرعات لا يمكن للإنسان اللحاق بها. وهذا
الاتساع الكوني لم يدرك إلا في الثلث الأول من القرن العشرين، وقد سبق القرآن
الكريم بتقريره من قبل ألف وأربعمائة سنة وذلك بقول الحق -تبارك
وتعالى-
﴿ وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ
وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ﴾ ( الذاريات:47) .
وهذا البناء الدقيق للسماء و هي دائمة الاتساع-
تحكمه قوانين منضبطة انضباطا شديدا , حيث يدور كل جرم من أجرامها حول محوره، ويجرى
في مدارات متعددة ومحددة له , دون توقف , أو تعطل , أو تخلف , ودون اصطدام أو
ارتطام , أو خروج , أو حيود إلى آخر لحظة في هذا الوجود . فمن الذي بني السماء بهذا
الاتساع , ودقة البناء , وضبط حركات كل جرم من أجرامها بهذا الإحكام الشديد؟ , ومن
الذي يرعاها ويصونها ويمسكها من الزوال وهى دائمة الاتساع ؟ وهل يمكن أن يكون كل
ذلك نتاج العشوائية أو الصدفة ؟ والجواب هو بالقطع لا ...!! وذلك لأن النظر بعين
العقل في الكون وما به من كائنات يؤكد على أنه لا يمكن لأي منهما أن يكون قد أوجد
نفسه بنفسه, أو أن يكون نتاج العشوائية أو الصدفة , بل لابد لإبداع كل ذلك من موجد
عظيم له من صفات الكمال والجلال والجمال, ومن شمول العلم والحكمة , وطلاقة القدرة
ما أبدع به هذا الخلق. ويؤكد ذلك أن الاحتمالات الرياضية للصدفة معدومة انعداما
كاملا في تفسير نشأة الكون, فإيجاد كون بهذا الاتساع , وإحكام البناء , وانتظام
الحركة بالصدفة أو بطريقة عشوائية هو من الأمور التي تردها كل العمليات الإحصائية،
ويرفضها كل عقل سليم . وعلماء الفلك يجمعون اليوم على أن كوننا الشاسع الاتساع،
الدقيق البناء، المحكم الحركة، والمنضبط في كل أمر من أموره، لابد له من مرجعية في
خارجه، وهذه المرجعية لابد وأن تكون مغايرة للخلق مغايرة كاملة لكونها فوق كل من
المكان و الزمان، والمادة والطاقة وصدق الله العظيم الذي يقول عن ذاته
العلية:
﴿... لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ﴾ (الشورى:11).
ويقول علماء الفلك كذلك أننا لو عدنا بهذا الاتساع
إلى الوراء مع الزمن فلابد وأن يلتقي كل شئ: المادة والطاقة، والمكان والزمان في
نقطة واحدة متناهبة الضخامة في كم المادة والطاقة ومتناهية الضآلة في الحجم (إلى
الحد الذي تتوقف عنده كل قوانين الفيزياء النظرية والكمية). وأن هذا الجرم
الابتدائي انفجر فتحول إلى سحابة من الدخان خلقت منه الأرض وباقي أجرام ومكونات
السماء.
وقد سبق القرآن الكريم بألف وأربعمائة سنة هذا التصور المكتسب، والذي لم
يتبلور إلا في أواخر الخمسينات من القرن العشرين وذلك بقول ربنا-تبارك وتعالى-في
محكم كتابه:
﴿ أَوَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ المَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ
(الأنبياء:30).
وبقوله -سبحانه-:
﴿ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ
وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا
وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا
طَائِعِينَ ﴾
(فصلت:11).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alredaalnoor.0wn0.com
نبيلة محمود خليل
Admin


عدد المساهمات : 884
تاريخ التسجيل : 20/08/2010

مُساهمةموضوع: رد: الأعجاز التشريعى   السبت سبتمبر 17, 2011 4:32 am

﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ...‏﴾
(النساء : 11)

هذا النص
القرآني الكريم جاء في منتصف العشر الأول من
سورة النساء‏,‏
وهي سورة مدنية‏,‏ وآياتها مائة وستة وسبعون‏(176)‏ بعد البسملة‏,‏
وهي رابع أطول
سور القرآن الكريم بعد كل من سورة البقرة
والأعراف‏,‏ وآل عمران‏,‏
وقد سميت السورة
بهذا الاسم لكثرة ما ورد فيها من الأحكام الشرعية التي تتعلق
بالنساء‏,‏
ويدور المحور الرئيسي للسورة حول قضايا التشريع لكل من المرأة‏،
والأسرة‏,‏
والبيت‏,‏ والمجتمع‏,‏ والدولة‏,‏ ومن أبرز ما جاء فيها تشريعات
الزواج‏,‏
والمواريث‏,‏ والعبادات‏,‏ والجهاد في سبيل الله‏.‏ ونبهت سورة النساء
إلي ضرورة حسن
تربية الفرد المسلم‏,‏ من أجل إقامة المجتمع المسلم‏,‏ وتطهيره من
المخالفات
الشرعية‏,‏ ومن رواسب الجاهلية القديمة والجديدة‏.‏ وتقرر سورة النساء
وحدانية الخالق
ـ سبحانه وتعالي ـ كما تؤكد وحدة رسالة السماء‏,‏ والأخوة بين
الأنبياء‏,‏
ووحدة الجنس البشري الذي ينتهي نسبه إلي أبوينا آدم وحواء ـ عليهما من
الله السلام ـ
ولذلك يرتبط كل الناس بوشيجة الرحم‏,‏ وهي وشيجة مقدسة عند رب
العالمين لا
يتجاوزها إلا كل معتد أثيم‏,‏ ومن هنا تدعو سورة النساء ابتداء من
مطلعها إلي
احترام هذه الوشيجة التي يقول فيها ربنا ـ تبارك وتعالي
ـ‏:‏ ﴿ يَا أَيُّهَا
النَّاسُ
اتَّقُوا
رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ

وَاحِدَةٍ
وَخَلَقَ مِنْهَا
زَوْجَهَا
وَبَثَّ مِنْهُمَا
رِجَالاً كَثِيراً
وَنِسَاءً
وَاتَّقُوا اللَّهَ
الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ
وَالأَرْحَامَ إِنَّ
اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ‏ (النساء‏:1)‏.
وانطلاقا من هذا
الأمر
الإلهي تؤكد
السورة الكريمة ضرورة قيام المجتمع الإنساني علي قاعدة الأسرة التي
تحاول الحضارة
المادية المعاصرة تدميرها‏,‏ كما تؤكد إحياء الضمير الإنساني الذي
قتلته السلوكيات
الجائرة‏,‏ وعلي ربط المخلوقين بخالقهم عن طريق الدين الصحيح الذي
أنزله الله ـ
تعالي ـ علي فترة من الرسل‏,‏ وأتمه‏,‏ وأكمله‏,‏ وحفظه في رسالته
الخاتمة التي
بعث بها الرسول الخاتم ـ صلي الله عليه وسلم ـ وربط كل الأنظمة
والتشريعات التي
تحكم حياة الناس ـ أفرادا‏,‏ وأسرا‏,‏ ومجتمعات ـ بهذا الدين
الخاتم الذي
ارتضاه لنا ربنا ـ تبارك وتعالي ـ ويأمر به عباده أن يخلصوا ولاءهم
لقيادتهم
المؤمنة‏,‏ الخاضعة بالطاعة التامة لله ولرسوله‏,‏ ويأمرهم بالجهاد في
سبيل الله من
أجل مقاومة الظلم والقهر والطغيان‏,‏ ومن أجل إقامة عدل الله في
الأرض‏,‏ ووعد
بأعظم الأجر علي ذلك‏,‏ كما أمر بالهجرة في سبيل الله‏,‏ وعدم الرضوخ
لذل الجبابرة من
الحكام الجائرين‏,‏ ووعد المجاهدين الصادقين الصابرين بالفتح
المبين‏.‏
وتتحدث سورة
النساء عن بعض مشاهد الآخرة تحذيرا للغافلين من
أهوالها‏,‏
وتنادي علي أهل الكتاب أن يؤمنوا بما أنزل الله ـ تعالي ـ علي خاتم
أنبيائه ورسله
مصدقا لما معهم‏,‏ قبل أن يطردهم الله ـ سبحانه وتعالي ـ من رحمته
فينزل بهم سخطه
ويحل عليهم غضبه وعذابه‏,‏ وتحذرهم من الشرك بالله
فتقول‏:‏﴿ إِنَّ اللَّهَ لاَ
يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ
وَيَغْفِرُ مَا دُونَ
ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ
وَمَن يُشْرِكْ
بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً ً﴾‏(‏ النساء‏:48).‏
ويتكرر هذا الحكم في نفس السورة بقوله ـ تعالي:
﴿‏...‏ ومن
يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا
‏(‏ النساء‏:116).‏
وعرضت سورة النساء لجانب من طغيان اليهود‏,‏ قائلة:
﴿ فَبِظُلْمٍ
مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ
لَهُمْ
وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً . وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا
وَقَدْ نُهُوا
عَنْهُ
وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا
لِلْكَافِرِينَ
مِنْهُمْ
عَذَاباً أَلِيماً
‏(‏ النساء‏:160‏ ـ‏161).‏
وتمتدح السورة الكريمة القرآن
الكريم موجهة الخطاب إلي خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلي الله عليه
وسلم ـ بقول
ربنا ـ تبارك وتعالي ـ‏
:‏ ﴿ لَكِنِ اللَّهُ
يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ
يَشْهَدُونَ
وَكَفَى بِاللَّهِ
شَهِيدا
( النساء‏:166)‏
.
تمتدح الرسول الخاتم ـ
صلي الله عليه وسلم ـ بقول ربنا ـ سبحانه وتعالي ـ‏
:‏﴿ يَا
أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ
فَآمِنُوا
خَيْراً
لَّكُمْ
وَإِن
تَكْفُرُوا
فَإِنَّ
لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ

وَالأَرْضِ
وَكَانَ اللَّهُ
عَلِيماً حَكِيماً ‏(‏ النساء‏:170).‏
وتؤكد ذلك بقوله ـ عز من قائل ـ‏:‏ ﴿ يَا أَيُّهَا
النَّاسُ
قَدْ
جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ

وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ
نُوراً مُّبِيناً (النساء‏:174).‏
وتدعو سورة النساء إلي
عدم المغالاة في الدين‏,‏ وتختتم باستكمال الضوابط الشرعية لقضية
الميراث‏,‏
والتي بدأت بالآيتين‏12,11‏ وختمت بالآية
رقم‏(176).‏

من
التشريعات الإسلامية في سورة النساء:
(1)‏ الأمر بتقوى الله ـ
تعالي ـ وعبادته بما أمر‏,‏ و مداومة استغفاره والتوبة إليه‏,‏ وطاعة
أولي الأمر من
المسلمين الصالحين‏,‏ والرجوع إلي حكم الله ـ تعالي ـ وحكم النبي
والرسول الخاتم
ـ عليه أفضل الصلاة وأزكي التسليم ـ عند الاختلاف في الرأي‏,‏ وتأمر
بمعاداة الشيطان
وبعدم اتخاذه وليا‏;‏ لأن في ذلك الخسران المبين‏.‏

‏(2)‏ الأمر بالمحافظة علي
المال العام والخاص‏,‏ وعدم تسليمه للسفهاء‏,‏ وبالحرص علي مال
اليتيم‏,‏ وعلي
حقوق الضعفاء في المجتمع‏,‏ وعلي أموال الآخرين وحقوقهم‏,‏ والتحذير
من مغبة
الاعتداء عليها‏.‏

(3)
‏ تأكيد حقوق الزوجات‏,‏ والأمر
بمعاشرتهن
بالمعروف‏,‏
وبإعطائهن جميع حقوقهن‏,‏ ومن حقوقهن المهر الذي هو عطية خالصة لهن‏,‏
وليس لأحد الحق
في شئ منه إلا أن تطيب نفس الزوجة بالتنازل عنه أو عن شئ منه‏,‏ ومن
حقوقهن أن لهن
علي الرجال حق الصون‏,‏ والرعاية‏,‏ والقيام بشئونهن بما أعطي الله ـ
تعالي ـ الرجال
من صفات وقدرات تهيئهم لذلك‏.‏

‏(4)‏ تحديد المحرمات من النساء‏,‏ مع
وضع الضوابط الصحيحة لاستقامة حياة الأسرة‏,‏ والقوانين المنظمة
لها‏,‏ والنهي
عن تمني أي من المسلم أو المسلمة أن يكون في غير جنسه‏,‏ لأن لكل جنس
دوره الملائم
لفطرته التي فطره الله ـ تعالي ـ عليها‏,‏ ولاستعداداته التي زوده
الله ـ سبحانه ـ
بها‏,‏ وبالجنسين معا يكتمل المجتمع‏,‏ وتستقيم أموره‏,‏ وتستمر
الحياة إلي ما
يشاء الله ـ تعالي ـ ولكل فرد نصيب مما اكتسب‏,‏ وعليه أن يسأل الله
العلي القدير من
فضله
:
﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ
بِكُلِّ
شَيْءٍ عَلِيماً
‏(‏ النساء‏:32).‏
(5)
الأمر بالإحسان
إلي الوالدين‏,‏ وإلي ذوي القربى واليتامى‏,‏ والمساكين وإلي الجار
ذي القربى‏,‏
والجار الجنب‏,‏ وإلي كل من الصاحب بالجنب‏,‏ وابن السبيل‏,‏ والأمر
باحترام العهود
والمواثيق‏,‏ وبأداء الأمانات إلي أهلها‏,‏ وبرد التحية‏,‏ والحكم
بين الناس
بالعدل‏,‏ وبالهجرة في سبيل الله إذا لزم الأمر‏.‏

‏(6)‏ النهي عن الاختيال
والفخر‏,‏ وعن التباهي والكبر‏,‏ وعن تزكية النفس‏,‏ وعن افتراء الكذب
علي
الله‏,‏ وعن
الجهر بالسوء في القول إلا من ظلم‏,‏ والنهي كذلك عن البخل‏,‏ وعن بذل
المال رئاء
الناس‏,‏ وعن النفاق أو موالاة أي من المنافقين‏,‏ أو المشركين أو
الكافرين‏,‏ أو
الرضوخ لهم‏,‏ وعن تعاطي المسكرات‏,‏ وعن الاقتراب من الفاحشة أو
إشاعتها بين
الناس‏.‏

(7)
‏ التقيد بأوامر الله ـ تعالي ـ في
توزيع
الميراث‏.‏
‏(Cool‏ تفصيل شروط الطهارة‏.‏
(9)
‏ الأمر بتدبر آيات القرآن الكريم والحرص علي
الاجتهاد في فهم دلالاتها‏.‏

(10)
‏ تأكيد مواقيت الصلاة والإشارة إلي فضل إقامتها في
وقتها‏,‏ وتشريع كل من صلاة المسافر‏,‏ وصلاة المقاتل المعروفة باسم
صلاة الحرب أو
صلاة الخوف‏.‏

(11)
‏ النهي عن قتل المؤمن إلا خطأ‏,‏ وتفصيل
أحكام
القتل الخطأ‏,‏
والنهي كذلك عن الوجود في مجالس يستهزأ فيها بآيات
الله‏.‏
‏(12)‏ الأمر بالقتال في سبيل الله دون خشية من
أولياء الشيطان‏,‏
وتأكيد فضل
المجاهدين علي القاعدين وفي ذلك يقول ربنا ـ تبارك وتعالي وقوله الحق
ـ‏:‏﴿ فَقَاتِلُوا
أُوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ
ضَعِيفاً

﴾‏

‏(‏ النساء‏:76)‏.

من
ركائز العقيدة الإسلامية في سورة النساء:
‏(1)‏ الإيمان بالله ـ تعالي ربا واحدا
أحدا‏,‏ فردا صمدا‏(‏ بغير شريك‏,‏ و لا شبيه‏,‏ وبلا منازع‏,‏
ولا صاحبة‏,‏
ولا ولد‏),‏ والإيمان بملائكته‏,‏ وكتبه ورسله واليوم الآخر‏,‏ واليقين
بأنه رقيب علي
عباده‏,‏ حسيب عليهم‏,‏ عادل بينهم‏,‏ لا يظلم مثقال ذرة‏,‏ وأنه ـ
سبحانه ـ محيط
بكل شئ‏,‏ تواب رحيم‏,‏ عليم حكيم‏,‏ غفور ودود‏,‏ غني حميد‏,‏ قدير
وكيل‏,‏ سميع
بصير‏,‏ شاكر كريم إلي غير ذلك مما وصف به ذاته العلية من صفات الكمال
والجلال
والجمال‏.‏

‏(2)‏ اليقين بأن الجنة حق‏,‏ وأن النار حق‏,‏
وإنها إما جنة
أبدا‏,‏ أو نار
أبدا‏.‏

(3)
‏ التسليم بأن الله ـ تعالي ـ لا يغفر أن يشرك
به‏,‏
ويغفر مادون ذلك
لمن يشاء‏.‏

‏(4)‏ وجوب طاعة الله ـ سبحانه وتعالي ـ وطاعة
جميع
أنبيائه
ورسله‏,‏ وعلي رأسهم خاتمهم أجمعين سيدنا محمد ابن عبد الله ـ صلي الله
عليه
وسلم‏.‏

(5)
‏ اليقين بأن القرآن الكريم هو كتاب الله المنزل
بالحق علي خاتم
أنبيائه ورسله ـ
صلي الله عليه وسلم ـ والمحفوظ بحفظ الله ـ تعالي ـ في نفس لغة
وحيه‏(‏ اللغة
العربية‏)‏ إلي قيام الساعة‏.‏

‏(6)‏ الإيمان بوحدة رسالة السماء‏,‏
وبالأخوة بين الأنبياء‏,‏ واليقين بصدق بعثة الرسول الخاتم ـ صلي الله
عليه وسلم ـ
الذي تكاملت في رسالته كل الرسالات السابقة‏,‏ ولذلك تعهد ربنا ـ تبارك
وتعالي ـ بحفظ
رسالته الخاتمة فحفظت في نفس لغة الوحي‏(‏ العربية‏)‏ لأنه ليس من
بعده ـ صلوات
الله وسلامه عليه ـ من نبي ولا رسول‏.‏

‏(7)‏ التسليم بأن الموت حق علي جميع
العباد‏,‏ وبأن متاع الدنيا قليل‏,‏ وأن الآخرة خير لمن اتقي‏,‏ وأن
الشيطان للإنسان
عدو مبين‏,‏ وأن في مخالفته ومعاداته النجاة للصالحين من عباد
الله‏,‏ وأن
العزة لله ولرسوله وللمؤمنين‏.‏

‏(Cool الإيمان الجازم بقول ربنا ـ تبارك وتعالي
ـ‏:‏
﴿ وَلَن
يَجْعَلَ
اللَّهُ
لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً
‏(‏ النساء‏:141)‏
(9)
التصديق بأن كلا
من الذين حرفوا دينهم والمنافقين في الدرك الأسفل من النار‏,‏ وأن
حكم الله
فيهم‏.‏ أوضحته سورة النساء بقول ربنا ـ تبارك وتعالي
ـ‏:‏
﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ
بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ
وَرُسُلِهِ
وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ
أَن
يَتَّخِذُوا
بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً . أُوْلَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ حَقاًّ
وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً
(
النساء‏:150‏
ـ‏151).‏
‏ (10)‏ اليقين بأن الله ـ تعالي ـ قد خلق الناس
جميعا
: ﴿ ....‏
خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ
وَاحِدَةٍ
وَخَلَقَ مِنْهَا
زَوْجَهَا
وَبَثَّ مِنْهُمَا
رِجَالاً كَثِيراً
وَنِسَاءً... (النساء‏:1).‏
ومحاولة إنكار ذلك أو
التطاول عليه هو إنكار لطلاقة القدرة الإلهية التي لا تحدها حدود‏,‏
وإنكار للمعلوم
من الدين بالضرورة‏,‏ وحكم ذلك معروف عن أهل العلم ومغبته الكفر
بالله ـ والعياذ
بالله سبحانه‏.‏


من
الإشارات الكونية والتشريعية في سورة النساء:
‏(1)‏ الإشارة إلي خلق الناس جميعا من
نفس واحدة‏,‏ خلقها الله ـ تعالي ـ من طين‏,‏ وخلق منها زوجها‏,‏
وبث منهما رجالا
كثيرا ونساء‏,‏ والمكتشفات الحديثة في علوم الوراثة تدعم ذلك
وتؤيده‏.‏
‏(2)‏ الأمر بتقوى الله ـ سبحانه وتعالي ـ في شأن
الأرحام‏;‏ لأنها
مصانع الخلق‏,‏
ولأن في صونها‏,‏ وحمايتها‏,‏ وتكريمها صونا للإنسانية جمعاء ضد
العبث المستهتر
الذي تحاول الفلسفات المادية المتهالكة فرضه علي العالم بالقوة
اليوم‏,‏ وكل من
علم الأجنة‏,‏ وعلوم الأمراض تؤكد حكمة أمر الله بذلك‏.‏

(3)
تحديد حظ الذكر
من الإخوة في الميراث بحظ الأنثيين‏.‏

‏(4)‏ تشريع المحرمات من النساء والعلوم
المكتسبة في قمة من قممها اليوم تؤكد الحكمة من ذلك‏.‏

(5)
التلميح إلي
ضآلة حجم الذرة بضرب المثل بها في الصغر‏.‏

‏(6)‏ الإشارة إلي حقيقة أن جلد الإنسان
إذا أزيل فإن صاحبه لا يشعر بالألم‏,‏ والعلوم المكتسبة تثبت ذلك
وتؤكده‏.‏
‏ (7)‏ التنبؤ بأن الشيطان سوف يسول للإنسان
محاولة تغيير خلق الله من
مثل ما يحدث في
عمليات الاستنساخ اليوم‏.‏

‏(Cool‏ الإشارة إلي عدد من الأمم الغابرة والكشوف
الأثرية تؤكد صدق القرآن الكريم في كل ما جاء به في هذا
الصدد‏.‏
‏‏ وكل قضية من هذه
القضايا تحتاج إلي معالجة خاصة بها‏,‏ ولذلك فسوف أقصر حديثي علي النقطة الثالثة من
القائمة السابقة‏,‏ والتي سوف أناقش لمحة الإعجاز التشريعي فيها في المقال القادم
إن شاء الله‏,‏ وإلي ذلك الحين أستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله
وبركاته‏.‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alredaalnoor.0wn0.com
نبيلة محمود خليل
Admin


عدد المساهمات : 884
تاريخ التسجيل : 20/08/2010

مُساهمةموضوع: رد: الأعجاز التشريعى   السبت سبتمبر 17, 2011 4:33 am

موقف الإسلام من التنجيم

حين مَّنَ الله تعالى على الإنسانية ببعثة المصطفى (صلى الله عليه وسلم)
تنزل القرآن الكريم صادعا بالحقيقة التي تنص على آن علم الغيب مقصور على الله
سبحانه وتعالى وحده كما حذر القرآن الكريم من مجرد الاستقسام بالأزلام، وحذر الرسول
الله (صلى الله عليه وسلم) من مغبة السقوط في حبائل المنجمين والكهان والعرافين
وغيرهم من مختلف صور الدجالين والمشعوذين بقوله (عليه الصلاة والسلام) عنهم أنهم
كذابون ولو صدقوا وأنهم ليسوا على شئ وأن اللجوء إليهم يفقد المؤمن أجره صلاة
أربعين يوماً وعلى ذلك فإن موقف الإسلام من قضية التنجيم كان موقفاً واضحاً حدده
كتاب الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم) لأن الإسلام جاء لتحرير الناس من مختلف
صور الأوهام والأباطيل، ولكن حينما قامت حركة الترجمة في العصر العباسي الأول بنقل
تراث الإغريق إلى العربية ظهرت الإشارة إلى التنجيم في العديد مما ترجم من تراث،
وزاد في الإقبال عليه شغف واضح بعلوم الفلك التي كانت مختلطة مع التنجيم في التراث
الإغريقي اختلاطا كبيرا.



وعندما بدأت أوربا في ترجمة التراث العلمي العربي في نهاية القرون
الوسطى وبداية عصر النهضة من العربية إلى اللاتينية أخذت فيما أخذت تراجم التراث
الإغريقي وتعليقات بعض العلماء العرب عليه فصبغ الأوربيون التنجيم بصبغة عربيه
إسلامية، والإسلام منه براء، وقد ساعد على ذلك أن الذين قاموا بنقل التراث العربي
إلى اللاتينية كان معظمهم من أحبار اليهود الذين كانوا على صلة بكل من العالمين
الإسلامي والنصراني، وكان اليهود-كعادتهم- حريصين كل الحرص على تضليل غيرهم من
الناس (الذين يسمونهم بالأميين)، وإغراقهم في الخرافات والدجل والأساطير حتى
يتمكنون من السيطرة عليهم وابتزاز أموالهم، وتسخيرها لمخططاتهم، فغالوا في الترويج
للتنجيم و تبنوا الهيمنة عليه حتى كان منهم في بلاط كل ملك وأمير ووجيه أكثر من
منجم واحد، وقد ظلت فلول هؤلاء المنجمين اليهود في بلاط بعض الملوك والرؤساء إلى
الزمن الحاضر.
وقد بلغ من هيمنة التنجيم والمنجمين في أوربا إبان القرن الثالث
عشر الميلادي أن كثيراً من الأدباء الغربيين اعترفوا في كتابتهم بنوع من سيطرة
النجوم على مجريات الأمور في هذه الدنيا، وقد بلغ الأمر من التفاقم مبلغا كبيراً في
القرن الرابع عشر الميلادي حتى أن عددا من جامعات أوربا الشهيرة (ومن بينها جامعات
باريس، وبولونيا، وفلورنسا) أقدمت على إنشاء أقسام للتنجيم بها مما أكد على
استمرار سيطرة تلك الخرافات على الفكر الأوروبي حتى مطلع القرن السابع عشر الميلادي
إن لم يستمر إلى ما بعد ذلك التاريخ.



من هنا بدأ التنجيم بفقد سيطرته على عقول المستنيرين من بني البشر،
فلم يعد بوسع أي عاقل أن يقبل ذلك الإدعاء الباطل بأن تلك البلايين من أجرام السماء
التي تدور في أفلاكها المحددة يمكن أن لتساعد المنجمين في التنبؤ بطالع ملك من
الملوك أو بوفاة نفر من الناس. وكان للتطور المذهل لعلم الفلك في العقود القليلة
الماضية أثره البالغ في هدم خرافة التنجيم، ولكن على الرغم من كل ذلك فقد بقى عدد
من المنجمين يستغلون سذاجة الناس حينا، وجهلهم حينا آخرـ و اضطراباتهم النفسية في
عالم احتدمت فيه الصراعات، وانتظر الناس فيه الغد بكثير من الخوف والقلق، استغل
المنجمون كل ذلك في محاولة السيطرة على الناس وابتزاز أموالهم بوهم خادع مؤداه أن
في إمكان النجوم أن تقرأ لهم مستقبلا يجهلونه، ونحن نؤمن بأن المستقبل من الغيب
الذي لا يعلمه إلا الله، ولكن بقيت غشاوات من الجهل في أعين الكثير من الناس تحجب
عنهم نور الحق الساطع الذي يدحض الدجل والشعوذة على الرغم من الحقيقة الواقعة أنه
ببزوغ فجر القرن التاسع عشر الميلادي انحسر الإيمان بالتنجيم واخذ الناس يتطهرون من
رجسه يوماً بعد يوم كلما تقدمت المعرفة العلمية واستنار الناس بنور الهداية
الربانية ولكن لم يكن من السهل تطهير المجتمعات الإنسانية من المنجمين وتابعيهم
بصوره قاطعة فلا يزال نفر من الناس يؤمون بتلك الممارسات الجاهلية ويقبلون عليها
على الرغم من سقوطها علميا وتحريمها إسلاميا، فقد صدر لمجموعه علماء الفلك
الأمريكيين كتاب عنوانه "التنجيم خرافة
"Astrology is a
Myth
" ولكن على الرغم من ذلك ظلت وسائل الإعلام في عالمنا العربي والمسلم
تصدر جزءا مخصصا لطوالع مواليد البروج المختلفة، كما أنها تفسح المجال بين الحين
والآخر للإعلانات عن عدد من هؤلاء المنجمين أو لمقالات تكتب عن مثل ذلك الدجل، أو
تصدر التقاويم والنشرات التي تهتم بتأويلات المنجمين، وهي كلها كذب فالتنجيم مخالف
للفطرة الربانية وللسنن الكونية لأن الإنسان لو علم بمستقبل حياته لتوقفت الحياة،
كما أن التنجيم به شئ من الشرك بالله الذي حرمه القرآن الكريم تحريماً بائنا، وعلى
المسلمين ألا يقلدوا غيرهم في ذلك وأن يلتزموا بأوامر الله وبسنة رسول (صلى الله
عليه وسلم) في هذا الأمر وفى غيره من أمور الدين والدنيا حتى ينجو من مخاطر
الدجالين والمشعوذين بإذن الله.




وتتضح ومضة الإعجاز السلوكي في نهي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم
ـ في إتيان الكُهَّان والعرافين في أقوال عديدة منها:
(1)
" لا تَأْتُوا الْكُهَّانَ " (رواه الإمام أحمد في مسنده).
(2)
" الْعِيَافَةُ وَالطِّيَرَةُ وَالطَّرْقُ مِنْ الْجِبْتِ
"
(رواه أبو داود في سننه، وأحمد في مسنده).
(3)
" مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ
كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ
"
(رواه الإمام أحمد).
(4) وعن أم المؤمنين السيدة عائشة ـ رضي الله
عنها وأرضاها ـ قالت: سأل أناس رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن الكهان، فقال
لهم:
" لَيْسُوا بِشَيْءٍ "، قالوا: يا رسول الله، فإنهم يحدثون أحيانًا بالشيء يكون حقًا، فقال
رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:
" تِلْكَ الْكَلِمَةُ مِنْ الْحَقِّ يَخْطَفُهَا الْجِنِّيُّ
فَيَقُرُّهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ قَرَّ الدَّجَاجَةِ فَيَخْلِطُونَ فِيهَا
أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ كَذْبَةٍ "
(البخاري ومسلم).
هذا هو حال الكهان والعرافين والبصارين وغيرهم من
الكذبة الدجالين، ومن هنا تأتي الحقائق القرآنية المؤكدة على أن الغيب المطلق لا
يعلمه إلا الله ـ تعالى ـ، وتأتي أحاديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مشددة في
عدم إتيان الكهنة والسحرة والعرافين الذين يعبثون بعقول الناس ويعيثون في الأرض
فسادًا بادعاء القدرة على معرفة الغيب، والغيب المطلق لا يعرفه إلا الله ـ سبحانه
وتعالى ـ.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alredaalnoor.0wn0.com
نبيلة محمود خليل
Admin


عدد المساهمات : 884
تاريخ التسجيل : 20/08/2010

مُساهمةموضوع: رد: الأعجاز التشريعى   السبت سبتمبر 17, 2011 4:35 am

﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ الحجر:95

الآية القرآنية الكريمة جاءت في خواتيم سورة "الحجر"، وهي سورة مكية، وآياتها (99)
بعد البسملة، وقد سُمِّيت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلى "أصحاب الحجر"، وهم
قوم نبي الله صالح – عليه السلام – وذـلك في الآيات (80– 84) من هذه السورة
المباركة.
وتبدأ سورة "الحجر" بالحروف المُقطَّعة الثلاثة (الر) التي جاءت في مطلع
خمسٍ من سور القرآن الكريم؛ هي (يونس، هود، يوسف، إبراهيم، الحجر)، كما جاءت مرةً
سادسةً بإضافة الحرف (م) لتصبح (المر)؛ وذلك في مطلع سورة "الرعد". وقد سبق لنا
استعراض قضية الحروف المُقطَّعة بما يغني عن تكرار ذلك هنا.
وبعد هذا الاستهلال تمتدح سورة "الحجر" القرآن الكريم، مهدِّدةً
الكفار لانصرافهم عن الإسلام, ومتوعدةً إياهم بنزول عقاب الله تعالى بهم في الدنيا
والآخرة؛ وذلك بقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿ الر تِلْكَ
آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ & رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا
مُسْلِمِينَ & ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا
وَيُلْهِهِمْ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ & وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا
كِتَابٌ مَعْلُومٌ & مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا
وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ (الحجر: 1– 5)،
ثم تستنكر الآيات تطاول الكفار والمشركين على خاتم الأنبياء والمرسلين
r وتنطُّعهم واستكبارهم على الحق الذي جاء به, وطلبهم ملائكةً
تبلغهم عن الله - تعالى - الذي يجزم بأن الملائكة لا تنزل إلا بالحق، أي بالرسالة
أو بالعذاب.
وتؤكِّد الآيات تعهُّد الخالق –
سبحانه وتعالى - بحفظ القرآن الكريم تعهُّدًا مطلقًا، كما تؤكِّد بشرية جميع
المرسلين, وتستنكر تطاول الكفار والمشركين على رسل الله، على الرغم من علمهم بما
نزل بالكفار من قبلهم، وفي ذلك تقول الآيات:﴿ وَقَالُوا
يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ & لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنْ
الصَّادِقِينَ & مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاَّ
بِالحَقِّ وَمَا كَانُواْ إِذًا مُّنظَرِينَ & ِإنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ
لَحَافِظُونَ & وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي
شِيَعِ الأَوَّلِينَ & وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ
كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ & كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ & لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ
الأَوَّلِينَ﴾ (الحجر: 6–
13).
ثم تنتقل سورة "الحجر" إلى تأكيد أن الكفار والمشركين مهما رأوا من
الآيات فلن يؤمنوا بها، مستعرضةً عددًا من آيات الله في الكون (الآيات 15– 27)
للتدليل على حقيقة الألوهية والربوبية والوحدانية المطلقة للخالق العظيم فوق جميع
خلقه، وعلى حتمية البعث والحشر والحساب والجزاء، ولكنَّ الكافرين لا
يعتبرون.


وبعد ذلك تنتقل
الآيات إلى عرض جانب من قصة خلق أبينا آدم – عليه السلام – وموقف الشيطان منه ومن
ذريته؛ فمنهم من يتبعه من الضالين فيهوي بهم إلى نار جهنم، ومنهم من يستعصي على
غوايته من عباد الله المتقيــن, فيدخلهم الله – تعالى - جنات النعيم (الآيات 28–
48).
وتأمر الآيات خاتم الأنبياء والمرسلين – صلى الله وسلم وبارك عليه
وعليهم أجمعين – أن يبلِّغ العباد بأن الله – تعالى – هو الغفور الرحيم، وأن عذابه
هو العذاب الأليم (الآيتان: 49, 50)، كما تأمره أن يبلِّغهم بقصص عددٍ من أنبياء
الله السابقين لبعثته الشريفة؛ تأكيدًا لوحدة رسالة السماء، وللأخوة بين الأنبياء،
ولصدق رسالته
r، ولصلته بوحي السماء؛ وذلك تثبيتًا للمؤمنين على إيمانهم، ودعوةً
للعقلاء أن يؤمنوا بنبوته، ومن هؤلاء الأنبياء: إبراهيم، لوط، صالح، وشعيب (على
نبينا وعليهم من الله السلام).
ووضَّحت الآيات
كيف عاقب الله – تعالى – المعاندين الكافرين من أمم هؤلاء الأنبياء والمرسلين
(الآيات 51– 84).
وتختتم سورة
"الحجر" بتوجيه الخطاب مرةً أخرى إلى رسول الله
r، مؤكِّدةً خلق السماوات والأرض بالحق، وحتمية الساعة، وأن الله –
تعالى – هو خالق كل شيء، وفضل كلٍّ من الفاتحة والقرآن العظيم فتقول:﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ
بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحْ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ & إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ & وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنْ الْمَثَانِي
وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ & لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ
أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ
& وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ & كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ &
الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ & فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ
أَجْمَعِينَ & عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ & فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ
وَأَعْرِضْ عَنْ الْمُشْرِكِينَ & إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ & الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ
فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ & وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ
صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ & فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ
& وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾
(الحجر: 85– 99).

والخطاب إلى
رسول الله
r خطابٌ إلى جميع المسلمين، المؤمنين بصدق بعثته الشريفة، وعلى ذلك فإن
الأوامر إلى هذا الرسول الخاتم كما جاءت في ختام سورة "الحجر" وفي غيرها من سور
القرآن الكريم هي أوامر لجميع المسلمين، وفيها من التكريم لرسول الله – صلى الله
عليه وسلم – ما هو حقٌّ لمقامه بصفته خاتم الأنبياء والمرسلين، والنذير المبين الذي
ليس من بعده نبي ولا رسول، وفيها من التعظيم لفاتحة الكتاب الكريم وللقرآن كله ما
يليق بكلام رب العالمين, وفيها اللوم على الذين يجتزئون القرآن الكريم فيؤمنون ببعض
الكتاب ويكفرون ببعضه, أو يستشهدون بما يجتزئونه منه ويكفرون بمجموع رسالته القائمة
على التوحيد الخالص لله – تعالى – وعلى تنزيهه – جل وعلا – عن جميع صفات خلقه، وعن
كل وصف لا يليق بجلاله؛ ولذلك وصفتهم الآيات في ختام سورة "الحجر" بوصف
﴿...الْمُقْتَسِمِينَ & الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ أي المتحالفين
على الباطل الذين آمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعض، وتهدِّدهم الآيات بقول الحق –
تبارك وتعالى لخاتم أنبيائه ورسله: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ
& عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
وتشير الآيات
إلى أن أهل الكفر والشرك والضلال سوف يظلون أبد الدهر يتطاولون على دين الله وكتابه
ورسوله كما تطاولوا في القديم، ويتطاولون في أيامنا هذه، وهو من الإعجاز الإنبائي
لكتاب الله؛ ولذلك فإن الآيات في خواتيم سورة "الحجر" توجِّه الخطاب إلى رسول الله
r، مهدِّدةً الكفار والمشركين فتقول: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنْ الْمُشْرِكِينَ & إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ & الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ
فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾. وفي مواساة
رقيقه منرب العالمين لخاتم أنبيائه ورسله r تختتم سورة
"الحجر"، بقول الحق تبارك وتعالى له:
﴿
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ & فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ
& وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ
الْيَقِينُ﴾.
والأمر من الله
– تعالى – إلى خاتم أنبيائه ورسله هو أمرٌ لجميع المؤمنين برسالته, وكأن القرآن
الكريم يتنزَّل اليوم للرد على مسيء الرسوم الكاريكاتيرية في الدنمارك وفي غيرها من
دول الغرب المشرك, وللرد على غيرهم من شياطين الإنس من أمثال الشيطان الهولندي الذي
أساء إلى القرآن الكريم بفيلمٍ حقيرٍ وضعه على شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت)،
وأمثاله ممن يغيظهم المدُّ الإسلامي في عالم اليوم, والمسلمون في حالٍ من الضعف لا
أعتقد أنهم قد مرُّوا بمثله من قبل؛ مما يشهد لهذا الدين الخاتم بأنه دين الله الحق
الذي علَّمه لأبينا آدم – عليه السلام – لحظة خلقه, وأنزله على سلسله طويلة من
أنبيائه ورسله - صلى الله وسلم وبارك عليهم أجمعين – ولذلك تعهد ربنا – تبارك
وتعالى - بحفظه تعهُّدًا مطلقًا حتى يبقى القرآن الكريم شاهدًا للرسول الخاتم الذي
تلقَّاه بالنبوة والرسالة، ويبقى حجةَ الله على الخلق أجمعين إلى يوم
الدين.


من ركائز العقيدة في سورة
"الحجر":
1) الإيمان بالله - تعالى – وبملائكته,
وكتبه, ورسله، وبخاتم الأنبياء والمرسلين, وبالقرآن الكريم الذي أوحي إليه من رب
العالمين, وبأنه كتاب مبين, وبأن الله – تعالى – هو الغفور الرحيم, وأن عذابه هو
العذاب الأليم, وأنه – سبحانه وتعالى – هو الخلاَّق العليم؛ فلا يخلق غيره, ولا
يخفى شيء عن علمه.
2) اليقين بأن
الإسلام هو دين الله الذي علَّمه لأبينا آدم – عليه السلام – لحظة خلقه, وأنزله على
سلسلة طويلة من الأنبياء والمرسلين, ثم أكمله وأتمَّه وحفظه في بعثة الرسول الخاتم
r؛ ولذلك تتوق النفوس إلى هذا الدين الإلهي بالفطرة، حتى نفوس أعدادٍ
من الكفار والمشركين الذين باعوا أنفسهم للشياطين فصدُّوهم عنه.
3) التصديق بأن
الكفار والمشركين يأكلون ويتمتعون كما تأكل الأنعام, ويلهيهم الأمل عن مصيرهم
الأسود في الدنيا قبل الآخرة؛ حيث الفشل في حياتهم, ثم في الآخرة النار مثوى
لهم.
4) التسليم بأن هلاك كل أمة من أمم الكفر والشرك والضلال له في علم الله
كتاب محدَّد معلوم, لا تستبقه ولا تتأخر عنه, أي أن الله – تعالى – ما أهلك أمة من
الأمم العاصية إلا بعد قيام الحجة عليها, وانتهاء الأجل المحدَّد
لها.
5) الإيمان بأن النبي العربي سيدنا محمد بن عبد الله r
هو خاتم الأنبياء والمرسلين, وأنه تلقَّى الوحي بالقرآن الكريم من
لدن رب العالمين؛ ولذلك تعهَّد الله – تعالى – بحفظه فحُفِظَ على مدى أربعة عشر
قرنًا ماضيًا, وسوف يظل محفوظًا بحفظ الله إلى ما شاء الله،
وبما أن هذا
النبي العربي هو خاتم النبيين فقد جعله الله – تعالى – قمة الكمال البشري؛ مما أثار
حفيظة الكفار والمشركين فتطاولوا عليه في القديم والحديث, وعارضوا دعوته وهو النذير
المبين, وطالبوه بإنزال الملائكة, وملائكة السماء لا تنزل إلى الأرض إلا بالحق, أي
بالرسالة والرحمة, أو بالعذاب والهلكة.
6) التصديق بأن
الكفار والمشركين في كل العصور هم الذين تطاولوا على أنبياء الله ورسله, واستهزءوا
بدعوتهم؛ انطلاقًا من ضلالاتهم, ومن استحواذ الشياطين عليهم حتى أعمت قلوبهم إلى
حدِّ عدم الاعتبار بعقاب الكافرين ممن سبقوهم.
7) اليقين بأن
غالبية الكفار والمشركين لن يؤمنوا بالله العلي العظيم ولو عرضت عليهم آيات السماء
والأرض آيةً آيةً، على كثرتها ووضوح دلالاتها وحجتها.
Cool التسليم بأن
الله – تعالى – هو خالق كل شيء, وأن عنده علم كل شيء, وبأنه هو الذي يحيي ويميت,
وأن كل شي هالك إلا وجهه, وأنه – تعالى – هو وارث الأرض ومَن عليها, وباعث الأموات
من أجداثهم, وحاشرهم إليه للحساب والجزاء في يوم الحساب.
9) الإيمان بأن
الله – تعالى – خلق الإنسان من صلصال كالفخار, وخلق الجان من قبل من نار السموم,
وبأن الله – سبحانه وتعالى – قد أسجد الملائكة لأبينا آدم – عليه السلام – وبأن
الشيطان ملعون إلى يوم الدين, ومطرود من رحمة رب العالمين؛ ولذلك توعَّد بني آدم
بالإضلال والغواية إلا عباد الله المخلصين منهم.
10) اليقين بأن
الجنة حق, وأنها هي دار المتقين, وبأن النار حق, وبأنها هي قرار
الكافرين.
11) التصديق بكل ما جاء به القرآن الكريم من أخبار
الأولين.
12) التسليم بأن خلق السماوات والأرض وما بينهما قد تمَّ بالحق، أي حسب
قوانين وسنن ثابتة لا تتخلَّف, ولا تتعطَّل ولا تتوقَّف إلا أن يشاء
الله.
13) الإيمان بأن الساعة آتية لا ريب فيها.
14) التصديق
بالقرآن الكريم كله دون اجتزاء؛ لأن إنكار آية واحدة منه يمثِّل إنكارًا لمعلومٍ من
الدين بالضرورة, وهو كفر لا شكَّ فيه.
15) اليقين بأن
الله – تعالى – قد تكفَّل بالدفاع عن خاتم أنبيائه ورسله
r؛ فلن يفلت من عقاب الله متطاولٌ على مقام هذا الرسول الخاتم الذي
جعله الله – تعالى – إمامًا للمتقين, وسيدًا للخلق أجمعين, وتجسيدًا للكمال البشري
في أعلى صوره.


من الإشارات الكونية
والتاريخية في سورة "الحجر":
1) تأكيد حفظ
القرآن الكريم من كلٍّ من الضياع أو التحريف, وقد حُفظ كاملاً في نفس لغة وحيه
(اللغة العربية) على مدًى تجاوز أربعة عشر قرنًا, وسوف يبقى القرآن محفوظًا إلى ما
شاء الله؛ لأن العهد الإلهي بحفظه عهدٌ مطلقٌ, أي غير مُقيَّد بزمن محدَّد ( الآية
رقم 9).
2) الإشارة إلى كلٍّ من رقة طبقة نهار الأرض، وظلمة السماء, وإلى بنائها
المحكم, ووصف الحركة فيها بالعروج (الآية رقم 15).
3) وصف بروج
السماء الدنيا بأنها زينة للناظرين, وتأكيد حفظها من كل شيطان رجيم (الآيتان 16،
17).
4) الإشارة إلى شيء من وظيفة الشهب (الآية 18).
5) إثبات كروية
الأرض بالوصف (مددناها), ووصف الجبال بأنها رواسٍ لها, ونعت جميع صور الإنبات فيها
بالاتزان الدقيق (الآية رقم 19).
6) تأكيد تكفُّل
الله – تعالى – برزق كل حي (الآية رقم 20).
7) إثبات أن
خزائن كل شيء بيد الله – تعالى – وأنه لا ينزلها إلى الأرض إلا بقدر معلوم؛ وذلك من
أجل حفظ التوازن فيها (الآية رقم 21).
Cool الإشارة إلى
أن الله – تعالى- جعل من الرياح ما يحمل إلى السحب نوى التكثيف لبخار الماء المحمول
فيها, حتى ينزل على هيئة المطر الذي يسقيه الخلق أجمعين, ووصف تلك الرياح بأنها
(لواقح), وتأكيد أن الله – تعالى – هو الذي هيَّأ الظروف الأرضية لخَزْن جزءٍ من
ماء السماء في تربة وصخور قشرة الأرض, ولا يقدر على ذلك غيره (الآية رقم
22).
9) تأكيد أن الله – سبحانه و تعالى – هو خالق كل شيء, وهو الذي يحيي
ويميت, والذي يرث الكون بكل من فيه وما فيه (الآية رقم 23).
10) وصف خلق
الإنسان من صلصال من حمأ مسنون (الحجر 26– 28).
11) إثبات عددٍ
من قصص الأنبياء وأممهم من مثل قصة نبي الله إبراهيم (الآيات رقم 51– 60), وقصة قوم
لوط (الآيات 61– 77), وأصحاب الأيكة، وهم قوم نبي الله شعيب (الآيتان 78, 79),
وأصحاب الحجر، وهم قوم نبي الله صالح (الآيات 80– 84).
12) الإشارة إلى
قلب الأرض رأسًا على عقب بقرى قوم لوط (الآية رقم 74), وهذه الآية لا تزال باقيةً
إلى اليوم وإلى أن يشاء الله.
13) تأكيد خلق
السماوات والأرض وما بينهما بالحق, وما في ذلك من إشارةٍ إلى مركزية الأرض من
السماوات, وإلى أن الغلاف الغازي للأرض ليس من الأرض بالكامل, ولا من دخان السماء
بالكامل, ولكنه خليط من مادتَي الأرض والسماء، وتأكيد ضبط القوانين والسنن الحاكمة
للكون إلى أن يشاء الله, وأن الساعة آتيه لا محالة (الآية رقم 85).
14) الجزم بأن
الله – تعالى – هو خالق كل شيء (الآية رقم 86).
15) الإشارة إلى
عهد الله – تعالى- بكفاية خاتم أنبيائه ورسله
r
ما تعرَّض له، ولا يزال يتعرَّض له، من تطاول المتطاولين,
واستهزاء المستهزئين, وقد تحقَّق ذلك بالفعل، ولا يزال يتحقق اليوم وإلى يوم الدين,
وكلٌّ من التاريخ والواقع المَعيش يثبت ذلك ويؤكِّده (الآية رقم
95).
وكل قضية من هذه
القضايا تحتاج إلى معالجة خاصة بها؛ ولذلك فسوف أركِّز في المقال القادم، إن شاء
الله، على النقطة الأخيرة من القائمة السابقة.


الجزء الثانى من المقال فى الصفحة رقم2
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alredaalnoor.0wn0.com
نبيلة محمود خليل
Admin


عدد المساهمات : 884
تاريخ التسجيل : 20/08/2010

مُساهمةموضوع: رد: الأعجاز التشريعى   السبت سبتمبر 17, 2011 4:37 am

حجةالوداع:منهج وعمل"5

ثالثا:
الدروس المستفادة من حجة الوداع كبرنامج عمل:

(1) ضرورة العمل على تطهير المجتمعات المسلمة من جميع علائق الجاهلية
القديمة والحديثة فى كل أمر من أمور الحياة.
(2) العمل على تطبيق شرع الله في المجتمعات المسلمة، والتعاون مع جميع
المسلمين من أجل تحقيق هذا الهدف النبيل، ولو على مراحل متأنية، وتربية الأفراد على
حب الله ورسوله، وحب الإسلام، وحب ما يدعو إليه من عقيدة صحيحة، وعبادة مفروضة،
ومكارم الأخلاق، والرفق واليسر في المعاملات، والعمل على تطبيقه أمرا واقعا في حياة
الناس أفرادا ومجتمعات.
(3) العمل على التأصيل الإسلامي لجميع المعارف المكتسبة، والممارسات
والسلوكيات العامة والخاصة، انطلاقا من كتاب الله وسنة رسوله-صلى الله عليه وسلم-
مع شرح مثالب الأفكار الوافدة، والمعتقدات والعادات والتقاليد الجاهلية القديمة
والحديثة.
(4)التواصي على السمع والطاعة للحاكم إذا كان يحكم بكتاب الله وسنة
رسوله-صلى الله عليه وسلم-، فإذا مال عنهما فلا سمع ولا
طاعة.
(5)الدعوة إلى دين الله بالكلمة الطيبة، والحجة
البالغة، والحكمة
والموعظة الحسنة، والحرص على تعليم الناس بالقدوة الحسنة، وبمباشرة كل من الداعي
والمعلم لعمله مباشرة مخلصة، متأسيا بما فعله رسول الله-صلى الله عليه وسلم- في
تعليم أمته أثناء حجة الوداع، مستخدما كل الوسائل التربوية اللازمة من التكرار،
وجلب الانتباه، وتحميل الحاضر مسؤولية تبليغ الغائب.
(6)العمل على إنصاف المرأة- النصف الأرق في المجتمع الإنساني-وقد ظلمت
كثيرا في غيبة شرع الله، ثم رد لها الإسلام كل حقوقها، وحافظ على كرامتها
وإنسانيتها، وإن كانت الحضارة المادية المعاصرة تريد استعبادها من جديد بإطلاق
الحريات لها بلا حدود.
(7)ضرورة الوقوف مع الضعيف حتى يتمكن من الوقوف على قدميه، ومع المظلوم حتى
يسترد حقه مهما كلف ذلك من تضحيات.
(Coolالحرص على تربية المجتمع تربية إسلامية صحيحة، والدعوة إلى المحافظة على
دماء، وأموال، وأعراض الناس، وأداء الأمانات، وإشهاد الله-تعالى- على كل عقد،
والجمع بين العدل والرحمة في كل أمر، مع التحذير من الوقوع في الذنوب والخطايا
والآثام- ما ظهر منها وما بطن.

(9)
الدعوة إلى مراقبة الله في كل عمل يقوم به الإنسان، والإحساس بهذه
المعية هو خير ضابط للسلوك الإنساني.
(10)
الدعوة إلى المحافظة على التاريخ الهجري والشهور القمرية بعد أن ردها
رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى أصولها يوم خلق الله السموات والأرض في حجة
الوداع، وذلك لأنها أدق علميا من جميع التقاويم الأخرى. فالله -تعالى- يوم خلق
السماوات والأرض حَرَّم أربعة من الشهور القمرية هي: "ذو القعدة"، و"ذو الحجة"،
و"المحرم"، و"رجب". ولكن العرب في الجاهلية- مع تعظيمهم لحرمة هذه الأشهر الأربعة
سيرا على ما كان قد بقى لديهم من ملة إبراهيم عليه السلام-كانت تلعب بهم الأهواء
أحياناً لتغيير هذه الشهور عن مواضعها الزمنية، فيجعلون الشهر الحرام حلالا إذا
احتاجوا إلى الاقتتال فيه، ويجعلون الشهر الحلال حراما إذا لم يكونوا مستعدين
للقتال فيه، ويقولون: شهر بشهر ليوافقوا عدد الأشهر التي حرمها الله، وهم يعلمون أن
الله -تعالى-وحده هو الذي يملك التحليل والتحريم، ولذلك سميت عملية تبديل الأشهر
تلك "بالنسئ"، ووصفه الله -تعالى-بأنه زيادة في الكفر. ثم جاء الرسول-صلى الله عليه
وسلم-ليخطب الناس في يوم النحر من حجة الوداع مؤكدا أن الشهر كان ذا الحجة، وأن
اليوم كان العاشر منه فقال
:"إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة إثنا
عشر شهرا منها أربعة حرم : ثلاث متواليات:ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب الذي
بين جمادى وشعبان"
(صحيح البخارى) (11) الاستفادة بموسم الحج في عقد مؤتمر سنوي لملوك ورؤساء وزعماء ورجال
أعمال العالم الإسلامي لمناقشة قضايا الأمة، ووضع الحلول المناسبة
لها.

قائمة
بالمراجع المختارة

1. ابن الأثير
"الكامل فى التاريخ"؛ دار صادر، (بيروت-لبنان).
2.
ابن حزم (ت 456هـ):
"جوامع السيرة"، تحقيق الدكتور إحسان عباس والدكتور ناصر الدين
الأسد؛
دار إحياء السنة-باكستان.
3. أبو زهرة، محمد (1352هـ/1972م):
"خاتم النبيين-صلى الله عليه وسلم-"
دار
الفكر-بيروت.
4. أبوشهبة، محمد (1417هـ/1996م):
"السيرة النبوية فى ضوء القرآن والسنة"؛
دار
القلم-دمشق.
5. ابن هشام (1375هـ/1955م):
"السيرة النبوية"، تحقيق وضبط مصطفى السقا، إبراهيم الإبيارى،
وعبدالحفيظ شلبى؛ مطبعة مصطفى البابى الحلبى، (القاهرة-مصر).
6.
أبو فارس، محمد (1481هـ/1997م):
"السيرة النبوية:دراسة تحليلية"؛ دار
الفرقان-(عمان-الأردن).
7. البيهقى، الحافظ أبو بكر أحمد (1405هـ/1985م):
"دلائل النبوة ومعرف أحوال صاحب الشريعة"
تحقيق د. عبدالمعطى
قلعجى، دارالكتب العلمية، (بيروت-لبنان).
8.
أحمد، مهدى رزق الله (1411هـ/1992م):
"السيرة النبوية فى ضوء المصادر الأصلية"؛ مركز الملك فيصل للبحوث
والدراسات الإسلامية،
(الرياض- المملك العربية السعودية).
9.
خليل، عماد الدين (1409هـ/1989م)
"دراسات فى السيرة النبوية"؛ دار النفساء، (بيروت-
لبنان).
10. السباعى، مصطفى (1406هـ/1986م):
"السيرة النبوية:دروس وعبر"؛ المكتب الإسلامى؛ (بيروت-
لبنان).
11. السهيلى، أبو القاسم (1387هـ/1967م):
تحقيق د.عبدالرجمن الوكيل، دار الكتب الحديثة.
12.
الشجاع، عبدالرحمن بن عبدالوالى (1419هـ/1999م):
"دراسات فى عهد النبوة"؛ دار الفكر المعاصر، (صنعاء-
اليمن).
13. الطبرى، أبو جعفر محمد بن جرير (1384هـ/1964م):
"تاريخ الطبرى" تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم-دار سويدان؛
(بيروت-لبنان).
14. عرجون، محمد الصادق (1415هـ/1995م):
"محمد رسول الله –صلى الله عليه وسلم-"
دار القلم
(دمشق-سوريا).
15. العمرى، أكرم(1412هـ/1992م):
"السيرة النبوية الصحيحة"؛ مكتبة العلوم والحكم-(المدينة
المنورة).
16. الغزالى، محمد(1409هـ/1989م):
"القول المبين فى سيرة سيد المرسلين"؛ دار اللواء (الرياض-المملكة
العربية السعودية).
17. مؤنس، حسين (1418هـ/1997م):
"طريق النبوة والرسالة"؛ دار الرشاد(القاهرة-مصر).
18.
المباركفورى، صفيى الرحمن (1417هـ/1996م):
"الرحيق المختوم"؛ مؤسس الرسالة، (بيروت-لبنان).
19.
النجار، زغلول راغب محمد (1426هـ/2005م):
"خواطر في معية خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا-صلى الله عليه وسلم"؛
نهض مصر، (القاهرة-مصر).
20. النجار، محمد الطيب (1401هـ/1981م):
"القول المبين فى سيرة سيد المرسلين"؛ دار اللواء (الرياض- المملكة
العربية السعودية).
21. الندوى، أبو الحسن (1408هـ/1987م):
"السيرة النبوية"؛ دار التوزيع والنشر الإسلامية؛ (القاهرة-
مصر).
022الوكيل، محمد السيد (1408هـ/1987م):
"تأملات في سيرة
الرسول-صلى الله عليه وسلم-" دار المجتمع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alredaalnoor.0wn0.com
نبيلة محمود خليل
Admin


عدد المساهمات : 884
تاريخ التسجيل : 20/08/2010

مُساهمةموضوع: رد: الأعجاز التشريعى   الخميس سبتمبر 22, 2011 2:21 pm

حجة الوداع:منهج وعمل"4

أولا: حجة
الوداع:
لم يحج رسول الله-صلى الله عليه وسلم- من المدينة غير حجته هذه التى
عرفت بحجة البلاغ، أو حجة الإسلام، أو حجة الوداع، لأنه-صلي الله عليه وسلم- ودع
الناس فيها ولم يحج بعدها، ولأنه بلغ الناس شرع الله في الحج قولا وعملا، ولم يكن
قد بقي من دعائم الإسلام وقواعده شئ إلا وقد بينه، فلما بين لهم شريعة الحج ووضحه
وشرحه أنزل الله عليه بعرفة،
﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً ﴾ (المائدة:3) وكان عدد الذين حجوا مع رسول الله أكثر من مائة
ألف.
لماعزم رسول الله-صلي الله عليه وسلم- على الحج، أعلم الناس ، فتجهزوا
للخروج معه ، وكان ذلك في شهر ذي القعدة سنة عشر هجرية ، وسمع بذلك من كانوا حول
المدينة، فقدموا يريدون الحج مع الرسول-صلي الله عليه وسلم-ووافاه في الطريق خلائق
كثيرون. وكان الخروج من المدينة نهار السبت بعد الظهر لخمس بقين من ذي القعدة بعد
أن صلي رسول الله بالمسلمين الظهر بها أربعا. وخطبهم قبل ذلك خطبة علمهم فيها
الإحرام وواجباته وسنته، ثم سار وهو يلبي حتى نزل بـ (العرج) ثم سار حتى أتي
(الأبواء) فوادي (عسفان) في (سرف) ثم نزل بـ (ذي طوي) فبات بها ليلة الأحد، لأربع
خلون من ذي الحجة، وصلي بها الصبح، ثم اغتسل من يومه، وسار إلي مكة فدخلها نهارا من
أعلاها، حتى وصل إلى المسجد، الحرام ضحي فاستلم الركن فرمل ثلاثا ومشي أربعا ثم نفذ
إلي مقام إبراهيم عليه السلام-فقرأ
﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا البَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً
وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ
وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴾ (البقرة: 125). فجعل المقام بينه وبين البيت، وكان يقرأ في الركعتين
"
قل يا أيها لكافرون" "قل هو الله أحد" ، ثم رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج الصفا، فلما دنا منها
قرأ
﴿ إِنَّ الصَّفَا
وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أَوِ
اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا
وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ
(البقر:158) وقال: وأبدأ بما بدأ الله به فبدأ بالصفا. فرقى عليه، حتى إذا رأى البيت فاستقبله باسم الله(تعالى) وموحدا إياه
ومكبرا ثم قال:
" لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ
قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده
"
ثم دعَا بين ذلك،و قال مثل هذه ثلاث مرات ثم سعى إلى المروة ففعل عليها
كما فعل على الصفا، حتى إذا كان آخر طوافه على المروة فقال:
"لو أنى استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسُق الهدى وجعلتها عمرة، فمن
كان منكم ليس معه هدى فليحل وليجعلها عمرة"
.
فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله! ألعامنا هذا أم
لآبد؟ فشبك رسول الله صلي الله عليه وسلم أصابعه واحدة في الأخرى،
وقال
:" دخلت العمرة في الحج" مرتين "لا بل لأبد آبد"، وأقام بمكة أربعة أيام: يوم الأحد، والاثنين، والثلاثاء، والأربعاء.
فلما كان يوم الخميس ضحي، توجه رسول الله-صلي الله عليه وسلم-بمن معه من المسلمين
إلي مني ونزل بها، فصلي بها الظهر والعصر، والمغرب والعشاء والفجر ثم مكث قليلا حتى
طلعت الشمس، وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة، فسار حتى أتي عرفة فوجد القبة ضربت له
بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء، فرحلت له، فأتي بطن الوادي،
فخطب الناس وقال
:" إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في
بلدكم هذا، ألا كل شئ من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن
أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل,
وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضعه ربانا، ربا العباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع
كله، فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة
الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير
مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن
اعتصمتم به: كتاب الله، وأنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون؟ " قالوا : نشهد أنك قد
بلغت وأديت ونصحت . فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلي السماء وينكثها، إلي الناس : "
اللهم اشهد، اللهم اشهد "،
ثلاث مرات. ثم أُذِّن ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل
بينهما شيئا. ثم ركب رسول الله-صلى الله عليه وسلم- حتى أتي الموقف، فجعل بطن ناقته
القصواء إلي الصخرات وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة، فلم يزل واقفا حتى
غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص. وظل رسول الله صلي الله عليه وسلم
في الدعاء والتضرع والابتهال حتى غروب الشمس، وكان في دعائه رافعا يديه إلي صدره،
يقول:
" اللهم إنك تسمع كلامي، وتري مكاني، وتعلم سري وعلانيتي، لا يخفى عليك
شئ من أمري، أنا البائس الفقير، المستغيث المستجير، والوجل المشفق، المقر المعترف
بذنوبي، أسألك مسألة المسكين؛ وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء
الخائف الضرير، من خضعت لك رقبته؛ وفاضت لك عيناه، وذل جسده، ورغم أنفه لك، اللهم
لا تجعلني بدعائك رب شقيا، وكن بي رؤوفاً رحيما، يا خير المسؤولين، ويا خير المعطين
".
وهنالك أنزلت عليه الآية التالية : ﴿ اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلاَ
تَخْشَوْهُمْ

وَاخْشَوْنِ اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً ﴾ ( المائدة: 3 ) .
فلما غربت الشمس أفاض رسول الله-صلى عليه وسلم-
من عرفة، وأردف أسامة بن زيد خلفه، ودفع زمام الناقة، حتى أن رأسها ليصيب طرف رحله،
وهو يقول :
" أيها الناس عليكم السكينة " وكان يلبي في مسيره ذلك، لا يقطع التلبية حتى أتي المزدلفة، وأمر
المؤذن بالأذان فأذن ثم أقام، فصلي المغرب قبل حط الرحال وتبريك الجمال، فلما حطوا
رحالهم، أمر فأقيمت الصلاة ثم صلى العشاء، ثم نام حتى أصبح، فلما طلع الفجر صلاها
في أول الوقت، ثم ركب حتى أتي المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، وأخذ في الدعاء
والتضرع، والتكبير والتهليل والذكر، حتى أسفر جدا، وذلك قبل طلوع الشمس، ثم سار من
مزدلفة، مردفا للفضل بن عباس، وهو يلبي في مسيره، وأمر ابن عباس أن يلتقط له حصى
الجمار سبع حصيات، فلما أتي بطن محسر، حرك ناقته وأسرع السير، (فإن هنالك أصاب
الفيل العذاب) حتى أتى منى، فخطب الناس خطبة بليغة، أعلمهم فيها بحرمة يوم النحر
وتحريمه، وفضله عند الله، وحرمة مكة علي جميع البلاد، وأمر بالسمع والطاعة لمن
قادهم بكتاب الله، وأمر الناس بأخذ مناسكهم عنه، وأمر الناس ألا يرجعوا بعده كفارا،
يضرب بعضهم رقاب بعض وأمر بالتبليغ عنه، وقد جاء في هذه الخطبة :
" أتدرون أي يوم هذا؟ " قلنا : الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أن
سيسميه بغير اسمه فقال : " أليس ذو الحجة؟" قلنا : بلى، قال: (( أي بلد هذا؟ ))
قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: " أليست بالبلدة
الحرام؟" قلنا: بلي، قال: " فإن دماءكم وأموالكم ـ وفي رواية أعراضكم ـ عليكم حرام
كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا إلي يوم تلقون ربكم، ألا هل بلغت؟"
قالوا: نعم، قال: " اللهم اشهد فليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلغ أوعي من سامع، فلا
ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض".
ثم انصرف إلي المنحر بمنى، فنحر ثلاثا وستين بدنة بيده(وكان عدد هذا
الذي نحره عدد سنين عمره) ثم أمسك وأمر عليا أن ينحر ما بقي من المائة، فلما أكمل
نحره استدعي الحلاق، فحلق رأسه، وقسم شعره بين من يليه، ثم أفاض إلي مكة راكبا،
وطاف طواف الإفاضة، فصلى بمكة الظهر، فأتي بني عبد المطلب يسقون علي زمزم، فقال:
" انزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس علي سقايتكم لنـزعت
معكم "
، فناولوه دلوا فشرب منه، ثم رجع إلي منى من يومه ذلك، فبات بها. ولما
أصبح انتظر زوال الشمس، فلما زالت مشى من رحله إلي الجمار، فبدأ بالجمرة الأولي ثم
الوسطى، ثم الجمرة الثالثة، وهي جمرة العقبة. وخطب رسول الله-صلى الله عليه وسلم-
الناس بمنى خطبتين: كانت إحداها في يوم النحر، والثانية في اليوم الذي يليه، وهو
يوم النفر الأول، وكانت تأكيدا لبعض ما جاء في خطبتي عرفة، ويوم النحر، والواقع أن
تكرار الخطب في حجة الوداع كان أمرا لازما لحاجة المسلمين إليه، فهي الحجة الوحيدة
التى حجها الرسول -صلي الله عليه وسلم-، بعد أن كان أهل الجاهلية قد انحرفوا بهذه
العبادة انحرافا شديدا، كما كانت الوداع الأخير لرسول الله –صلى الله عليه وسلم-.

هذا وقد أكمل رسول الله -صلي الله عليه وسلم- رمي أيام التشريق الثلاثة،
ثم سار إلي مكة، فطاف طواف الوداع ليلا سحرا، وأمر الناس بالرحيل متوجها إلي
المدينة.وفي طريق العودة من حجة الوداع خطب الرسول-صلي الله عليه وسلم-في غدير خم
قريبا من الجحفة في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة، وقد جاء في
الخطبة
:" أما بعد، ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب
وأنا تارك فيكم ثقلين، أولهما كتاب الله فيه الهدي والنور، فخذوا بكتاب الله،
واستمسكوا به وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي،
أذكركم الله في أهل بيتي" وفي رواية... أخذ بيد على رضي الله عنه وقال :" من كنت
وليه، فهذا وليه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه" وفي رواية :" من كنت مولاه
فعلي مولاه"
وكان على قد أقبل من اليمن وشهد حجة الوداع، وقد اشتكي بعض الجند عليا
وأنه أشتد في معاملتهم، وكان قد استرجع منهم حللا وزعها عليهم نائبه، فأوضح لهم
النبي-صلي الله عليه وسلم-في غدير خم مكانة على، ونبه على فضله لينتهوا عن الشكوى،
فقد كان الحق مع على في إرجاع ما أعطاهم نائبه في غيبته لأنها كانت أموال صدقات،
ولما أتي رسول الله صلي الله عليه وسلم ذا الحليفة بات بها، فلما رأي المدينة كبر
ثلاث مرات، وقال:
"لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شئ
قدير، آيبون تائبون، عابدون ساجدون لربنا حامدون، صدق الله وعده، نصر عبده، وهزم
الأحزاب وحده"
، ثم دخلها نهارا(صحيح مسلم، كتاب الحج/باب حجة النبى-صلى الله عليه
وسلم).

وخلاصة ذلك أن الحج فريضة إلهية على جميع المؤمنين، أمر بها ربنا -تبارك
وتعالى-جميع أنبيائه ورسله لحكمة بالغة نرى من جوانبها المتعددة طاعة الله
-تعالى-في كل أمر، وتعريض كل من حج البيت لكرامة أشرف بقاع الأرض فى أشرف أيام
السنة- ولو لمرة واحدة في العمر-، وتذكيره بوحدة رسالة السماء، وبالأخوة بين
الأنبياء، وبين الناس جميعا؛ كما تذكرهم بمرحلية الحياة الدنيا، وبحتمية الرجوع إلى
الله-تعالى-وبضرورة التوبة، وقضاء الديون، ورد المظالم قبل فوات الأوان، وبوجوب
التعود على إخلاص النية لله، وتجديد العهد معه، والانتظام مع حركة الكون في الخضوع
لله-تعالى-وعبادته، وتسبيحه، وحمده، والسجود لجلاله، والتذكير بجهاد السابقين من
الأنبياء والمرسلين، والشهداء والصالحين، وتجديد العزم على هزيمة الشيطان وأعوانه
ومكائده، والتأكيد على كل من الأخوة الإسلامية والأخوة الإنسانية،وعلى حرمة حقوق
العباد، ودمائهم، وأموالهم، وأعراضهم. وقد استمرت حرمة شعيرة الحج، وقدسية الحرم
المكي عبر التاريخ، إلى أيام الجاهلية التي كان الناس قد انحطوا فيها إلى عبادة
الأصنام والأوثان، ووصلت أدران هذا الانحطاط إلى ابتداع عدد من التقاليد الجاهلية
التي أخرجت عبادة الحج عن إطارها الصحيح، وإن بقيت حرمة هذه الشعيرة، وبقيت قدسية
الحرم المكي، ومن هنا كانت ضرورة القيام بحجة الوداع تطهيرا لهذه الشعيرة الربانية
العظيمة مما كان قد علق بها من أدران الجاهلية، وعودة بها إلى أصولها الربانية
الكريمة: عبادة خالصة لله-تعالى-بعد أن طوي الإسلام العظيم تلك البدع الجاهلية
المتوارثة وقضى عليها كما قضى على الشرك بالله، وعلى عبادة الأصنام والأوثان، وطهر
بيت الله الحرام من دنسها.
ثانيا:
الدروس المستفادة من حجة الوداع كمنهج حياة ما يلي:
(1) ضرورة الإيمان بالله-تعالى-ربا واحدا أحدا، فردا صمدا، بغير شريك، ولا
شبيه، ولا منازع، ولا صاحبة ولا ولد، وضرورة تنـزيهه-تعالى-عن جمبيع صفات خلقه، وعن
كل وصف لايليق بجلاله.
(2) التصديق بملائكة الله، وكتبه، ورسله، وبخاتمهم أجمعين، وبالقرآن الكريم،
وبأقوال وأفعال الرسول الخاتم-صلى الله عليه وسلم-.
(3)التسليم بوحدة رسالة السماء، وبالأخوة بين الأنبياء الذين دعوا جميعا
إلى الإسلام العظيم القائم على عبادة الله-تعالى-وحده.
(4)التسليم بوحدة الجنس البشرى، وبضرورة المساواة بين الناس في الحقوق
والواجبات، والمفاضلة بينهم على أساس من تقوى الله، ومن فهم الإنسان لحقيقة رسالته
في الحياة الدنيا: عبدا لله مطالبا بعبادة ربه بما أمر، وبحسن القيام بواجبات
الاستخلاف في الأرض بعمارتها، وإقامة شرع الله وعدله فيها.
(5)الإيمان بالأخوة الإسلامية، وبضرورة الانقياد للحق وأهله، ومحاربة
الباطل وجنده.
(6) اليقين في أن الله-تعالى-فضل بعض الرسل، والأنبياء والأفراد على بعض،
كما فضل بعض الأزمنة والأماكن على بعض، فجعل مكة المكرمة أشرف بقاع الأرض، وجعل
الأيام العشرة الأولى من ذي الحجة أشرف أيام السنة، وجعل يوم عرفة أشرفها على
الإطلاق، ومن هنا كان شرف أداء الحج والعمرة، وتحريم دخول الكفار والمشركين إلى
الحرم المكي.
(7) التسليم بأن الدين عند الله الإسلام ومن ثم التسليم؛ بفضل الإسلام على
غيره من المعتقدات،
و بفضل القرآن الكريم على غيره من الكتب، وبضرورة الالتزام
بتعاليمه، والبراءة من جميع الممارسات الجاهلية في القديم والحديث، وتحديد مصادر
تلقى المسلم-في أمر الدين - بكتاب الله وسنة خاتم أنبيائه ورسله-صلى الله عليه
وسلم-.
(Cool التصديق بأن الدين قد اكتمل، وأن نعمة الله على العباد قد تمت في حجة
الوداع، وأن الأصل في الشريعة الإسلامية التيسير، والحرص على المصالح
المرسلة.
(9)الإيمان بحرمة دماء، وأموال، وأعراض الناس، وبضرورة المحافظة عليها،
والاقتصاص لها، وسداد الديون ورد المظالم فيها قبل مغادرة هذه الحياة
الدنيا.
(10)اليقين بحتمية الموت، والبعث والحشر، والحساب والجزاء، وبالخلود في
الحياة القادمة إما في الجنة أبدا أو في النار أبدا.
(11)التسليم بان الشيطان للإنسان عدو مبين، يتربص للإيقاع به في سوء عمله من
خلال الإغواء باقتراف الخطايا والذنوب-صغيرها وكبيرها، ومن هنا كانت ضرورة مخالفته
والتبرؤ منه.
(12)التصديق بأن الحاكم المسلم مؤتمن من قبل المسلمين على تحقيق شرع الله
أمرا واقعا في حياة الناس، فإن قام بذلك فله كل السمع والطاعة، وإن لم يقم بذلك فلا
حق له في السمع أو الطاعة.
الإيمان بضرورة تحريم الربا تحريما قطعيا، والنهى عن دعاوى العصبية،
والقبلية والعنصرية نهيا قاطعا، وبضرورة تقوى الله في النساء، ومعرفة كل من الزوجين
لحقوقه وواجباته التي شرعها له الله، وبضرورة التأسي برسول الله-صلى الله عليه
وسلم-وأخذ المناسك عنه، والتبليغ بما جاء به، ومعرفة فضل الدعاء والابتهال إلى الله
–تعالى-وضرورة العمل على جمع كلمة المسلمين، ومنع الاختلاف والاقتتال
بينهم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alredaalnoor.0wn0.com
نبيلة محمود خليل
Admin


عدد المساهمات : 884
تاريخ التسجيل : 20/08/2010

مُساهمةموضوع: رد: الأعجاز التشريعى   الخميس سبتمبر 22, 2011 2:23 pm

وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ
يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ" (الحج:27)

هذه الآية
القرآنية الكريمة جاءت في مطلع الثلث الثاني من سورة "الحج"‏,‏ وهي سورة
مدنية‏,‏
وآياتها ثمانٍ
وسبعون‏(78)‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الإسم لورود الأمر
الإلهي فيها إلي
نبي الله إبراهيم بالآذان في الناس بالحج‏,‏ وهي السورة الوحيدة
التي جمعت بين
سجدتين من سجدات التلاوة‏.‏ ويدور المحور الرئيسي للسورة حول عدد
من التشريعات
والعقائد الإسلامية‏. وقد سبق لنا استعراض سورة "الحج" وما جاء فيها من تشريعات
إسلامية، ومن ركائز العقيدة والإشارات العلمية ونركز هنا على أوجه الإعجاز في الآية
الكريمة التي اتخذنها عنوانا لهذا المقال
.

من أوجه الإعجاز في الآية الكريمة
أولا‏:‏ في قوله
تعالي
:﴿وَأَذِّن
فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ ﴾:

الحج يعني قصد
مكة المكرمة لأداء عبادة الطواف‏,‏ والسعي‏,‏ والوقوف بعرفة‏,‏ وما يتبع ذلك من
مناسك يؤديها كل مسلم‏,‏ بالغ‏,‏ عاقل‏,‏ حر مستطيع‏,‏ ولو مرة واحدة في العمر‏,‏
وذلك استجابة لأمر الله‏,‏ وابتغاء مرضاته‏,‏
والحج هو أحد أركان الإسلام الخمسة‏,‏ وفرض من الفرائض المعلومة من الدين
بالضرورة‏,‏ وحق لله ـ تعالي ـ علي المستطيعين من عباده ذكورا وإناثا لقوله تبارك
وتعالي ـ‏:‏
﴿ وَلِلَّهِ
عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً
وَمَن كَفَرَ
فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ ﴾
(‏ آل عمران‏:97).‏والحج هو عبادة
من أجل العبادات وأفضلها عند رب العالمين لما رواه أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن
رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ سئل أي الأعمال أفضل؟
قال‏:" إيمان
بالله ورسوله‏,‏ قيل‏:‏ ثم ماذا ؟ قال‏:‏ ثم جهاد في سبيل الله‏,‏ قيل ثم ماذا؟
قال‏:‏ ثم حج مبرور ـ أي الذي لا يخالطه إثم"‏.
(‏ أخرجه الإمام
أحمد‏).‏
وأصل‏(‏ العبادة‏)‏ الطاعة‏,‏ والتعبد هو التنسك‏.‏ والطاعة المبنية
علي أساس من الطمأنينة العقلية والقلبية الكاملة لا تحتاج إلي تبرير‏,‏ ولكن إذا
عرفت الحكمة من ورائها أداها العبد بإتقان أفضل‏,‏ وكان سلوكه في أدائها أنبل
وأجمل‏,‏ ويظهر ذلك أكثر ما يظهر في أداء فريضة الحج‏,‏ وذلك لشدة الزحام‏,‏
ولمحدودية كل من الوقت والمكان‏,‏ ولكثرة التكاليف الشرعية في هذه الفترة
المحدودة‏,‏ ولكن إذا فهمت الحكمة من أداء هذه الفريضة العظيمة أداها العبد أحسن
الأداء وأكمله‏,‏ وأعان غيره من إخوانه علي أدائها‏,‏ وذلك بحسن الفهم‏,‏ والالتزام
بالنظم‏,‏ والإيثار علي النفس‏,‏ تقربا إلي الله ـ تعالي ـ وتضرعا‏,‏ وحبا في عون
عباد الله والمبادرة إلي نجدتهم‏,‏ واعتبار ذلك من تمام أداء هذه العبادة التي
يساويها خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلي الله عليه وسلم ـ بالجهاد‏,‏ وذلك بقوله
الشريف
‏:‏ "جهاد الكبير
والضعيف والمرأة‏:‏ الحج"
رواه‏(‏
النسائي‏).‏


ومن مقاصد الحج ما يلي‏:‏
‏(‏أ‏)‏ تعريض كل من حج البيت ـ ولو لمرة
واحدة في العمر ـ لكرامة أشرف بقاع الأرض في أشرف أيام
السنة‏:‏
فالله ـ تعالي ـ
خلق كلا من المكان والزمان‏,‏ وجعلهما أمرين متواصلين‏,‏ فلا يوجد مكان بلا زمان‏,‏
ولا زمان بلا مكان‏,‏ وكما فضل الله بعض الرسل علي بعض‏,‏ وبعض الأنبياء علي بعض‏,‏
وبعض أفراد البشر علي بعض‏,‏ فضل ـ سبحانه وتعالي ـ بعض الأزمنة علي بعض‏,‏ وبعض
الأماكن علي بعض‏.‏ فمن تفضيل الأزمنة جعل ربنا ـ تبارك وتعالي ـ يوم الجمعة أفضل
أيام الأسبوع‏,‏ وجعل شهر رمضان أفضل شهور السنة‏,‏ وجعل الليالي العشر الأخيرة من
هذا الشهر الفضيل‏.‏ أشرف ليالي السنة‏,‏ وجعل أشرفها علي الإطلاق ليلة القدر التي
جعلها الله ـ تعالي ـ خيرا من ألف شهر‏.‏ ومن بعد رمضان يأتي فضل أشهر الحج‏,‏ ومن
بعدها تأتي بقية الأشهر الحرم‏.‏

ومن الأيام جعل
ربنا ـ تبارك وتعالي ـ أشرفها الأيام العشرة الأولي من شهر ذي الحجة‏,‏ وجعل أشرفها
علي الإطلاق يوم عرفة‏,‏ وفي ذلك يروي عن جابر ـ رضي الله عنه ـ أنه قال‏:‏ قال
رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ‏:‏ ما من أيام عند الله أفضل من عشر ذي الحجة‏,‏
فقال رجل‏:‏ هذا أفضل أم عدتهن جهادا في سبيل الله؟ قال صلي الله عليه وسلم‏:‏ هن
أفضل من عدتهن جهادا في سبيل الله‏,‏ وما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة‏,‏ ينزل
الله ـ تبارك وتعالي ـ إلي السماء الدنيا‏,‏ فيباهي بأهل الأرض أهل السماء فيقول‏:‏
انظروا إلي عبادي‏.‏ جاءوني شعثا غبرا ضاحين جاءوا من كل فج عميق يرجون رحمتي ولم
يروا عذابي فلم ير يوم أكثر عتيقا من النار من يوم عرفة‏,‏ ولذلك كان الوقوف بعرفة
هو ركن الحج الأعظم‏.‏

ومن تفضيل
الأماكن‏,‏ فضل ربنا ـ تبارك وتعالي ـ مكة المكرمة وحرمها الشريف علي جميع بقاع
الأرض‏,‏ ومن بعدها فضل مدينة رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ ومن بعدها فضل بيت
المقدس‏,‏ كما جاء في العديد من أحاديث رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ فإذا
اجتمع فضل المكان وفضل الزمان‏,‏ تضاعفت البركات والأجور إن شاء الله‏.‏ومن هنا كان
من حكم فريضة الحج ـ بالإضافة إلي كونها طاعة للأمر الإلهي ـ تعريض كل مسلم بالغ
عاقل حر‏,‏ مستطيع ـ ذكرا كان أو أنثي‏,‏ ولو لمرة واحدة في العمر ـ لبركة أشرف
بقاع الأرض ـ الحرم المكي الشريف ـ في بركة أشرف أيام السنة ـ الأيام العشرة الأولي
من ذي الحجة ـ ولذلك قال ـ تعالي ـ‏:‏
﴿ وَلِلَّهِ
عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً
وَمَن كَفَرَ
فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ ﴾
(‏ آل عمران‏:97).‏
وقال المصطفي ـ
صلي الله عليه وسلم‏:‏
"هذا البيت
دعامة الإسلام‏,‏ فمن خرج يؤم هذا البيت من حاج أو معتمر‏,‏ كان مضمونا علي الله إن
قبضه أن يدخله الجنة‏,‏ وإن رده رده بأجر وغنيمة"‏.‏

وروي كل من
الإمامين البخاري ومسلم عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أنه قال‏:‏ قال رسول الله ـ
صلي الله عليه وسلم ـ‏:‏
"العمرة إلي
العمرة كفارة لما بينهما‏,‏ والحج المبرور ليس له جزاء إلا
الجنة‏".‏
وروي كل من الإمامين الترمذي والنسائي عن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله
عنه ـ أنه قال‏:‏ قال رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ‏:‏
"تابعوا بين
الحج والعمرة‏,‏ فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب
والفضة‏,‏ وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة"‏.‏
(‏ب‏):‏ ـ تذكير الحاج بمرحلية الحياة‏,‏ وبحتمية
الرجوع إلي الله ـ تعالي ـ‏:‏
علي الرغم من
حقيقة الموت الذي كتبه الله ـ تعالي ـ علي جميع خلقه والذي يشهده أو يسمع به كل حي
في كل لحظة‏,‏ وعلي الرغم من إيماننا ـ نحن معشر المسلمين ـ بحتمية البعث والحساب
والجزاء‏,‏ ثم الخلود في الحياة القادمة‏,‏ إما في الجنة أبدا أو في النار أبدا‏,‏
وهي من الأصول الإسلامية التي أكدها القرآن الكريم وروتها أحاديث خاتم الأنبياء
والمرسلين ـ صلي الله عليه وسلم ـ إلا أن دوامة الحياة ومشاغلها تكاد تنسي الناس
هذه الحقائق التي هي من صلب الدين‏.‏وعلي الرغم من أن الموت ليس انتهاء إلي العدم
المحض والفناء التام‏,‏ لأن الروح لا تبلي‏,‏ بل تصعد إلي بارئها‏,‏ ويبلي الجسد
ويتحلل‏,‏ وتبقي منه فضلة يعاد بعثه منها وهي عجب الذنب كما سماها رسول الله ـ صلي
الله عليه وسلم ـ إلا أن الموت يبقي مصيبة ـ كما سماه القرآن الكريم ـ ويبقي الأخطر
من مصيبة الموت غفلة الناس عنه‏,‏ وإعراضهم عن ذكره‏,‏ وقلة تفكيرهم فيه‏,‏
وانصرافهم عن العمل له‏,‏ وانشغالهم بالدنيا حتى أنستهم إياه أو كادت‏.‏
وهنا
تأتي شعيرة الحج لتخرج الناس من دوامة الحياة ـ ولو لفترة قصيرة ـ وتذكرهم بحتمية
العودة إلي الله ـ تعالي وذلك علي النحو التالي‏:‏
‏(1)‏ غسل الإحرام يذكر الحاج بغسله ميتا وهو لا يملك لنفسه شيئا بين أيدي
مغسله‏,‏ وهو رمز للتطهر من الذنوب والآثام‏.‏
‏(2)‏ الإحرام يذكر الحاج بالخروج
من الدنيا بلا أدني زينة أو ملك‏,‏ كما يذكره بالكفن الذي سوف يلف فيه جسده بعد
تغسيله‏.‏
‏(3)‏ النية عهد بين العبد وربه بالاستقامة علي منهج الله‏.‏
‏(4)‏
الوقوف عند الميقات يذكر الحاج بأجله الذي حدده الله ـ تعالي له‏,‏ والذي يقول
فيه‏:
﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً
مُّؤَجَّلاً
وَمَن يُرِدْ
ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا

وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي
الشَّاكِرِينَ
(‏ آل
عمران‏:145).‏

والانتقال من
الحل إلي الحرم عبر الميقات يذكر بالانتقال من الدنيا إلي الآخرة عبر الموت
والتلبية نداء إلي الله‏,‏ واستنجاد برحمته‏,‏ واحتماء بحماه‏.‏
‏(5)‏ والطواف
حول الكعبة المشرفة يذكر بضرورة الانتظام مع حركة الكون في خضوعه لأوامر الله ـ
تعالي ـ وانصياعه لقوانين هذا الخالق العظيم وسننه في عبادة وذكر دائمين‏,‏ كما أن
بداية الطواف ونهايته تؤكدان بداية الأجل ونهايته‏,‏ وهي حقيقة يغفل عنها كثير من
الناس‏.‏
‏(6)‏ والصلاة في مقام إبراهيم تذكر بجهاد الأنبياء والمرسلين‏,‏
وبمقام الصالحين عند رب العالمين‏.‏
‏(7)‏ والشرب من ماء زمزم يؤكد قدرة رب
العالمين التي لا حدود لها‏,‏ ولا عائق يقف في سبيلها من أجل إكرام عباده
الصالحين‏.‏
‏(Cool‏ والسعي بين الصفا والمروة يذكر بأم إسماعيل ـ عليها وعليه
السلام ـ وهي تركض بين هذين الجبلين‏;‏ بحثا عن الماء لصغيرها‏,‏ ونتيجة
لإخلاصها‏.‏ ولثقتها في ربها أكرمها الله ـ تعالي ـ بجبريل يضرب الأرض بجناحه‏,‏ أو
بعقبه فيفجر ماء زمزم من صخور مصمطة لا مسامية لها‏.‏
‏(9)‏ والنفرة إلي مني ثم
إلي عرفات تذكر بيوم البعث في زحامه وشدته‏.‏
‏(10)‏ والوقوف بعرفات يذكر بالحشر
وبالعرض الأكبر بين يدي الله ـ تعالي‏.‏
‏(11)‏ والمبيت بالمزدلفة يذكر بآلاف
الأنبياء ومئات المرسلين الذين حجوا من قبل‏,‏ والذين نزلوا بهذا المنزل‏;‏ تأكيدا
لوحدة الدين‏,‏ وللأخوة بين أنبياء رب العالمين‏,‏ وإحياء السنة خاتمهم ـ صلي الله
وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏.‏
‏(12)‏ والنحر يذكر بفداء الله لنبيه
إسماعيل‏;‏ إكراما لطاعته وطاعة أبيه إبراهيم ـ عليهما السلام ـ لأوامر رب
العالمين‏,‏ وإحياء لسنة خاتم الأنبياء والمرسلين‏.‏
‏(13)‏ والحلق أو التقصير
يرمز للتطهر من الذنوب والآثام‏.‏
‏(14)‏ ورمي الجمار تأكيد حتمية انتصار العبد
المؤمن علي الشيطان في هذا الصراع‏,‏ والرجم رمز لذلك الانتصار‏,‏ وعهد مع الله ـ
تعالي ـ علي تحقيقه‏.‏
‏(15)‏ والتحلل من الإحرام وطواف كل من الإفاضة والوداع
رمز لانتهاء هذه الشعيرة العظمي‏,‏ وعودة إلي دوامة الحياة من جديد بذنب مغفور‏,‏
وعمل صالح مقبول‏,‏ وتجارة مع الله ـ تعالي ـ لن تبور‏.‏ومن هنا كان واجب كل عائد
من أداء فريضة الحج أن يبدأ مع ربه صفحة جديدة‏,‏ إطارها الفهم الصحيح لرسالة
الإنسان في هذه الحياة‏:‏ عبدا لله ـ تعالي ـ يعبده بما أمر‏,‏ ويجاهد بصدق من أجل
حسن القيام بواجبات الاستخلاف في الأرض بعمارتها‏,‏ وإقامة دين الله وعدله علي
سطحها‏,‏ والدعوة إلي هذا الدين بالكلمة الطيبة والحجة الواضحة والمنطق
السوي‏.‏
‏(16)‏ وفي تحرك جموع الحجاج من كل عرق ولون وجنس ولغة ـ في موكب واحد
لأداء هذه الفريضة الكبري‏;‏ تأكيد وحدة الجنس البشري المنبثق من أب واحد وأم
واحدة‏,‏ هما آدم وحواء ـ عليهما من الله السلام ـ وتأكيد كذلك علي وحدة رسالة
السماء ـ وهي الإسلام العظيم ـ وعلي الأخوة بين الأنبياء‏,‏ وعلي وحدانية رب
السموات والأرض‏.‏
‏(17)‏ والحج يمثل أول صورة من صور المؤتمرات الدولية قبل أن
تعرفها المنظمات العالمية‏.‏


ثانيا‏:‏ في قوله تعالي:﴿...‏
يَأْتُوكَ رِجَالاً

وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ... ﴾:‏
في هذا النص
القرآني الكريم إعجاز إنبائي بغيب لم يكن متوقعا في زمن الوحي ولا لقرون متطاولة من
بعده‏,‏ ويتمثل ذلك في فيض الحجاج والمعتمرين إلي بيت الله الحرام بالملايين في كل
عام منذ بعثة المصطفي ـ صلي الله عليه وسلم ـ إلي اليوم وحتى قيام الساعة‏.‏
فلم
يكن بمقدور أحد من الخلق أن يتخيل استجابة المؤمنين من عباد الله الصالحين لدعوة
نبي الله إبراهيم ـ عليه السلام ـ والتي أمره الله ـ تعالي ـ بالأذان بها من قبل
حوالي أربعة آلاف سنة‏,‏ ثم ينساها الناس في أزمنة الجهالة والانحطاط‏,‏ ثم تتجدد
الدعوة علي ألسنة عدد من الأنبياء والمرسلين من بعد إبراهيم ـ عليه وعليهم السلام ـ
ثم ينساها الناس‏,‏ ثم تتجدد الدعوة وتتجسد في بعثة خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلي
الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين ـ إلي اليوم‏,‏والذي أنبأ باستمرارها إلي ما
شاء الله ـ تعالي ـ فيتقاطر الحجاج والمعتمرون بالملايين في كل عام من جميع أنحاء
الأرض وقلوبهم تهفو إلي أداء هذه الفريضة المقدسة‏,‏ ومنهم الفقراء المعدمون الذين
لا يجدون وسيلة إلي تحقيق ذلك إلا السير علي الأقدام الآلاف من الكيلومترات حتى
يبلغوا بيت الله الحرام‏,‏ ومنهم الذين يركبون الدواب لهذه الآلاف من الكيلومترات
حتى تجهد وتنهك قواها‏,‏ والنص القرآني فيه كناية عما يعانيه المسافر لأداء فريضة
الحج من مشقة ومجاهدة مهما تطورت وسائل المواصلات‏,‏ واستبدل بالأقدام وظهور
الأنعام‏,‏ القطارات والسيارات والسفن والطائرات‏,‏ ومهما تطورت وسائل
الاتصال‏,‏ومهما انتشر العمران في مناطق الحج المباركة وما حولها‏.‏ وهنا يتساوي
الفقراء والأغنياء وعوام الناس وأمراؤهم‏.‏وهذا النص القرآني الكريم‏...‏ يأتوك
رجالا وعلي كل ضامر‏...‏ يبقي من صور الإعجاز الإنبائي الغيبي في كتاب الله‏,‏ ظل
يتحقق علي مدي الأربعة عشر قرنا الماضية في تزايد متواصل وسوف يبقي كذلك إلي ما شاء
الله تعالي‏,‏ وفيه من الشهادة علي صدق القرآن الكريم وإعجازه ما لا ينكره إلا
جاحد‏.‏


ثالثا‏:‏ في قوله تعالي‏: ﴿...‏ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ
عَمِيقٍ﴾:‏‏
(‏الفج‏)‏ في
اللغة هو الشق بين جبلين‏,‏ ويستعمل في وصف الطريق الواسع‏,‏ لأن الأصل في الأرض
أنها بدأت بتضاريس معقدة للغاية‏,‏ ثم سخر الله ـ تعالي ـ عوامل التعرية المختلفة
للصخور في شق الفجاج والسبل‏,‏ كما ساعد علي ذلك العديد من العوامل الداخلية من مثل
الطي والتصدع والخسف‏.‏ وجمع‏(‏ الفج‏)(‏ الفجاج‏),‏ ووصف الفج بالعميق كناية عن
البعد‏,‏ وإشارة إلي كروية الأرض لأن الأصل في العمق هو البعد إلي أسفل كعمق
البئر‏,‏ ومع بعد المسافة الأفقية علي سطح مكور كسطح الأرض فإن العمق يزداد بازدياد
تلك المسافة الأفقية‏,‏
وفي ذلك إشارة إلي كل من كروية الأرض والمسافات البعيدة
التي يفد حجاج بيت الله منها لأداء فريضة الحج لأن المسافات القصيرة علي سطح مكور
تبدو للناظر كأنها مستوية‏.‏
وقدوم ملايين المسلمين لأداء فريضة الحج في كل عام
من مختلف بقاع الأرض هو تحقيق عملي للوصف القرآني‏(‏ من كل فج عميق‏)‏ وشهادة
للقرآن الكريم بأنه كلام الله الخالق‏,‏ فالحمد لله الذي أنزل القرآن الكريم بعلمه
علي خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ وحفظه بعهده الذي قطعه علي ذاته العلية‏,‏ في نفس لغة
وحيه‏(‏ اللغة العربية‏)‏ علي مدي أربعة عشر قرنا أو يزيد‏,‏ وتعهد ـ سبحانه ـ بهذا
الحفظ تعهدا مطلقا حتى يبقي القرآن الكريم حجة الله علي عباده إلي قيام الساعة
وشهادة للرسول الخاتم بالنبوة وبالرسالة فصلي الله وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي
آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏.‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alredaalnoor.0wn0.com
نبيلة محمود خليل
Admin


عدد المساهمات : 884
تاريخ التسجيل : 20/08/2010

مُساهمةموضوع: رد: الأعجاز التشريعى   الخميس سبتمبر 22, 2011 2:25 pm

حجة الوداع:منهج وعمل" 3

فريضة الحج
كما حددتها حجة الوداع
طهر رسول الله-صلى الله عليه وسلم- شعيرة الحج من أدران الجاهلية، وبين
للمسلمين ضرورة الالتزام
بمواقيت ومناسك ( أعمال ) الحج والعمرة كما حددها لهم في حجة الوداع على
النحو التالي، قائلا:

"خذوا عنى مناسككم":

أولا :
مواقيت الحج والعمرة :

المواقيت
الزمانية
:
لا يصح الإحرام بالحج إلا في أشهره ( شوال , ذى القعدة , ذى الحجة )
انطلاقا من قول الحق ( تبارك وتعالي )

﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلاَ
رَفَثَ

وَلاَ
فُسُوقَ
وَلاَ
جِدَالَ فِي الحَجِّ
وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ ﴾ ( البقرة 197
المواقيت المكانية

:
وهي علي النحو التالي كما حددها رسول الله ( صلي الله عليه وسلم
)
ميقات أهل
المدينة

: ذي الحليفة ( أبار علي ) .
ميقات أهل
الشام ومصر

: الجحفة أو رابغ .
ميقات أهل
نجد
:
قرن المنازل ( 94 كم شرقي مكة المكرمة ).
ميقات أهل
اليمن
: يلملم ( 54 كم جنوبى مكة المكرمة ).
ميقات أهل
العراق
: ذات عرق (94كم شمال شرقي مكة المكرمة)
ميقات أهل
مكة المكرمة

:
منازل مكة للحج وموقع التنعيم للعمرة علي بعد 6 كم شمالي مكة.
وقد
قال رسول الله ( صلي الله عليه وسلم ) بعد أن عين هذه المواقيت لأهلها

" هن لهن ولمن أتي عليهن من غيرهن لمن أراد الحج أو العمرة
"

(أخرجه البخاري ومسلم).

ثانيا :
مناسك الحج والعمرة

الإحرام
والنية من الميقات المعتبر:
والمقصود به التطهر ( باغتسال أو وضوء ), والتجرد من الثياب المخيط,
والتطيب, والنية, وذلك بعد صلاة مكتوبة أو صلاة تطوع, والنية بالإحرام تكون بالحج
والعمرة ( القران ) أو بالعمرة إلي الحج ( التمتع ) ، أو بالحج فقط ( الإفراد )
وليس لأهل الحرم إلا الإفراد ومن تمتع في أشهر الحج فعليه دم أو صوم انطلاقا من قول
الحق ( تبارك وتعالي):

﴿وَأَتِمُّوا الحَجَّ
وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ
الهَدْيِ

وَلاَ
تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ
مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ
صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى
الحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِن الهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ
َهَ

وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ ﴾ (البقرة: 196) .و علي كل من المتمتع والقارن هديا أقله شاة,
فمن
أَيَّامٍ فِي الحَجِّ
وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن
لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي المَسْجِدِ الحَرَامِ
وَاتَّقُوا اللّ لم يجد فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع لأهله وفي ذلك يقول
المصطفي (صلي الله عليه وسلم ) :

" من أهل بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد وسعي واحد " والإحرام والنية من أركان الحج . (كتاب كنز العمال 11977لمؤلفه ابن حسام الهندي(ت 975هـ)
.
التلبية
:
والتلبية سنة مشروعة من وقت الإحرام إلي رمي جمرة العقبة يوم النحر,
ويستحب الجهر بها للرجال, وأما المرأة فتسمع نفسها ومن يليها فقط, ويري مالك أنها
واجبة, يلزم بتركها أو ترك اتصالها بالإحرام مع طول الوقت دم, وتستحب التلبية عند
الركوب أو النـزول, وفي الصعود والهبوط، وفى دبر كل صلاة, وبالأسحار أي قبل صلاة
الفجر . وصيغتها المأثورة عند رسول الله – صلي الله عليه وسلم – هي

" لبيك اللهم لبيك , لبيك لا شريك لك لبيك , إن الحمد لك والنعمة لك
والملك, لا شريك لك "
( رواه مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر – رضي الله عنا وعنهم أجمعين )
ومعني ( لبيك ) أي : دواما علي طاعتك و وإقامة عليها مرة بعد أخري , من ( لب)
بالمكان أي : أقام به ولزمه . والمعني : أنا مقيم علي طاعتك يارب، مؤمن بوحدانيتك
المطلقة فوق جميع خلقك, مقر بنعمائك وسلطانك شاكر لك، مواجهك بما تحب إجابة لك
وشكراً، مؤكدا أنه لا شريك لك في ملكك، ولا منازع لك في سلطانك. وكان النبي – صلي
الله عليه وسلم – إذا فرغ من تلبيته سأل الله مغفرته ورضوانه وقد أورد رسول الله –
صلي الله عليه وسلم – في فضل التلبية أقوالا عديدة منها ما يلي :

"ما من محرم يضحي يومه ( أي يظل ) يلبى حتى تغيب الشمس, إلا غابت عنه
ذنوبه فعاد كما ولدته أمه
".(رواه ابن ماجة)
"ما أهل مهل قط إلا بُشِّر، ولا كبَّر مُكَبِّرٌ قط إلا بشر " قيل : يا
نبي الله : بالجنة ؟ قال : "نعم(
رواه الطبرانى.).

"ما من مسلم يلبي إلا لبي من عن يمينه وشماله من حجر, أو شجر, أو
مدر"( أي الحصى )(
رواه ابن ماجه، والبيهقى، والترمذى، والحاكم.)
جاءني جبريل – عليه السلام – فقال :" مر أصحابك فليرفعوا أصواتهم
بالتلبية, فإنها من شعائر الحج"
(رواه ابن ماجه، وأحمد، وابن خزيمة، والحاكم).
وعن أبي بكر – رضي الله عنه – أن رسول – صلي الله عليه وسلم –
سئل
: أي الحج أفضل ؟ فقال : " العج والثج" والعج رفع الصوت بالتلبية و
الثج:
نحر الهدي" (
رواه كل من البخارى ومسلم.)
الطواف
بالبيت الحرام :
سبعة أشواط يبدأها الطائف على طهارة كاملة مضطبعا, محاذيا الحجر الأسود
بعد تقبيله أو استلامه أو الإشارة إليه ثم يأخذ في الطواف مكثراً من الذكر والدعاء
جاعلاً البيت علي يساره و قائلا :" بسم الله
والله اكبر, اللهم إيمانا بك, وتصديقا بكتابك, ووفاء بعهدك وإتباعا لسنة نبيك صلي
الله عليه وسلم". ويستحب للطائف إذا تيسر له أن يرمل في الأشواط الثلاثة الأولي

( والرمل هو الإسراع في المشي مع ثبات الخطي) ثم يمشي مشيا عاديا في الأشواط
الأربعة الباقية. ويستحب استلام كل من الحجر الأسود "والركن اليماني" أو الإشارة
إليهما في كل شوط من أشواط الطواف السبعة. فإذا فرغ منها صلي ركعتين عند مقام
إبراهيم, وبذلك ينتهي الطواف .
فإن كان الطائف مفردا بالحج فقط سمي هذا الطواف باسم طواف القدوم أو
(التحية) أو(الدخول)،وإن كان قارنا الحج بالعمرة, أو متمتعا بالعمرة إلي الحج, كان
هذا الطواف هو (طواف العمرة) ويجزئ عن (طواف القدوم).
وإذا فرغ الطائف من طوافه, وصلي ركعتين عند مقام إبراهيم يستحب له الشرب
من ماء زمزم علي ثلاثة أنفاس, متضلعا، ومستقبلا القبلة, وداعيا بما شاء, وحامدا
الله – تعالي –

السعي بين
الصفا والمروة :
والسعي بين الصفا والمروة سبعة أشواط يكون بعد الطواف, يبدأ بالصفا
راقيا عليها ويختم بالمروة راقيا عليها وفي الحالتين يتجه للقبلة ويكثر من الدعاء
ثم يمشي للموالاة بين الأشواط, ولا
موالاة بين الطواف والسعي ودون اشتراط للطهارة علي استحبابها، ودون ركوب إلا لعذر,
ويستحب الدعاء بين الصفا والمروة، وذكر الله - تعالي -, وقراءة القران الكريم
.
وبإتمام كل من الطواف والسعي تنتهي أعمال العمرة, فيحل المحرم من إحرامه
إن كان متمتعا, ويبقي علي إحرامه إن كان قارنا، ولا يحل إلا يوم النحر, ويكفيه هذا
السعي عن السعي بعد طواف الإفاضة إن كان قارنا, ويسعي مرة أخري بعد طواف الإفاضة إن
كان متمتعا، ويبقي بمكة المكرمة حتى اليوم الثامن من ذي الحجة ( يوم التروية ).

التوجه إلي (مني) :من السنة التوجه إلي مني يوم التروية, فان كان الحاج قارنا أو مفردا
توجه إليها بإحرامه. وإن كان متمتعا, أحرم بالحج, وفعل مثل ما فعل عند الميقات.
والسنة أن يحرم من الموضع الذي هو
نازل فيه . ويستحب الإكثار من الدعاء والتلبية عند التوجه إلي مني,
وصلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء بها قصرا بلا جمع, ثم المبيت، وصلاة الفجر،
والبقاء حتى طلوع شمس اليوم التاسع . وإن صادف يوم التروية يوم جمعة فعلي الحاج أن
يصليها بمكة المكرمة قبل الخروج إلي مني .
التوجه الي
عرفات :
يسن التوجه إلي عرفات بعد طلوع شمس اليوم التاسع من ذي الحجة, مع
التكبير والتهليل والتلبية. ويستحب النـزول بنمرة, والاغتسال عندها استعدادا للوقوف
بعرفة بعد الزوال, حيث إن الاغتسال للوقوف بعرفة مندوب . والوقوف بعرفة هو " ركن
الحج الأعظم " ويبتدئ من وقت الزوال في اليوم التاسع من ذي الحجة إلي طلوع فجر
اليوم العاشر . ويكفي الوقوف في أي جزء من هذا الوقت ليلا أو نهارا, إلا أنه إذا وقف بالنهار وجب عليه مد
الوقوف إلي ما بعد الغروب. ويقصد بالوقوف مجرد التواجد والحضور. وينبغي المحافظة
علي الطهارة الكاملة, واستقبال القبلة, والإكثار من الاستغفار والذكر والدعاء مع
الالتزام بآداب الدعاء. قال – صلي الله عليه وسلم – :
" خير الدعاء دعاء يوم عرفة, وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي : لا
الله إلا الله وحده لا شريك له, له

الملك وله الحمد, وهو علي كل شيء قدير "(صحيح مسلم، كتاب الحج، باب الحجة رسول الله-صلى الله عليه
وسلم
.) وقد نهي رسول الله – صلي الله عليه وسلم – عن صوم الحاج يوم عرفة, مع
ترغيبه في صومه لغير الحاج .
والحاج يصلى الظهر والعصر قصرا وجمعا جمع تقديم في عرفة، وعرفة كلها
موقف إلا " بطن عرنة " وهو واد في الجهة الغربية من عرفة .
الإفاضة من
عرفة :
يسن الإفاضة من عرفة بعد غروب الشمس بالسكينة مع التلبية والذكر حتى يصل
الحاج إلي المزدلفة فيصلي المغرب والعشاء ركعتين بأذان وإقامتين و من غير تطوع
بينهما. ثم يبيت إلي صلاة الفجر, وإن أمكنه الوقوف بالمشعر الحرام والإكثار من
الذكر والدعاء فالوقوف سنة, وقبل طلوع الشمس يتحرك إلي " مني"، والمزدلفة كلها موقف
إلا " وادي مُحَسِّرْ " وهو بين المزدلفة "ومني"
أعمال يوم
النحر :
تتلخص أعمال اليوم العاشر من ذي الحجة برمي جمرة العقبة, والذبح, والحلق
أو التقصير, ثم طواف الإفاضة. وهذا الترتيب سنة, إلا أن الحاج إذا قدم أو أخر فيها
فلا شيء عليه. وإذا أنجز الحاج اثنتين من هذه النسك الأربع فقد تحلل التحلل الأول
الذي يبيح له كل ما كان محرما عليه إلا المعاشرة الزوجية، فإن طاف طواف الإفاضة حل
له كل شيء .
أعمال أيام
التشريق :
أيام التشريق ثلاثة : الحادي عشر والثاني عشر, والثالث عشر من ذي الحجة,
والأعمال فيها رمي الجمرات الثلاثة: الصغرى, ثم الوسطي ثم جمرة العقبة( الكبرى )،
ترمي كل جمرة منها بسبع حصيات مكبرا مع
كل حصاة. والمتعجل يمكن له الرحيل من " مني " قبل غروب شمس الثاني عشر من ذي الحجة
لقول ربنا – تبارك وتعالي
-:﴿ وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ
فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ

وَمَن تَأَخَّرَ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى ( البقرة :203).
ويستحب الوقوف بعد رمي الجمرتين الصغرى والوسطي
مستقبلا القبلة, داعيا الله – تعالي- وحامدا لأنعمه ومستغفرا لنفسه ولإخوانه
المؤمنين, ولا يستحب الوقوف بعد رمي جمرة العقبة.
وذبح الهدي يكون يوم النحر أو في أيام التشريق الثلاثة, والهدي واجب علي
كل من القارن والمتمتع, وعلي كل من ترك واجبا من واجبات الحج ( المبيت بمزدلفة و
المبيت بمني, الحلق أو التقصير, رمي الجمار , طواف الوداع ) , أو ارتكب محظورا من
محظورات الإحرام .

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alredaalnoor.0wn0.com
نبيلة محمود خليل
Admin


عدد المساهمات : 884
تاريخ التسجيل : 20/08/2010

مُساهمةموضوع: رد: الأعجاز التشريعى   الخميس سبتمبر 22, 2011 2:29 pm

حجة الوداع:منهج وعمل" 2

لماذا شرع
الله – تعالي – فريضة الحج ؟

الحج يعني قصد الإنسان مكة المكرمة محرما من الميقات المحدد في أشهر
الحج, والوقوف بعرفة, وما يتبع ذلك من مناسك، يؤديها كل مسلم بالغ, عاقل, حر,
مستطيع, ولو مرة واحدة في العمر ؛ وذلك استجابة لأمر الله, وابتغاء مرضاته. والحج
هو أحد أركان الإسلام الخمسة, وفرض من الفرائض المعلومة من الدين بالضرورة, وحق لله
– تعالي – علي المستطيعين من عباده ذكورا وإناثا لقوله -:

﴿
وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ
سَبِيلاً

وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ
(آل عمران: 97 )
والحج هو عبادة من أجلِّ العبادات وأفضلها عند رب العالمين وذلك لما
رواه أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ
"سُئل‏:‏ أي الأعمال أفضل؟ قال‏: ‏إيمان بالله ورسوله‏,‏ قيل‏:‏ ثم
ماذا؟ قال ‏: ‏ثم جهاد في سبيل الله‏,‏ قيل‏:‏ ثم ماذا؟ قال‏: ‏ثم حج مبرور‏" ـ
(أي الذي لا يخالطه إثم) أخرجه الإمام أحمد.وأصل‏(‏ العبادة‏)‏ الطاعة‏,‏ و‏(‏التَّعَبُّد‏)‏ هو
التنسك .‏ والطاعة المبنية على أساس من الطمأنينة العقلية والقلبية الكاملة لا
تحتاج إلى تبرير‏,‏ ولكن إذا عرفت الحكمة من ورائها أدَّاها العبد بإتقان أفضل‏,‏
وكان سلوكه في أدائها أنبل وأجمل‏,‏ وكان أجره على حسن أدائها أوفى
وأكمل.

من مقاصد
الحج‏ :‏لهذه الفريضة الإسلامية الجليلة حِكَم عديدة منها
‏:‏

أولاً : ‏-‏
تعريض كل من حَجَّ البيت لكرامة أشرف بقاع الأرض في أشرف أيام السنة‏
:‏
فالله ـ تعالى ـ خلق كلاً من المكان والزمان‏,‏ وجعلهما أمرين متواصلين،
فلا يوجد مكان بلا زمان‏,‏ ولا زمان بلا مكان‏،‏ وكما فضَّل بعض الرسل على بعض‏,‏
وبعض الأنبياء على بعض‏,‏ وبعض أفراد البشر على بعض، فضَّل ـ سبحانه وتعالى ـ بعض
الأزمنة على بعض‏,‏ وبعض الأماكن على بعض‏.‏ فمن تفضيل الأزمنة جعل يوم الجمعة أفضل
أيام الأسبوع‏,‏ وجعل شهر رمضان أفضل شهور السنة‏,‏ وجعل الليالي العشر الأخيرة من
هذا الشهر الفضيل أشرف ليالي السنة‏,‏ وجعل أشرفها على الإطلاق "ليلة القدر" التي
هي خيرً من ألف شهر ‏.‏ومن بعد رمضان يأتي فضل أشهر الحج‏,‏ ومن بعدها تأتي بقية
الأشهر الحرم . ومن الأيام جعل ربنا ـ تبارك وتعالى ـ أشرفها عشرة الأيام الأولى
من شهر ذي الحجة‏,‏ وجعل أشرفها على الإطلاق يوم عرفة‏,‏ وفي ذلك يروى عن جابر ـ
رضي الله عنه ـ أنه قال‏:‏ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ :‏

"ما من أيام عند الله أفضل من عشر ذي الحجة ، فقال رجل‏:‏ هن أفضل‏,‏ أم
عدتهن جهادا في سبيل الله؟ . قال ـ صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ـ هن أفضل من عدتهن
جهاداً في سبيل الله‏,‏ وما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة‏,‏ ينزل الله ـ تبارك
وتعالى ـ إلى السماء الدنيا‏,‏ فيباهي بأهل الأرض أهلَ السماء فيقول‏:‏ انظروا إلى
عبادي‏,‏ جاءوني شُعْثاً غُبْرا ضاحين‏ .‏ جاءوا من كل فج عميق‏,‏ يرجون رحمتي ولم
يروا عذابي‏,‏ فلم يُرَ يوم أكثر عتيقاً من النار من يوم عرفة
" رواه أبو يعلى، والبزار، وابن خزيمة، وابن حبان.
ولذلك كان الوقوف بعرفة هو ركن الحج الأعظم ‏.‏ومن تفضيل الأماكن‏,‏ فضل
ربنا ـ تبارك وتعالى ـ مكة المكرمة وحرمها الشريف على جميع بقاع الأرض‏,‏ ومن بعدها
فضَّل مدينة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومن بعدها فضَّل بيت المقدس، كما جاء
في العديد من أحاديث رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ فإذا اجتمع فضل المكان
وفضل الزمان ، تضاعفت البركات والأجور والكرامات إن شاء الله ‏.‏ومن هنا كان من
حكمة فريضة الحج ـ بالإضافة إلى كونها طاعة للأمر الإلهي ـ هو تعريض كل مسلم‏,‏
بالغ‏,‏ عاقل‏,‏ حر‏,‏ مستطيع‏ ـ ذكراً كان أو أنثى‏ ،‏ ولو لمرة واحدة في العمر ـ
لبركة أشرف بقاع الأرض‏ ‏ (الحرم المكي ) في بركة أشرف أيام السنة (‏ الأيام العشرة
الأولى من ذي الحجة)‏ ولذلك قال ربنا- تبارك و تعالى - ‏:
‏‏
﴿‏ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ
سَبِيلاً

وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ
(‏ آل عمران‏:97)‏.وقال المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم‏
-:‏
"هذا البيت دعامة الإسلام‏,‏ فمن خرج يؤم هذا البيت من حاج أو معتمر‏,‏
كان مضموناً على الله‏,‏ إن قبضه أن يدخله الجنة‏,‏ وإن ردَّه‏,‏ ردَّه بأجر
وغنيمة"
.
أخرج الأزرقي والطبراني في الأوسط.
و‏‏ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أنه قال‏ :‏ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏:‏" العمرة إلى العمرة كفَّارة
لما بينهما ، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة"
. أخرجه الإمامان البخارى ومسلم. عن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله
عنه ـ أنه قال‏:‏

قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ :‏ "تابعوا بين الحج والعمرة،
فإنهما ينفيان الفقر والذنوب‏‏ كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة‏,‏ وليس
للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة"
‏.‏ رواه كل من الإمامين الرمذى والنسائى.

ثانياً : ‏-‏ تذكير الحاج بمرحلية الحياة‏,‏ وبحتمية الرجوع إلى الله ـ
تعالى‏ ـ :‏
على الرغم من حقيقة الموت الذي كتبه الله ـ تعالى ـ على جميع خلقه،
والذي يشهده أو يسمع به كل حي في كل لحظة‏,‏ وعلى الرغم من إيماننا ـ نحن معشر
المسلمين ـ بحتمية البعث والحساب والجزاء، ثم الخلود في الحياة القادمة، إما في
الجنة أبداً أو في النار أبداً إلا أن دوامة الحياة ومشاغلها تكاد تنسي الناس هذه
الحقائق التي هي من صلب الدين، ويبقى الموت مصيبة ـ كما سماه القرآن الكريم ـ‏
ويبقى الأخطر من مصيبة الموت غفلة الناس عنه‏,‏ وإعراضهم عن ذكره‏,‏ وقلة تفكرهم
فيه‏,‏ وانصرافهم عن العمل له‏,‏ وانشغالهم بالدنيا حتى أنستهم إياه أو كادت، وهنا
تأتي شعيرة الحج لتخرج الناس من دوامة الحياة ـ ولو لفترة قصيرة ـ وتذكرهم بحتمية
العودة إلى الله ـ تعالى ـ

ثالثا: تذكير الإنسان بمحاسبة نفسه قبل أن يحاسب وذلك انطلاقا من أعمال
إجرائية عديدة قبل القيام برحلة الحج منها ما يلي ‏:‏
1ـ التوبة إلى الله ـ تعالى ـ من
الذنوب والمعاصي، وفي ذلك يقول المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏:‏ ـ

" يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب في اليوم إليه مائة مرة‏
"
.‏
2‏ـ وصل كل مقطوع من صلات الرحم لقوله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ
:‏ " الرحم شجنة من الرحمن من وصلها وصله الله، ومن قطعها قطعه الله
"‏
رواه الترمذى
3ـ قضاء
الديون ورد المظالم وغير ذلك من حقوق العباد ، وفي ذلك يقول المصطفى ـ صلى الله
عليه وسلم‏ ـ:‏
"
من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرض أو من شيء فليتحلل منه اليوم‏,‏ من قبل
ألا يكون دينار ولا درهم‏,‏ إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته‏,‏ وإن لم تكن
له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه‏ "
.‏ رواه البخارى
4ـ‏ أن تكون النية بالحج خالصة لله ـ تعالى ـومتجردة عن كل هوى وسمعة،
وفي ذلك يقول خاتم الأنبياء
والمرسلين ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ ‏:‏ " إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى
الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة
ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه‏ "
.‏ رواه كل من الإمامين البخارى ومسلم.وقال ‏:‏
" أخلص دينك يكفك العمل القليل " ‏.‏
رواه الحاكم.
5-‏ الحرص على الحلال والهروب من كل حرام وذلك لأن نفقات الحج يجب أن
تكون من أحل حلال المال.‏
6-‏ الحرص على تسديد زكاة المال قبل الخروج بالحج ‏.‏
‏7-‏ كتابة
الوصية وتوضيح كافة الحقوق فيها ‏.‏
وفي إتمام هذه الأعمال تهيئة للنفس تهيئة
كاملة لعملية مفارقة الحياة الدنيا، والرجوع إلى الله ـ تعالى ـ والاستعداد لحساب
القبر وجزائه‏,‏ ثم للبعث والحشر والعرض الأكبر، وتلقي الحساب والجزاء، ثم الخلود
في الحياة الآخرة، إما في الجنة أبداً، أو في النار أبداً ‏.‏

رابعا:
التدريب العملي على مفارقة الحياة الدنيا:
1‏ـ غسل الإحرام يذكر الحاج بغسله ميتاً وهو لا يملك لنفسه شيئاً بين
أيدي مغسله-‏,‏ والغسل رمز للتطهر من الذنوب والآثام‏ .‏
‏2-‏ والإحرام يذكر
الحاج بالخروج من الدنيا بلا أدنى زينة أو ملك، كما يذكره بالكفن الذي سوف يُلف فيه
جسده بعد تغسيله ‏.‏
‏3‏ـ والنية عهد بين العبد وربه‏ .‏
‏4-‏ الوقوف عند
الميقات يذكر الحاج بأجله الذي حدده الله ـ تعالى ـ له، والذي يقول فيه
‏:‏
‏﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً
مُّؤَجَّلاً﴾
(‏ آل عمران‏:145)‏
.
والانتقال من الحِلَّ إلى الحرم عبر الميقات يذكر بالانتقال من الدنيا
إلى الآخرة عبر الموت‏,‏ والتلبية نداء إلى الله، واستنجاد برحمته، واحتماء بحماه
‏.‏
‏5-‏ والطواف حول الكعبة المشرفة يذكر بضرورة الانتظام مع حركة الكون في
خضوعه لأوامر الله ـ تعالى ـ وانصياعه لقوانين هذا الخالق العظيم وسننه في عبادة
وذكر دائمين‏,‏ كما أن بداية الطواف ونهايته تؤكدان بداية الأجل ونهايته‏,‏ وهي
حقيقة يغفل عنها كثير من الناس حتى يفاجئهم الموت وهم أصفار الأيادي من الحسنات،
فخسروا الدنيا والآخرة . والرَّمَل والاضطباع في طواف القدوم إحياء لسنة خاتم
الأنبياء والمرسلين ـ صلى الله عليه وسلم‏ .‏
‏6-‏ والصلاة في مقام إبراهيم تذكر
بجهاد الأنبياء والمرسلين، وبمقام الصالحين عند رب العالمين‏ .‏
‏7-‏ والشرب من
ماء زمزم يؤكد قدرة رب العالمين التي لا حدود لها، ولا عائق أمامها، إن أراد إكرام
عباده الصالحين الواثقين به حق الوثوق، والمتوكلين عليه حق التوكل.‏
‏8-‏ والسعي
بين الصفا والمروة يذكر بأم إسماعيل ـ عليهما من الله السلام ـ وهي تركض بين هذين
التلَّين بحثاً عن الماء لصغيرها، ونتيجة لإخلاصها . ولثقتها بربها أكرمها الله ـ
تعالى ـ بجبريل يضرب صخور أرض مكة بجناحه، أو بعقبه فيفجر ماء زمزم‏ من تلك الصخور
المصمطة التي لا مسامية لها‏ .‏
‏9-‏ والنفرة إلى منى ثم إلى عرفات تذكر بيوم
البعث في زحامه وشدته وأهواله.
‏10-‏ والوقوف بعرفات تذكر بالحشر وبالعرض الأكبر
بين يدي الله ـ تعالى ـ وبالحساب والجزاء ‏.‏
‏11-‏ والمبيت بالمزدلفة يذكر
بآلاف الأنبياء ومئات المرسلين الذين حجوا من قبل، والذين نزلوا بهذا المنزل؛
تأكيداً على وحدة الدين، وعلى الأخوة بين أنبياء رب العالمين، وإحياءاً لسنة خاتمهم
وإمامهم ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبارك عليه وعليهم أجمعين-.
‏12-‏ والنحر والحلق
أو التقصير يذكران بفداء الله لنبيه إسماعيل-عليه السلام-؛ إكراماً لطاعته وطاعة
أبيه إبراهيم ـ عليهما السلام ـ لأوامر رب العالمين، وإحياءً لسنة خاتم الأنبياء
والمرسلين، ورمزاً للتطهر من الذنوب والآثام ‏.‏
‏13-‏ ورمي الجمار تأكيد على
حتمية انتصار العبد المؤمن على الشيطان في هذا الصراع، والرجم رمز لذلك الانتصار،
وعهد مع الله ـ تعالى ـ على تحقيقه‏ .‏
14-‏ والتحلل من الإحرام، وطواف كلٍ من الإفاضة والوداع رمز لانتهاء هذه
الشعيرة العظمى، وعودة إلى دوامة الحياة الدنيا من جديد بذنب مغفور، وعمل صالح
مقبول، وتجارة مع الله ـ تعالى ـ لن تبور إن شاء الله . ومن هنا كان واجب الحاج-بعد
عودته من حجه- أن يبدأ مع ربه صفحة جديدة، إطارها الفهم الصحيح لرسالة الإنسان في
هذه الحياة‏ :‏ عبداً لله يعبده ـ سبحانه وتعالى ـ بما أمر، ويجاهد بصدق من أجل حسن
القيام بواجبات الاستخلاف في الأرض بعمارتها، وإقامة دين الله وعدله على سطحها‏,‏
والدعوة إلى هذا الدين بالكلمة الطيبة والحجة الواضحة والمنطق السوي من أجل إنقاذ
أكبر عدد ممكن من الناس من عذاب الآخرة.‏
‏15-‏ وفى جموع الحُجَّاج من كل عرق
ولون وجنس ولغة-وهم يتحركون في موكب واحد لأداء هذه الفريضة الكبرى؛ تأكيد على وحدة
الجنس البشري المنبثق من أب واحد وأم واحدة ، هما آدم وحواء ـ عليهما من الله
السلام ـ وتأكيد على وحدة رسالة السماء ـ وهي الإسلام العظيم ـ وعلى الأخوة بين
الأنبياء، وعلى وحدانية رب السموات والأرض- بغير شريك ولا شبيه‏,‏ ولا منازع‏,‏ ولا
صاحبة‏,‏ ولا ولد‏- والخالق منـزه تنـزيهاً كاملاً عن جميع صفات خلقه، وعن كل وصف
لا يليق بجلاله ‏.

خامسا: خروج
الحاج من هذه الرحلة المباركة بالتدرب على عدد من الخصال الحميدة التي منها ما
يلي:
‏1-‏ الزهد في الدنيا والحرص على الآخرة‏؛‏ وذلك لأن الدنيا مهما طال
عمر الإنسان فيها فإن نهايتها الموت‏,‏ والآخرة خلود بلا موت، وليس معنى ذلك إهمال
مسئوليات الإنسان في الدنيا؛ لأن الإنسان مطالب بالنجاح فيها ولكن ليس على حساب
الآخرة‏ .‏
‏2-‏ اليقين بأن الحج يطهِّر من الذنوب والآثام انطلاقاً من قول رسول
الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ :

" من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه "
(رواه كل من الإمامين البخاري ومسلم)‏.‏
ولقوله ـ صلى الله عليه وسلم
ـ لعمرو بن العاص ـ رضي الله عنه ـ حين قدم لمبايعته‏ :‏

" أما علمت أن الإسلام يهدم ما قبله ، وأن الهجرة تهدم ما قبلها، وأن
الحج يهدم ما قبله ؟ "
‏(‏ رواه الإمام مسلم‏) .‏وانطلاقاً من هذا اليقين، كان واجباً على كل
من أدَّى فريضة الحج الحرص الشديد على عدم الوقوع في معاصي الله‏ .‏
‏3-‏ والحرص
على أداء العبادات المفروضة في وقتها، وعلى الإتيان من النوافل قدر الاستطاعة
‏.‏
‏4-‏ التمسك بطهارة النفس، واستقامة السلوك، وعفة اللسان، وغض البصر،
والتحكم في الشهوات والرغبات والأهواء، وكظم الغيظ، والعفو عن الناس‏,‏ وصدق
الحديث‏,‏ ورقة التعامل مع الآخرين‏,‏ والتواضع للخلق‏,‏ وحسن الاستماع والإتباع‏,‏
والاحتشام في الزى والهيئة‏,‏ وإخلاص السرائر‏,‏ واجتناب سوء الظن بالآخرين في
الأحكام عليهم‏,‏ والتوسط والاعتدال في كل أمر‏,‏ والثبات على الحق ، والمجاهدة من
أجل نصرته، وتحمل تكاليف ذلك‏,‏ والحرص على العمل الصالح ، والتنافس فيه حتى يكون
في سلوك الحاج قدوة حسنة لغيره‏ .‏
‏5-‏ الحرص على التزوُّد من العلوم
الشرعية‏,‏ والتفقه في الدين‏,‏ والالتزام بما يتعلمه؛‏ وذلك لأن الإسلام دين لا
يُبنَى على جهالة‏,‏ وإنما يُبنَى على علم والتزام . ومصدرا التلقي للمسلم هما كتاب
الله وسنة رسوله‏,‏ وعلى كل مسلم أن يجتهد في التعرف على أوامر الله ـ تعالى ـ
ويُلزِم نفسه وأهله بها‏,‏ وفي التعرف على نواهيه فيجتنبها ويحاربها‏,‏ فإن انغلق
عليه أمر من الأمور فعليه بسؤال أهل الذكر كما قال ربنا ـ تبارك وتعالى ـ
‏:‏
﴿ ‏ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ
(النحل‏:43) (الأنبياء‏:7) .
6-‏ الحرص على الكسب الحلال‏,‏ وعلى طيب المَطْعَم والمشرب‏, وعلى البعد
كلَّ البعد عن الشبهات والمحرمات.‏
‏7-‏ المواظبة على الصحبة الطيبة‏,‏ وعلى
التزام جماعة المسلمين‏,‏ وعلى الولاء لهم‏,‏ والبراء من غيرهم‏ ،‏ وفي ذلك يقول
ربنا ـ تبارك وتعالى ـ مخاطباً خاتم أنبيائه ورسله ـ صلى الله عليه وسلم‏

‏﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم
بِالْغَدَاةِ

وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ
وَجْهَهُ
وَلاَ
تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الحَيَاةِ
الدُّنْيَا

وَلاَ
تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ
وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾ ‏(الكهف‏:28)
8-‏ الاهتمام بقضايا المسلمين الكبرى‏,‏ ومن أبرزها قضايا الأمية بشقيها
( أمية القراءة والكتابة وأمية العقيدة ) وقضايا الحريات، وقضايا التخلف العلمي
والتقني‏,‏ وتفشي كلٍ من الفقر والمرض، وقضايا تحرير أراضى المسلمين المحتلة من مثل
أراضى كل من فلسطين، العراق، وأفغانستان، وجنوب الفلبين، أراكان، سبتة، ومليلة
وجزيرة ليلى وغيرها من الجزر المغربية، والأراضى الإسلامية المغتصبة.
9-‏
المساهمة الفعالة في الدعوة إلى دين الله بالكلمة الطيبة، والحجة الواضحة، والمنطق
السوي‏ .‏
‏10-‏ العمل على جمع كلمة المسلمين في وحدة كاملة ـ ولو على مراحل
متتالية ‏.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alredaalnoor.0wn0.com
نبيلة محمود خليل
Admin


عدد المساهمات : 884
تاريخ التسجيل : 20/08/2010

مُساهمةموضوع: رد: الأعجاز التشريعى   الخميس سبتمبر 22, 2011 2:32 pm

‏ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً
وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ" (‏ آل عمران‏:97)‏

الحج يعني قصد
مكة المكرمة لأداء عبادة الطواف‏,‏ والسعي‏,‏ والوقوف بعرفة‏,‏ وما يتبع ذلك من
مناسك يؤديها كل مسلم‏,‏ بالغ‏,‏ عاقل‏,‏ حر‏,‏ مستطيع‏,‏ ولو مرة واحدة في العمر؛‏
وذلك استجابة لأمر الله‏,‏ وابتغاء مرضاته‏,‏ وهو أحد أركان الإسلام الخمسة‏,‏ وفرض
من الفرائض المعلومة من الدين بالضرورة‏,‏ وحق لله ـ تعالى ـ على المستطيعين من
عباده ذكوراً وإناثاً لقول الحق ـ تبارك وتعالى‏ ـ
:‏﴿ وَلِلَّهِ
عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً
وَمَن كَفَرَ
فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ
(‏ آل عمران‏:97)‏
.والحج هو عبادة من أجلِّ العبادات وأفضلها عند رب العالمين بعد الإيمان بالله
ورسوله والجهاد في سبيله‏, ‏ وذلك لما رواه أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول
الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ سُئل
‏:‏ "أي الأعمال
أفضل؟ قال‏: ‏إيمان بالله ورسوله‏,‏ قيل‏:‏ ثم ماذا؟ قال ‏: ‏ثم جهاد في سبيل
الله‏,‏ قيل‏:‏ ثم ماذا؟ قال‏: ‏ثم حج مبرور‏ ـ أي الذي لا يخالطه إثم
‏."
(أخرجه الإمام أحمد) وأصل‏(‏ العبادة‏)‏ الطاعة‏,‏ و‏(‏التَّعَبُّد‏)‏
هو التنسك .‏ والطاعة المبنية على أساس من الطمأنينة العقلية والقلبية الكاملةلا
تحتاج إلى تبرير‏,‏ ولكن إذا عرفت الحكمة من ورائها أدَّاها العبد بإتقان أفضل‏,‏
وكان سلوكه في أدائها أنبل وأجمل‏.

من مقاصد الحج‏لهذه الفريضة الإسلامية الجليلة حِكَم عديدة منها
‏:‏
أولاً :
‏-‏
تعريض كل من حَجَّ البيت ـ ولو لمرة واحدة في العمر ـ لكرامة أشرف بقاع
الأرض في أشرف أيام السنة‏:
فالله ـ تعالى ـ
خلق كلاً من المكان والزمان‏,‏ وجعلهما أمرين متواصلين، فلا يوجد مكان بلا زمان‏,‏ ولا
زمان بلا مكان‏،‏ وكما فضَّل الله بعض الرسل على بعض‏,‏ وبعض الأنبياء على بعض‏,‏
وبعض أفراد البشر على بعض، فضَّل ـ سبحانه وتعالى ـ بعض الأزمنة على بعض‏,‏ وبعض
الأماكن على بعض‏.‏فمن تفضيل الأزمنة جعل ربنا ـ تبارك وتعالى ـ يوم الجمعة أفضل
أيام الأسبوع‏,‏ وجعل شهر رمضان أفضل شهور السنة‏,‏ وجعل الليالي العشر الأخيرة من
هذا الشهر الفضيل أشرف ليالي السنة‏,‏ وجعل أشرفها على الإطلاق ليلة القدر التي
جعلها الله ـ تعالى ـ خيراً من ألف شهر‏.‏ومن بعد رمضان يأتي فضل أشهر الحج‏,‏ ومن
بعدها تأتي بقية الأشهر الحرم ، ومن الأيام جعل ربنا ـ تبارك وتعالى ـ أشرفها
العشرة أيام الأولى من شهر ذي الحجة‏,‏ وجعل أشرفها على الإطلاق يوم عرفة‏,‏ وفي
ذلك يروى عن جابر ـ رضى الله عنه ـ أنه قال‏:‏ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم
ـ :‏
"ما من أيام عند الله أفضل من عشر ذي الحجة ، فقال رجل‏:‏ هن أفضل‏,‏ أم
عدتهن جهادا في سبيل الله؟ . قال ـ صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ـ هن أفضل من عدتهن
جهاداً في سبيل الله‏,‏ وما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة‏,‏ ينزل الله ـ تبارك
وتعالى ـ إلى السماء الدنيا‏,‏ فيباهي بأهل الأرض أهلَ السماء فيقول‏:‏" انظروا إلى
عبادي‏,‏ جاءوني شُعْثاً غُبْرا ضاحين‏، جاءوا من كل فج عميق‏,‏ يرجون رحمتي ولم
يروا عذابي‏"، فلم يُرَ يوم أكثر عتيقاً من النار من يوم عرفة ‏ولذلك كان الوقوف
بعرفة هو ركن الحج الأعظم ‏.‏"

ومن تفضيل
الأماكن‏,‏ فضل ربنا ـ تبارك وتعالى ـ مكة المكرمة وحرمها الشريف على جميع بقاع
الأرض‏,‏ ومن بعدها فضَّل مدينة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومن بعدها فضَّل
بيت المقدس، كما جاء في العديد من أحاديث رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ
فإذا اجتمع فضل المكان وفضل الزمان ، تضاعفت البركات والأجور إن شاء الله ‏.‏ومن
هنا كان من حِكَم فريضة الحج ـ بالإضافة إلى كونها طاعة للأمر الإلهي ـ تعريض كل
مسلم‏,‏ بالغ‏,‏ عاقل‏,‏ حر‏,‏ مستطيع‏ ـ ذكراً كان أو أنثى‏ ،‏ ولو لمرة واحدة في
العمر ـ لبركة أشرف بقاع الأرض‏ ـ‏ الحرم المكي الشريف‏ ـ في بركة أشرف أيام السنة
‏ـ‏ الأيام العشرة الأولى من ذي الحجة‏ .
ومن أقول المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم‏ في شرف مكة المكرمة ما
يلي:‏
· "‏‏هذا البيت دعامة الإسلام‏,‏ فمن خرج يؤم هذا البيت من حاج أو
معتمر‏,‏ كان مضموناً على الله‏,‏ إن قبضه أن يدخله الجنة‏,‏ وإن ردَّه‏,‏ ردَّه
بأجر وغنيمة" .
· "العمرة إلى العمرة كفَّارة لما بينهما ، والحج
المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" .
(أخرجه
الإمامان البخاري ومسلم).
· "تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر
والذنوب‏‏ كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة‏,‏ وليس للحجة المبرورة ثواب
إلا الجنة" ‏.‏

ثانياً : ‏-‏ تذكير الحاج بمرحلية الحياة‏,‏ وبحتمية الرجوع إلى الله ـ
تعالى‏ ـ :‏

على الرغم من
حقيقة الموت الذي كتبه الله ـ تعالى ـ على جميع خلقه والذي يشهده أو يسمع به كل حي
في كل لحظة‏,‏ وعلى الرغم من إيماننا ـ نحن معشر المسلمين ـ بحتمية البعث والحساب
والجزاء، ثم الخلود في الحياة القادمة، إما في الجنة أبداً أو في النار أبداً، إلا
أن دوامة الحياة ومشاغلها تكاد تنسي الناس هذه الحقائق التي هي من صلب الدين.يبقى
الموت مصيبة ـ كما سماه القرآن الكريم ـ‏ ويبقى الأخطر من مصيبة الموت غفلة الناس
عنه‏,‏ وإعراضهم عن ذكره‏,‏ وقلة تفكرهم فيه‏,‏ وانصرافهم عن العمل له‏,‏ وانشغالهم
بالدنيا حتى أنستهم إياه أو كادت ‏.‏وهنا تأتي شعيرة الحج لتخرج الناس من دوامة
الحياة ـ ولو لفترة قصيرة ـ وتذكرهم بحتمية العودة إلى الله ـ تعالى

ثالثا:تذكير الإنسان بمحاسبة نفسه قبل أن يُحاسب وذلك انطلاقا من
الأعمال الإجرائية قبل القيام برحلة الحج و منها ما يلي ‏:‏
1‏ـ التوبة إلى الله ـ تعالى ـ من الذنوب والمعاصي.
‏2‏ـ وصل كل مقطوع من
صلات الرحم .
‏3‏ـ قضاء الديون ورد المظالم وغير ذلك من حقوق العباد لقول رسول
الله- صلى الله عليه وسلم‏ ـ:‏
" من كانت
عنده مظلمة لأخيه من عرض أو من شيء فليتحلل منه اليوم‏,‏ من قبل ألا يكون دينار ولا
درهم‏,‏ إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته‏,‏ وإن لم تكن له حسنات أخذ من
سيئات صاحبه فحمل عليه‏ "
(‏ البخاري‏)
.‏
‏4ـ‏ أن يتعلم إخلاص النية لله-تعالى-لأن النية بالحج لابد أن تكون خالصة لله
ـ تعالى ـ في صدق وإخلاص تامين، ومتجردة عن كل هوى وسمعة.
‏5-‏ التمسك بالحلال
والهروب من الحرم لأن نفقات الحج لابد أن تكون من أجل حلال المال‏.‏

‏6-‏ الحرص على
تسديد زكاة المال قبل الخروج بالحج ‏.‏
‏7-‏ كتابة الوصية وتوضيح كافة الحقوق
فيها ‏.‏
وفي إتمام هذه الأعمال تهيئة للنفس تهيئة كاملة لعملية مفارقة الحياة
الدنيا، والرجوع إلى الله ـ تعالى ـ والاستعداد لحساب القبر وجزائه‏,‏ ثم للبعث
والحشر والعرض الأكبر، وتلقي الحساب والجزاء، ثم الخلود في الحياة الآخرة، إما في
الجنة أبداً، أو في النار أبداً ‏.‏

رابعا:التدرب العملي على مفارقة الحياة الدنيا:
1‏ـ غسل الإحرام يذكر الحاج بغسله ميتاً وهو لا يملك لنفسه شيئاً بين
أيدي مغسله‏,‏ وهو رمز للتطهر من الذنوب والآثام‏ .‏
‏2-‏ والإحرام يذكر الحاج
بالخروج من الدنيا بلا أدنى زينة أو ملك، كما يذكره بالكفن الذي سوف يُلف فيه جسده
بعد تغسيله ‏.‏
‏3‏ـ والنية عهد بين العبد وربه‏ .‏
‏4-‏ الوقوف عند الميقات
يذكر الحاج بأجله الذي حدده الله ـ تعالى ـ وباللحظة التي سوف يفارق فيها الحياة
الدنيا. والانتقال من الحِلَّ إلى الحرم عبر الميقات يذكر بالانتقال من الدنيا إلى
الآخرة عبر الموت‏,‏ والتلبية نداء إلى الله، واستنجاد برحمته، واحتماء بحماه
‏.‏
‏5-‏ والطواف حول الكعبة المشرفة يذكر بضرورة الانتظام مع حركة الكون في
خضوعه لأوامر الله ـ تعالى ـ وانصياعه لقوانين هذا الخالق العظيم وسننه، في عبادة
وذكر دائمين‏,‏ كما أن بداية الطواف ونهايته تؤكد أن بداية الأجل ونهايته،
والرَّمَل والاضطباع في طواف القدوم إحياء لسنة خاتم الأنبياء والمرسلين- صلى الله
عليه وسلم‏ .‏
‏6-‏ والصلاة في مقام إبراهيم تذكر بجهاد الأنبياء والمرسلين،
وبمقام الصالحين عند رب العالمين‏ .‏
‏7-‏ والشرب من ماء زمزم يؤكد قدرة رب
العالمين التي لا حدود لها، ولا عائق يقف في سبيلها من أجل إكرام عباده الصالحين
‏.‏
‏8-‏ والسعي بين الصفا والمروة يذكر بأم إسماعيل –عليها وعليه من الله
السلام - وهي تركض بين هذين الجبلين؛ بحثاً عن الماء لصغيرها، ونتيجة لإخلاصها .
ولثقتها في ربها أكرمها الله ـ تعالى ـ بجبريل يضرب أرض مكة المكرمة بجناحه، أو
بعقبه فيفجر ماء زمزم‏ من صخور مصمطة لا مسامية لها‏ .‏
‏9-‏ والنفرة إلى منى ثم
إلى عرفات تذكر بيوم البعث في زحامه وشدته ‏.‏
‏10-‏ والوقوف بعرفات يذكر بالحشر
وبالعرض الأكبر بين يدي الله ـ تعالى ـ وبالحساب ‏.‏
‏11-‏ والمبيت بالمزدلفة
يذكر بآلاف الأنبياء ومئات المرسلين الذين حجوا من قبل، والذين نزلوا بهذا المنزل؛
تأكيداً على وحدة الدين، وعلى الأخوة بين أنبياء رب العالمين، وإحياءً لسنة خاتمهم
أجمعين ـ صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين .
‏12-‏ والنحر والحلق أو
التقصير يذكران بفداء الله لنبيه إسماعيل؛ إكراماً لطاعته وطاعة أبيه إبراهيم ـ
عليهما السلام ـ لأوامر رب العالمين، وإحياءً لسنة خاتم الأنبياء والمرسلين، ورمزاً
للتطهر من الذنوب والآثام ‏.‏
‏13-‏ ورمي الجمار تأكيد على حتمية انتصار العبد
المؤمن على الشيطان في هذا الصراع، والرجم رمز لذلك الانتصار، وعهد مع الله ـ تعالى
ـ على تحقيقه‏.‏
‏14-‏ والتحلل من الإحرام وطواف كلٍ من الإفاضة والوداع رمز
لانتهاء هذه الشعيرة العظمى، وعودة إلى دوامة الحياة من جديد بذنب مغفور، وعمل صالح
مقبول، وتجارة مع الله ـ تعالى ـ لن تبور.
ومن هنا كان واجب الحاج أن يبدأ مع
ربه صفحة جديدة، إطارها الفهم الصحيح لرسالة الإنسان في هذه الحياة‏ :‏ عبداً لله
يعبده ـ سبحانه وتعالى ـ بما أمر، ويجاهد بصدق من أجل حسن القيام بواجبات الاستخلاف
في الأرض بعمارتها، وإقامة دين الله وعدله على سطحها‏,‏ والدعوة إلى هذا الدين
بالكلمة الطيبة والحجة الواضحة والمنطق السوي من أجل إنقاذ أكبر عدد ممكن من الناس
من عذاب نار جهنم .‏
‏15-‏ وجموع الحُجَّاج من كل عرق ولون وجنس ولغة يتحركون في
موكب واحد لأداء هذه الفريضة الكبرى؛ تأكيداً على وحدة الجنس البشري المنبثق من أب
واحد وأم واحدة ، هما آدم وحواء ـ عليهما من الله السلام ـ وتأكيداً على وحدة رسالة
السماء ـ وهي الإسلام العظيم ـ وعلى الأخوة بين الأنبياء، وعلى وحدانية رب السموات
والأرض بغير شريك ولا شبيه‏,‏ ولا منازع‏,‏ ولا صاحبة‏,‏ ولا ولد‏,‏ والخالق منزه
تنزيهاً كاملاً عن جميع صفات خلقه، وعن كل وصف لا يليق بجلاله
‏.‏

خامسا: خروج الحاج من هذه الرحلة المباركة بعدد من الخصال الحميدة التي
منها‏ ما يلي:
1-‏ الزهد في الدنيا والحرص على الآخرة‏؛‏ وذلك لأن الدنيا مهما طال عمر
الإنسان فيها فإن نهايتها الموت‏,‏ وليس معنى ذلك إهمال مسئوليات الإنسان في
الدنيا؛ لأن الإنسان مطالب بالنجاح فيها ولكن ليس على حساب الآخرة‏ .‏
‏2-‏
اليقين بأن الحج يطهِّر من الذنوب والآثام انطلاقاً من قول رسول الله ـ صلى الله
عليه وسلم ـ :
" من حج فلم
يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه "
(رواه كل من
الإمامين البخاري ومسلم) ولقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لعمرو بن العاص ـ رضى
الله عنه ـ حين قدم لمبايعته‏ :‏
" أما علمت
أن الإسلام يهدم ما قبله ، وأن الهجرة تهدم ما قبلها، وأن الحج يهدم ما قبله ؟
"
‏(‏ رواه الإمام مسلم‏) .‏وانطلاقاً من هذا اليقين، كان واجباً على كل
من أدَّى فريضة الحج الحرص الشديد على عدم الوقوع فى معاصي الله‏ .‏
‏3-‏ الحرص
على أداء العبادات المفروضة في وقتها، وعلى الإتيان من النوافل قدر الاستطاعة
‏.‏
‏4-‏ التمسك بطهارة النفس، واستقامة السلوك، وعفة اللسان، وغض البصر،
والتحكم في الشهوات والرغبات والأهواء، وكظم الغيظ، والعفو عن الناس‏,‏ وصدق
الحديث‏,‏ ورقة التعامل مع الآخرين‏,‏ والتواضع للخلق‏,‏ وحسن الاستماع والاتباع‏,‏
والاحتشام في الزى والهيئة‏,‏ وإخلاص السرائر‏,‏ واجتناب سوء الظن بالآخرين في
الأحكام عليهم‏,‏ والتوسط والاعتدال في كل أمر‏,‏ والثبات على الحق ، والمجاهدة من
أجل نصرته، وتحمل تكاليف ذلك‏,‏ والحرص على العمل الصالح ، والتنافس فيه حتى يكون
في سلوك الحاج قدوة حسنة لغيره‏ .‏
‏5-‏ الحرص على التزوُّد من العلوم
الشرعية‏,‏ والتفقه في الدين‏,‏ والالتزام بما يتعلمه؛‏ وذلك لأن الإسلام دين لا
يُبنَى على جهالة‏,‏ وإنما يُبنَى على علم والتزام . ومصدرا التلقي للمسلم هما كتاب
الله وسنة رسوله‏,‏ وعلى كل مسلم أن يجتهد في التعرف على أوامر الله ـ تعالى ـ
ويُلزِم نفسه وأهله بها‏,‏ وفي التعرف على نواهيه فيجتنبها ويحاربها‏,‏ فإن انغلق
عليه أمر من الأمور فعليه بسؤال أهل الذكر كما قال ربنا ـ تبارك وتعالى
ـ
‏:‏ ﴿ ‏
فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ‏﴾
(النحل‏:43)
6-الحرص على
الكسب الحلال‏,‏ وعلى طيب المَطْعَم والمشرب‏,‏ وعلى البعد كلَّ البعد عن الشبهات
والمحرمات‏ .‏
‏7-‏ المواظبة على الصحبة الطيبة‏,‏ وعلى التزام جماعة
المسلمين‏,‏ وعلى الولاء لهم‏,‏ والبراء من غيرهم‏ ،‏ وفي ذلك يقول ربنا ـ تبارك
وتعالى ـ مخاطباً خاتم أنبيائه ورسله ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ :‏
‏﴿ وَاصْبِرْ
نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ
وَالْعَشِيِّ
يُرِيدُونَ
وَجْهَهُ
وَلاَ تَعْدُ
عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا
وَلاَ تُطِعْ مَنْ
أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا

وَاتَّبَعَ هَوَاهُ
وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً‏﴾ ‏(الكهف‏:28).
8 -‏ الاهتمام بقضايا المسلمين الكبرى‏,‏ ومن أبرزها قضايا الأمية
بشقيها ( أمية القراءة والكتابة وأمية العقيدة ) وقضايا الحريات وقضايا التخلف
العلمي والتقني‏,‏ وتفشي كلٍ من الفقر والمرض، وقضايا تحرير أراضى المسلمين المحتلة
من مثل أراضى كل من فلسطين، والعراق، وأفغانستان، وجنوب الفلبين، وأركان، وسبته
ومليلية وجزيرة ليلى وغيرها من الجزر المغربية.
‏9-‏ المساهمة الفعالة في الدعوة
إلى دين الله بالكلمة الطيبة، والحجة الواضحة، والمنطق السوي‏.‏
‏10-‏ العمل على
جمع كلمة المسلمين في وحدة كاملة ـ ولو على مراحل متتالية ـ كما حدث في الوحدة
الأوروبية ‏.‏
سادسا: شهود العديد من المنافع أثناء شعيرة الحج:
والمنافع التي
يشهدها حُجَّاج بيت الله الحرام كثيرة جداً لو أحسن المسلمون الاستفادة بهذه
العبادة المباركة التي تتم في أبرك بقاع الأرض عند أول بيت وضع للناس، وفي أفضل
أيام السنة على الإطلاق ـ وهي العشر الأوائل من ذي الحجة ‏.‏
سابعا: الاستفادة بهذا المؤتمر الدولي الأول في تاريخ البشرية لمناقشة
قضايا المسلمين بخاصة وقضايا الإنسانية عامة:

فالحج هو أول
صورة من صور المؤتمرات الدولية، وهو مؤتمر جامع للمسلمين من مختلف بقاع الأرض‏,‏
يجدون فيه توحَّدهم في عبادة إله واحد‏,‏ لا شريك له في ملكه‏,‏ ولا منازع له في
سلطانه‏,‏ ولا شبيه له من خلقه‏,‏ ويتوحدون إلى قبلة واحدة، هي تلك البقعة المباركة
التي بُنِيَت الكعبة عليها‏,‏ ويتوحَّدون تحت راية القرآن الكريم وهو الكتاب
السماوي الوحيد المحفوظ بين أيدي الناس بنفس لغة وحيه.ويتوحدون تحت لواء خاتم
الأنبياء والمرسلين ـ صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين ـ وفي نور هديه
وسنته‏,‏ فتتلاشى في نور الإسلام العظيم كل فوارق العرق‏,‏ واللون‏,‏ واللغة‏,‏
والوطن‏,‏ ويتجسد معنى الأخوة الإسلامية في الله ولله‏,‏ وهو من أعظم عناصر القوة
في زمن التكتلات الذي نعيشه ‏.‏فما أحرى حكام الدول الإسلامية، ومستشاريهم،
وعلمائهم، وأصحاب القرار فيهم أن يحرصوا على المشاركة في هذا المؤتمر الإسلامي
الدولي مشاركة فعالة، يناقشون فيها مشاكلهم ومشاكل دولهم‏,‏ و يتدارسون وسائل
التعاون في مختلف أنشطة حياتهم تمهيداً لتحقيق الوحدة الكاملة بينهم ـ ولو على
مراحل متدرجة مدروسة .وما أحرى علماء الأمة الإسلامية، ومفكريها، وقادة الرأي من
بين أبنائها، وإعلامييها أن يحرصوا على المشاركة في اجتماعات الحج‏,‏ قبل أو بعد
أداء المناسك‏,‏ أو في أيام التشريق لمناقشة أهم القضايا الشرعية والعلمية
والإعلامية المختلفة التي تهم الأمة الإسلامية ‏.‏
وما أحرى رجال الأعمال
المسلمين أن يستغلوا فرصة الحج لمزيد من التعارف والتعاون والتكامل فيما بينهم‏،
حتى تتوحد الأمة وتترابط في جسد واحد‏,‏ ويبقى الحج بعد ذلك أعظم المؤتمرات الدولية
للتعارف بين المسلمين، وتبادل الآراء والخبرات، والتشاور‏,‏ والتنسيق‏,‏ والتخطيط
في مواجهة كل أمورهم ومشاكلهم وتحدياتهم ومختلف قضاياهم؛ وذلك من أجل تحقيق التكامل
الاقتصادي‏,‏ والإداري‏,‏ والإعلامي‏,‏ والسياسي بينهم حتى ينتهي ذلك بوحدة كاملة
على أسس راسخة مدروسة‏ إن شاء الله -تعالى-.وكون ذلك يتم في جو من الروحانية
العالية‏,‏ والعبادة الخالصة، والقرب من الله ـ تعالى ـ والذكر الدائم لجلاله في
أشرف بقاع الأرض وأشرف أيام السنة، يجعل من دواعي نجاح ذلك المؤتمر السنوي ما لا
يمكن توافره لمؤتمر سواه. ويخالط هذه العبادة الجليلة شيء من التعارف‏,‏
والتواصل‏,‏ والتعاون‏,‏ والتنسيق والتكامل على مستوى الأفراد والمؤسسات
والحكومات‏,‏ وعلى ذلك فالحج فريضة تلتقي فيها الدنيا والآخرة‏,‏ كما يلتقي فيها
أول النبوة بخاتمها‏,‏ وتلتقي فيها مسيرة النبوة والرسالة السماوية‏,‏ بل ومسيرة
البشرية كلها عبر التاريخ ‏.‏
فأصحاب الدعوة إلى الله‏,‏ وزعماء الإصلاح في
العالم الإسلامي يجدون في موسم الحج فرصة ذهبية لعرض أفكارهم على الناس‏,‏ وأصحاب
كلٍ من الزراعة والصناعة والتجارة يجدونها فرصة كذلك لعقد الصفقات أو لترويج ما
معهم من منتجات تحمل إلى هذا المكان الطيب الطاهر من مختلف بقاع الأرض، فتحوِّله
إلى سوق عالمي سنوي في ظل القيام بأداء شعائر الله‏,‏ والعمل على ترسيخ دينه في
الأرض ،‏ ولذلك قال تعالى‏ :‏
﴿
لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ ﴾
(الحج:48) .وإقبال الحجيج
لأداء هذه الشعيرة من مختلف بقاع الأرض شهادة للقرآن الكريم بأنه كلام الله، وشهادة
للنبي الخاتم بالنبوة وبالرسالة. فصلِ اللهم وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه، ومن
تبع هداه، ودعا بدعوته إلى يوم الدين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب
العالمين‏.‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alredaalnoor.0wn0.com
نبيلة محمود خليل
Admin


عدد المساهمات : 884
تاريخ التسجيل : 20/08/2010

مُساهمةموضوع: رد: الأعجاز التشريعى   الخميس سبتمبر 22, 2011 2:35 pm

حجة الوداع:منهج وعمل"

"حجة الوداع:منهج وعمل"
ملخص

الحج فريضة
إلهية على جميع المؤمنين، أمر بها ربنا -تبارك وتعالى-جميع أنبيائه ورسله لحكمة
بالغة نرى من جوانبها المتعددة طاعة الله -تعالى-فى كل أمر، وتعريض كل من حج البيت
لكرامة أشرف بقاع الأرض فى أشرف أيام السنة، ولو لمرة واحدة فى العمر، وتذكيره
بوحدة رسالة السماء، وبالأخوة بين الأنبياء، وبين أتباعهم، وبين الناس جميعا؛ كما
تذكرهم بمرحلية الحياة الدنيا، وبحتمية الرجوع إلى الله-تعالى-وبضرورة التوبة،
وقضاء الديون، ورد المظالم قبل ذلك، وبوجوب التعود على إخلاص النية لله، وتجديد
العهد معه، والانتظام مع حركة الكون فى الخضوع لله-تعالى-وعبادته، وتسبيحه، وحمده،
والسجود لجلاله، والتذكير بجهاد السابقين من الأنبياء والمرسلين، والشهداء
والصالحين، وتجديد العزم على هزيمة الشيطان وأعوانه ومكائده، والتأكيد على كل من
الأخوة الإسلامية والأخوة الإنسانية،وعلى حرمة حقوق العباد، ودمائهم، وأموالهم،
وأعراضهم.


وقد استمرت حرمة
شعيرة الحج، وقدسية الحرم المكى عبر التاريخ، إلى أيام الجاهلية التى كان الناس قد
انحطوا فيها إلى عبادة الأصنام والأوثان، ووصلت أدران هذا الانحطاط إلى ابتداع عدد
من التقاليد الجاهلية التى أخرجت عبادة الحج عن إطارها الصحيح، وإن بقيت حرمة هذه
الشعيرة، وبقيت قدسية الحرم المكى، ومن هنا كانت ضرورة القيام بحجة الوداع تطهيرا
لهذه الشعيرة الربانية العظيمة مما كان قد علق بها من أدران الجاهلية، وعودة بها
إلى أصولها الربانية الكريمة: عبادة خالصة لله-تعالى-بعد أن طوى الإسلام العظيم تلك
البدع الجاهلية المتوارثة وقضى عليها كما قضى على الشرك بالله، وعلى عبادة الأصنام
والأوثان، وطهر بيت الله الحرام من دنسها.
ومن الدروس المستفادة من حجة الوداع كمهج حياة ما
يلى:
(1) ضرورة الإيمان
بالله-تعالى-ربا واحدا أحدا، فردا صمدا، بغير شريك، ولا شبيه، ولامنازع، ولا صاحبة
ولا ولد، وضرورة تنزيهه-تعالى-عن جمبيع صفات خلقه، وعن كل وصف لايليق
بجلاله.
(2) التصديق بملائكة
الله، وكتبه، ورسله، وبخاتمهم أجمعين، وبالقرآن الكريم، وبأقوال وأفعال النبى
والرسول الخاتم-صلى الله عليه وسلم-.
(3)التسليم بوحدة
رسالة السماء، وبالأخوة بين الأنبياء الذين دعوا جميعا إلى عبادة
الله-تعالى-وحده.
(4) التسليم بوحدة
الجنس البشرى، وبضرورة المساواة بين الناس فى الحقوق والواجبات، والمفاضلة بينهم
على أساس من تقوى الله، ومن فهم الإنسان لحقيقة رسالته فى الحياة الدنيا: عبدا لله
مطالبا بعبادة ربه بما أمر، وبحسن القيام بواجبات الاستخلاف فى الأرض بعمارتها،
وإقامة شرع الله وعدله فيها.
(5)الإيمان بالأخوة
الإسلامية، وبضرورة الانقياد للحق وأهله، ومحاربة الباطل
وجنده.
(6) اليقين فى أن
الله-تعالى-فضل بعض الرسل، والأنبياء والأفراد على بعض، كما فضل بعض الأزمنة
والأماكن على بعض، فجعل مكة المكرمة أشرف بقاع الأرض، وجعل الأيام العشرة الأولى من
ذى الحجة أشرف أيام السنة، وجعل يوم عرفة أشرفها على الإطلاق، ومن هنا كان شرف أداء
الحج والعمرة، وتحريم دخول الكفار والمشركين إلى الحرم
المكى.
(7)التسليم بأن
الدين عند الله الإسلام ومن ثم التسليم، بفضل الإسلام على غيره من المعتقدات، و
بضرورة الالتزام بتعاليمه، والبراءة من جميع الممارسات الجاهلية فى القديم والحديث،
وتحديد مصادر تلقى المسلم-فى أمر الدين - بكتاب الله وسنة خاتم أنبيائة ورسله-صلى
الله عليه وسلم-.
(Cool التصديق بأن
الدين قد اكتمل، وأن نعمة الله على العباد قد تمت فى حجة الوداع، وأن الأصل فى
الشريعة الإسلامية التيسير، والحرص على المصالح المرسلة.
(9)الإيمان بحرمة
دماء، وأموال، وأعراض الناس، وبضرورة المحافظة عليها، والاقتصاص لها، وسداد الديون
ورد المظالم فيها قبل مغادرة هذه الحياة الدنيا.
(10)اليقين بحتمية
الموت، والبعث والحشر، والحساب والجزاء، وبالخلود فى الحياة القادمة إما فى الجنة
أبدا أو فى النار أبدا.
(11)التسليم بان
الشيطان للإنسان عدو مبين، يتربص للإيقاع به فى سوء عمله من خلال الإغواء باقتراف
الخطايا والذنوب-صغيرها وكبيرها.
(12)التصديق بأن
الحاكم المسلم مؤتمن من قبل المسلمين على تحقيق شرع الله أمرا واقعا فى حياة الناس،
فإن قام بذلك فله كل السمع والطاعة، وإن لم يقم بذلك فلا حق له فى السمع أو
الطاعة.
(13)الإيمان بضرورة تحريم الربا تحريما قطعيا، والنهى عن دعاوى العصبية،
والقبلية والعنصرية نهيا قاطعا، وبضرورة تقوى الله فى النساء، ومعرفة كل من الزوجين
لحقوقه وواجباته التى شرعها له الله، وبضرورة التأسى برسول الله-صلى الله عليه
وسلم-وأخذ المناسك والتبليغ بما جاء به، ومعرفة فضل الدعاء والابتهال إلى الله
–تعالى-وضرورة العمل على جمع كلمة المسلمين، ومنع الاقتتال
بينهم.
ومن الدروس المستفادة من "حجة الوداع" كبرنامج عمل النقاط
التالية:
(1) ضرورة العمل على
تطهير المجتمعات المسلمة من جميع علائق الجاهلية القديمة والحديثة فى كل أمر من
أمور الحياة.
(2)العمل على تطبيق
شرع الله فى المجتمعات المسلمة، والتعاون مع جميع المسلمين من أجل هذا الهدف النبيل
ولو على مراحل متأنية، وتربية الأفراد على حب الله ورسوله، وحب الإسلام، والعمل على
تطبيقه أمرا واقعا فى حياة الناس أفرادا ومجتمعات.
(3) العمل على
التأصيل الإسلامى لجميع المعارف المكتسبة، والممارسات والسلوكيات العامة والخاصة،
إنطلاقا من كتاب الله وسنة رسوله-صلى الله عليه وسلم- مع شرح مثالب الأفكار
الوافدة، والمعتقدات والعادات والتقاليد الجاهلية قديما
وحديثا.
(4)السمع والطاعة
للحاكم إذا كان يحكم بكتاب الله وسنة رسوله-صلى الله عليه وسلم-، فإذا مال عنهما
فلا سمع ولا طاعة.
(5)الدعوة إلى دين
الله بالكلمة الطيبة، والحجة البالغة، والحكمة والموعظة الحسنة، والحرص على تعليم
الناس بالقدوة الحسنة، وبمباشرة الداعى والمعلم كل لعمله مباشرة مخلصة، متأسيا بما
فعله رسول الله-صلى الله عليه وسلم- فى تعليم أمته أثناء حجة الوداع، مستخدما كل
الوسائل التربوية اللازمة من التكرار، وجلب الانتباه، وتحميل الحاضر مسؤلية تبليغ
الغائب.
(6)العمل على إنصاف
المرأة- النصف الأرق فى المجتمع الإنسانى-وقد ظلمت كثيرا فى غيبة شرع الله، ثم رد
لها الإسلام كل حقوقها، وحافظ على كرامتها وإنسانيتها، وإن كانت الحضارة المادية
المعاصرة تريد استعبادها من جديد بإطلاق الحريات لها بلا
حدود.
(7) ضرورة الوقوف مع
الضعيف حتى يتمكن من الوقوف على قدميه، ومع المظلوم حتى يسترد حقه مهما كلف ذلك من
تضحيات.
(Coolالحرص على تربية
المجتمع تربية إسلامية صحيحة، والدعوة إلى المحافظة على دماء، وأموال، وأعراض
الناس، وأداء الأمانات، وإشهاد الله-تعالى- على كل عقد، والجمع بين العدل والرحمة
فى كل أمر، مع التحذير من الوقوع فى الذنوب والخطايا والآثام- ما ظهر منها وما
بطن.
(9)الدعوة إلى مراقبة الله فى كل عمل يقوم به الإنسان، والإحساس بهذه
المعية هو خير ضابط للسلوك الإنسانى.
(10)الدعوة إلى
المحافظة على التاريخ الهجرى والشهور القمرية بعد أن ردها رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- إلى أصولها يوم خلق الله السموات والأرض وذلك في حجة الوداع لأنها أدق علميا
من جميع التقاويم الأخرى.
(11)الاستفاده بموسم
الحج فى عقد مؤتمر سنوى لملوك ورؤساء وزعماء ورجال أعمال العالم الإسلامى لمناقشة
قضايا الأمة، ووضع الحلول المانسبة لها.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alredaalnoor.0wn0.com
نبيلة محمود خليل
Admin


عدد المساهمات : 884
تاريخ التسجيل : 20/08/2010

مُساهمةموضوع: رد: الأعجاز التشريعى   الخميس سبتمبر 22, 2011 2:37 pm

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى
الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ (البقرة:183)

من الإعجاز التشريعي في قوله تعالى‏ في ختام هذه الآية القرآنية
الكريمة:
﴿‏ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ (البقرة:183) ما يلي :-

(1)‏ الصيام عبادة من أخلص العبادات لله ـ تعالي ـ ولذلك فهي تؤدي إلي
تقواه
‏,‏ وفى ذلك يقول المصطفي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث القدسي رواية
عن الله ـ عز وجل ـ ‏:
" كُلُّ
عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ
"
‏(البخاري ومسلم).‏

ويقول ـ صلى
الله عليه وسلم ـ‏:‏ " مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلا
بَاعَدَ اللَّهُ بِذَلِكَ الْيَوْمِ وَجْهَهُ عَنْ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا "
‏(مسلم).‏ وقال‏ :
‏" إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ يَدْخُلُ
مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ
يُقَالُ أَيْنَ الصَّائِمُونَ فَيَقُومُونَ لا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ
فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ "‏
‏(البخاري
ومسلم).‏
‏ وكان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يبشر أصحابه بمقدم رمضان فيقول
‏:
‏" قَدْ جَاءَكُمْ شَهْرُ رَمَضَانَ شَهْرٌ مُبَارَكٌ افْتَرَضَ اللَّهُ
عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ يُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَيُغْلَقُ فِيهِ
أَبْوَابُ الْجَحِيمِ وَتُغَلُّ فِيهِ الشَّيَاطِينُ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ
أَلْفِ شَهْرٍ مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ "
‏(مسند الإمام
أحمد)
.‏ ولذلك قال ‏: ‏"
الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ وَرَمَضَانُ إِلَى
رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ "‏
(مسلم).‏ وقال أيضا ـ صلى
الله عليه وسلم ـ ‏:
‏" مَنْ
أَفْطَرَ يَوْمًا فِي رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ مَرَضٍ وَلا رُخْصَةٍ لَمْ يَقْضِ
عَنْهُ صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ وَإِنْ صَامَهُ "
‏(مسند الإمام
أحمد)
‏.‏

(2)‏ أن الصيام
يصحبه الاجتهاد في العبادة بصفة عامة‏,‏ والاجتهاد فيها يعين علي تقوى الله ـ تعالى
ـ فإن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو أعبد الخلق لله ـ تعالى ـ كان يجتهد في
رمضان مالا يجتهد في غيره‏,‏ وفي العشر الأواخر منه مالا يجتهد في غيرها‏,‏ كما روت
لنا أم المؤمنين السيدة عائشة ـ رضي الله عنها ـ التي روي عنها قولها‏ :
" كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا
دَخَلَ الْعَشْرُ أَحْيَا اللَّيْلَ وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ وَجَدَّ وَشَدَّ
الْمِئْزَرَ "
‏(البخاري
ومسلم).‏

وعنه ـ صلوات
الله وسلامه عليه ـ أنه قال ‏:
" مَنْ قَامَ
رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ
"
‏(البخاري ومسلم).‏ ,‏ ولذلك سن لنا
كلا من صلاة التراويح وصلاة القيام
‏.‏

(3)‏ إن من أجل
العبادات في شهر رمضان مدارسة القرآن الكريم لأنه هو شهر القرآن الذي يقول فيه
ربنا-تبارك وتعالى‏:‏

﴿ شَهْرُ
رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ
وَبَيِّنَاتٍ
مِّنَ الهُدَى
وَالْفُرْقَانِ ﴾ .
(‏البقرة‏:185).‏
ويقول-عز من قائل ‏:‏

﴿ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا
مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْراً مِّنْ عِندِنَا
إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ
الْعَلِيمُ ﴾

‏(‏الدخان‏:3-‏6)‏.
ومدارسة القرآن الكريم من أعظم الوسائل لتحقيق تقوى الله في
قلوب العباد لأنها توضح للدارسين معنى الألوهية‏,‏ ومعنى الربوبية‏,‏ ومعنى
الوحدانية المطلقة للخالق العظيم فوق جميع الخلق ، بغير شريك ولا شبيه‏,‏ ولا
منازع‏,‏ ولا صاحبة ولا ولد، وتنزيهه -سبحانه وتعالى- عن جميع صفات خلقه، وعن كل
وصف لا يليق بجلاله؛ كما تؤكد علي ركائز الدين‏:‏ من العقيدة‏,‏ والعبادة‏,‏
والأخلاق‏,‏ والمعاملات‏,‏ وتربط العبد بخالقه برباط لا ينفصم إن شاء الله‏,‏ وهذا
الرباط المتين هو السر في تقوى العبد لله .


(4)‏ ومن أجل
العبادات في شهر رمضان صلاة القيام خاصة في العشر الأواخر من هذا الشهر الفضيل‏,‏
وفيها ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر كما قال ربنا -تبارك وتعالى-
‏:﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا
لَيْلَةُ القَدْرِ * لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ . تَنَزَّلُ
المَلائِكَةُ
وَالرُّوحُ
فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ
الفَجْر﴾
.(القدر‏:1-‏5).‏
وقيام ليلة القدر فيه من الخيرات والبركات ما يشرح
قلوب المؤمنين بحب الله-تعالى- ويعينها علي الارتباط بجلاله‏,‏ وحسن مراقبته،
ومعرفة شيء من صفاته العليا وذلك من أعظم الوسائل إلي تقوى الله ‏.‏
ومن المعين
على تحقيق ذلك الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان‏,‏ وهي سنة واظب عليها رسول
الله-صلي الله عليه وسلم- ‏.‏
(5)الدعاء في رمضان أحرى بالإجابة من أي وقت
آخر‏,‏
وذلك لقول المصطفي-صلي الله عليه وسلم ــ‏ : ‏" إِنَّ
لِلصَّائِمِ عِنْدَ فِطْرِهِ لَدَعْوَةً مَا تُرَدُّ "
‏(ابن
ماجه)
. ولقوله ‏:‏ " ثَلاثَةٌ
لا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ الصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ وَالإِمَامُ الْعَادِلُ
وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ "
‏(الترمذي)
‏.‏
(6) ومن أجل العبادات العمرة في رمضان لأنها تعدل حجة مع رسول
الله-صلي الله عليه وسلم-
لقوله الشريف ‏:
‏" عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ لَمَّا رَجَعَ
النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَجَّتِهِ قَالَ لأُمِّ سِنَانٍ
الأَنْصَارِيَّةِ مَا مَنَعَكِ مِنْ الْحَجِّ قَالَتْ أَبُو فُلَانٍ تَعْنِي
زَوْجَهَا كَانَ لَهُ نَاضِحَانِ حَجَّ عَلَى أَحَدِهِمَا وَالآخَرُ يَسْقِي
أَرْضًا لَنَا قَالَ فَإِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً أَوْ حَجَّةً
مَعِي "
‏(البخاري). وإذا اجتمعت
كرامة المكان
‏ (‏ في مكة المكرمة‏)‏ مع كرامة الزمان ‏(‏ في شهر رمضان‏)‏ تضاعف
الأجر إن شاء الله-تعالى-أضعافا كثيرة‏,‏ ومن مضاعفة الأجر تحقيق التقوى في قلوب
العباد‏.‏
‏(7)‏ ومع أداء كل هذه العبادات في شهر رمضان يتدرب العبد المسلم على
الصبر‏,‏ وعلى الالتزام بمكارم الأخلاقي‏,‏ وعلى قوة الإرادة حتى يتمكن من التحكم
في شهواته و رغائبه‏,‏ فيعلو بروحه فوق شهواته,‏ وفوق إغراءات الحياة الدنيا‏,‏
وينأى بنفسه عن مواطن الشبهات‏,‏ وينجيها من الوقوع في المحرمات‏,‏ وهذه كلها من
وسائل تحقيق تقوى الله-تعالي‏.‏
ومن أقوال رسول
الله-صلي الله عليه وسلم-في ذلك‏ : ‏" الصوم نصف الصبر والصبر من منازل المؤمنين
بالله المتقين لجلاله ،
"
وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا
يَصْخَبْ فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ
" ‏
(البخاري) .
‏" ليس الصيام من الأكل والشرب‏,‏ إنما الصيام من اللغو والرفث " ، "
مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي
أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ "
‏(البخاري)
.

‏(Cool‏ ومن نتائج
الصوم : التدريب علي شكر النعم‏,‏ وعلي الجود والكرم‏,‏ وعلي الإحساس بحاجة الفقير
والمسكين وابن السبيل مما يحقق قدرا من التراحم بين المسلمين‏,‏ ويعين علي محاربة
كل من الحقد والحسد والجريمة في المجتمع. وعلى اقتلاع نوازع الشح والبخل في النفس
الإنسانية
وفي ذلك يروى عن ابن عباس-رضي الله عنهما- قوله‏ : "‏ كَانَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ وَكَانَ
أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ وَكَانَ يَلْقَاهُ
فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ فَلَرَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ
الْمُرْسَلَةِ " ‏‏
(البخاري) .‏
وقال-صلي الله
عليه وسلم ــ‏ :
‏" الصَّوْمُ
جُنَّةٌ وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ
"‏
‏(الترمذي) ‏,‏ وسئل-صلوات
الله وسلامه عليه- ‏:‏ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ قَالَ صَدَقَةٌ فِي رَمَضَانَ "
‏(الترمذي) ‏,‏ وقال-صلوات
الله وسلامه عليه ــ
‏: ‏" مَنْ
فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لا يَنْقُصُ مِنْ
أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا "
‏(الترمذي)
.
‏(9)‏ ومن أعظم صور الجود‏:‏ الجود بالنفس في سبيل الله‏,‏ وهو من
أجمل صور تقوى الله‏,‏ وشهر رمضان هو شهر الجهاد في سبيل الله‏,‏ وشهر الانتصارات
الإسلامية بدءا بغزوة بدر الكبرى إلى فتح مكة‏,‏ ثم فتح كل من رودس‏,‏ وبلاد
الأندلس‏,‏ وتحرير فلسطين من أيدي الصليبيين في موقعة حطين‏,‏ ثم من أيدي التتار في
موقعة عين جالوت، حتى اجتياح خط بارليف وسحق جيش الصهاينة المعتدين وذلك في العاشر
من رمضان سنة‏1393‏ هـ ‏(‏السادس من أكتوبر سنة‏1973‏م‏).‏
ولا توجد صورة من
صور التعبير البشري لمعنى تقوى الله أبلغ من الجهاد في سبيل الله لتحرير أراضي
المسلمين من همجية الطغاة المعتدين الظالمين‏,‏ أو للوصول إلى خلق الله من أجل
إبلاغهم بدين الله إذا رفض الحكام تحقيق ذلك بالأساليب السلمية‏ .‏
من هذا
الاستعراض نرى صورة من صور الإعجاز الإنبائي كما نرى صورة من صور الإعجاز التشريعي
في قول ربنا-تبارك وتعالى ــ‏:‏
﴿يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى
الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

(‏البقرة‏:183)‏.
فالحمد لله على نعمة الإسلام‏,‏ والحمد لله على نعمة القرآن‏,‏
والحمد لله على بعثة خير الأنام -صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبع
هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين- وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏
.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alredaalnoor.0wn0.com
نبيلة محمود خليل
Admin


عدد المساهمات : 884
تاريخ التسجيل : 20/08/2010

مُساهمةموضوع: رد: الأعجاز التشريعى   الخميس سبتمبر 22, 2011 2:38 pm

وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَة َقُرُوءٍ " (البقرة:228)

هذا النص
القرآني الكريم في مطلع الخمس الأخير من سورة (البقرة) وهي سورة مدنية، وآياتها
(286) بعد البسملة، وعلى ذلك فهي أطول سور القرآن الكريم على الإطلاق . ويدور محورها الرئيسي حول عدد من الأحكام الشرعية
الأزمة لإقامة المجتمع الإسلامي، وإن تخلل ذلك إشارات إلى عدد من ركائز العقيدة،
والعبادات، والأخلاق القائمة على الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه ورسله، واليوم
الآخر، مع التأكيد على ربانية القرآن الكريم، وعلى تمايز الناس إلى مؤمنين،
وكافرين، ومنافقين، ووصف جزاء كل فئة من هذه الفئات الثلاث في الدنيا
والآخرة.
كذلك أشارت سورة (البقرة) إلى قصة خلق الإنسان ممثلة في أبوينا آدم
وحواء- عليهما السلام- وإلى قصص من الأنبياء، وإلى عدد من الأحداث الكبرى في صدر
الدعوة الإسلامية. في أكثر من ثلث هذه السورة المباركة جاء استعراض جانب من تاريخ
العصاة من بني إسرائيل الذين حرفوا الدين، ونقضوا العهود
والمواثيق، وكذبوا على الله –تعالى- وأشركوا به.
وتختتم هذه السورة الكريمة
بقول ربنا -تبارك وتعالى-:
" لِلَّهِ
مَا فِي السَّمَوَاتِ
وَمَا فِي
الأَرْضِ
وَإِن
تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ
وَيُعَذِّبُ
مَن يَشَاءُ
وَاللَّهُ
عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ* آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن
رَّبِّهِ
وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ
لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ
مِّن
رُّسُلِهِ
وَقَالُوا
سَمِعْنَا
وَأَطَعْنَا
غُفْرَانَكَ رَبَّنَا
وَإِلَيْكَ
المَصِيرُ * لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ
وُسْعَهَا
لَهَا مَا كَسَبَتْ
وَعَلَيْهَا
مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا
رَبَّنَا
وَلاَ تَحْمِلْ
عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا
رَبَّنَا
وَلاَ تُحَمِّلْنَا
مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ
وَاعْفُ
عَنَّا
وَاغْفِرْ
لَنَا
وَارْحَمْنَا
أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ "
(البقرة:
284-286)
هذا وقد سبق لنا استعراض سورة البقرة وما جاء فيها من تشريعات، وعقائد،
وعبادات، وأخلاق، وإشارات كونية، ولذلك سوف أقصر الحديث هنا على النص القرآني الذي
اخترناه عنوانا لهذا المقال.

من الدلالات اللغوية والعلمية لبعض ألفاظ النص
الكريم
والمطلقات يتربصن بأنفسهن أي ينتظرن بأنفسهن عن النكاح (ثلاثة قروء)
تمضي من حين الطلاق . و(القرء) في اللغة اسم للدخول في الحيض عن طهر وجمعه (أقراء)
و (قروء) و (أقرؤ)، ولما كان اسماً جامعاً للأمرين :
الطهر والحيض المتعقب له أطلق على كل واحد منهما، لأن كل اسم موضوع لمعنيين معاً
يطلق على كل واحد منهما إذا انفرد (القرء)، وليس اسماً للطهر مجرداً ولا للحيض
مجرداً بدلالة أن المرأة الطاهرة التي لم تر أثر الدم لا يقال لها ذات (قرء) ، وكذا
الحائض التي استمر بها الدم والنفساء لا يقال لها ذلك . وقوله تعالى
" يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ " أي ثلاثة دخول
من الطهر في الحيض إلى الطهر (طهر ثم حيض ، ثم طهر ثم حيض ، ثم طهر ثم حيض ، ثم
طهر). وفي قول رسول الله – صلى الله عليه و سلم – إلى إحدى المسلمات : " اقعدي عن
الصلاة أيام أقرائك "، أي أيام حيضك . ويقول أهل اللغة أن (القرء) بفتح القاف وضمها
مستمد من (قرأ)، أي جمع فإنهم اعتبروا الجمع بين زمن الطهر وزمن الحيض/ فلا تنقضي
العدة للمطلقة حتى تطهر من الحيضة الثالثة بعد طلاقها.


وأصل (القرء) في
كلام العرب هو الوقت ، وذلك لمجيء الشيء الدوري المعتاد مجيئه في وقت معلوم،
ولإدبار الشيء المعتاد إدباره لوقت المعلوم ، ولإدبار الشيء المعتاد إدباره لوقت
معلوم، ولذلك يطلق على الدخول في الحيض والخروج منه اسم (الدورة) أو (القرء) ،
ودورة الحيض لا تختلف من امرأة إلى أخرى فحسب ، بل قد يختلف ذلك في المرأة الواحدة
، من زمن إلى آخر طيلة حياتها الخصبة ، إذ تختلف كمية الدم ومدته عند بداية البلوغ
عنها عند كل من تمام البلوغ وقبل الدخول في سن اليأس ، ومدة الحيض في الغالب هي ستة
أيام ، ومدة الدورة من بداية الحيض إلى بداية الحيضة التي تليها هي في غالبية
النساء في حدود 28 يوم (بزيادة أو نقص يوم أو يومين) وهي مدة رؤية القمر من على سطح
الأرض، أما سن الحيض فيختلف من بلد إلى آخر، ومن أسرة إلى أخرى حسب كل من عوامل
الوراثة والبيئة، ودرجة النمو النفسي والجسدي لكل فتاة.
ودم الحيض أسود اللون، لا يتجلط كما يتجلط غيره من الدماء،
ويتكون أساسا من البلازما وكل من كريات الدم الحمراء والبيضاء وقطع من الغشاء
المخاطي المبطن للرحم.
وترجع دورة الحيض عند الأنثى البالغة إلى مرور جسدها-
بصفة عامة، وجهازها التناسلي- بصفة خاصة- كل شهر قمري في دورة تتغير خلالها نسب
الهرمونات زيادة ونقصا مما يؤدي إلى زيادة سمك الغشاء المبطن للرحم لأكثر من خمسة
أضعاف سمكه العادي، وزيادة عدد الغدد فيه، والشرايين المغذية له زيادة ملحوظة
استعدادا للحمل، فإذا لم يتم ذلك، يقل فجأة إفراز هرمون الأنوثة أو البروجسترون (
Progesterone) فيقل إفراز هرمون الحمل مما يؤدي إلى انقباض الأوعية الدموية
المغذية للغشاء المبطن للرحم انقباضا شديدا، فينتج عن ذلك ذبول هذا الغشاء وتفتته
بما فيه من أوعية دموية فيسيل منها الدم الأسود ذو الرائحة الكريهة ويغادر الرحم
إلى خارج الجسم مصاحبا بقطع من غشاء بطانة الرحم المفتتة على هيئة دم
الحيض.
من الدلالات العلمية للنص
الكريم

يشير هذا النص الكريم إلى تحديد عدة المطلقة بثلاثة قروء ثم تتزوج
إن شاءت وذلك من أجل استبراء الرحم من الحمل أولا، ولإتاحة فرصة للمراجعة بين
المطلقين ثانيا، فيكفي الزوج المطلق أن يقول لطليقته في خلال هذه الفترة : (إني
راجعتك) فتعود إليه زوجته، ولكن تحتسب عليه طلقة من الطلقات الثلاث، ولذلك قال-
تعالى-:
" وَلاَ يَحِلُّ
لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ
بِاللَّهِ
وَالْيَوْمِ
الآخِرِ
وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا
إِصْلاحاً
" أي أن أزواجهن
أولى برجعتهن إليهم في حال العدة، أي مادامت في عدتها، إذا كانوا يقصدون الإصلاح
والخير لا المضرة بالمرأة، و للمطلقة أن ترفض الرجعة إذا شعرت باستحالة استقامة
الحياة الزوجية، ولكن ليس من حقها كتمان ما بها من حمل ، والنص فيه تهديد للمطلقات
إن لم تعلن حقيقة الحمل من غيره، لأن المرجع في هذا إليهن، لأنه أمر لا يعلم إلا من
جهتهن فيأمرهن الله- تعالى- بالإخبار بالحق في ذلك دون زيادة أو نقصان، وأن يعلمن
أنه لا يحق لغير الزوج المطلق الزواج من مطلقته في فترة العدة.
وقد يقول قائل : لماذا تبقى المطلقة ثلاثة أشهر قمرية دون زواج تنتظر
إمكانية عودة مطلقها إليها إذا كانت العلاقة قد توترت بينهما إلى حد الطلاق، خاصة
أن عملية إبراء الرحم من الحمل قد أصبحت ميسورة بفضل التطورات العلمية والطبية
الحديثة؟
وللإجابة على ذلك نقول : إن الله –تعالى- قد جعل في ماء الزوج مستضدات
حيوية (
Antigens) تؤثر على جسم المرأة- بصفة عامة- وعلى جدار الرحم – بصفة خاصة- من
أجل تثبيط المناعة حتى لا يطرد هذا الماء، ولا يلفظ الجنين إذا تم تخلقه بمشيئة
الله، ونصفه مادة غريبة عن جسم الزوجة غربة كاملة. وقد لوحظ أن هذه المستضدات لا يتم التخلص منها بالكامل في أول
حيضة ، بل تبقى لها آثار في الحيضتين التاليتين وإن تضاءلت نسبها بالتدريج حتى يتم
التطهر منها بالكامل بعد نهاية الحيضة الثالثة ( أ.د عبد الباسط سيد محمد مشافهة) ،
وعلى ذلك فإن رحم المرأة المطلقة يحتاج إلى ثلاثة أشهر قمرية حتى يتم إثبات صحة
حمله أو إبرائه من أي حمل ، حفاظاً على الأنساب التي أوصانا بها رب العالمين .
ويؤيد ذلك أن ذوات الأحمال من المطلقات عدتهن أن يضعن حملهن حتى لو كانت لعدد قليل
من الساعات ، وبذلك تبرأ أرحامهن، ويصبحن جاهزات للزواج الجديد بعد فترة النفاس .
فبوضع الأم لجنينها يبرأ الرحم من جميع المستضدات الحيوية (
Antigens) التي علقت بها من الزواج السابق لاستبدال جدار الرحم استبدالا
كاملا بجدار جديد، وليس استبدالا جزئيا كالذي يعقب عملية الحيض. ولذلك يقول ربنا-
وهو أحكم القائلين-:
" ْيَا
أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ
لِعِدَّتِهِنَّ
وَأَحْصُوا
العِدَّةَ
وَاتَّقُوا
اللَّهَ رَبَّكُمْ "

(الطلاق:1)
ويقول-عز من قائل -:
" فَإِذَا
بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ
بِمَعْرُوفٍ
" (الطلاق:2)
ويضيف ربنا- تبارك وتعالى- قوله الكريم :
"
وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ
فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ
وَاللاَّئِي
لَمْ يَحِضْنَ
وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ
أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ
وَمَن
يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً * ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ
أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ
وَمَن
يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ
وَيُعْظِمْ
لَهُ أَجْراً "
(الطلاق:4-5) وعلى ذلك فأن عدة الأنثى البالغة المطلقة التي تحيض هي
ثلاثة قروء، وعدة كل من التي لم تبلغ بعد والتي انقطع عنها طمثها (أي التي بلغت سن
اليأس) هي ثلاثة أشهر قمرية ، وعدة الأرملة التي توفى عنها زوجها هي أربعة أشهر
قمرية وعشرة أيام وذلك انصياعا لأمر ربنا –تبارك وتعالى- الذي يقول في
" وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ
أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ
وَعَشْراً
فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي
أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْروفِ
وَاللَّهُ
بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ "
(البقرة: 234)
وعدة الحامل تنتهي بوضع حملها، وهناك خلاف بين
الفقهاء في عدة الأرملة الحامل هل تنتهي عدتها بالوضع ولو تم ذلك قبل انقضاء
الأربعة أشهر القمرية وعشرة الأيام أم تتربص بنفسها لأطول الأجلين وهو الرأي
الغالب.
الحكمة من تحديد مدة العدة
أولاً : التأكد من براءة الرحم من الحمل حفظا للأنساب من الاختلاط
والشك : وهو أمر يعظمه الإسلام
ثانيا : إيجاد فرصة أخيرة للمحافظة على بناء أسرة
مهددة بالانهدام بسبب الطلاق، الذي هو أبغض الحلال إلى الله، ولذلك يسن ألا يتسرع
الزوج بإيقاعه في لحظة غضب، وألا ينطق به إلا إذا كان قاصدا إلى تحقيقه بعد التأكد
من استيفاء كل محاولات الإصلاح، فإذا وصل إلى الاقتناع بضرورة تحقيقه يسن له أن
يوقعه رجعيا في طهر لم يقرب زوجته فيه، لعل الله- تعالى- أن يهيئ لهما فرصة لمراجعة
كل واحد منهما نفسه فيتراجعا عن قرار الطلاق في فترة العدة. ولذلك حرم الإسلام خطبة
المعتدة أو العقد عليها واعتبره باطلا. وأعطى للزوج المطلق الحق في مراجعته طليقته
في خلال فترة العدة دون حاجة إلى إجراء عقد جديد (بإيجاب وقبول أمام شاهدين) أو
بعقد جديد في حالة الطلاق البائن بينونة صغرى.
ثالثا:
إعلان الزوجة الحزن على انفراط عقد أسرتها بالطلاق أو بموت الزوج، احتراما للعشرة
السابقة وتقديرا لها، وتذكيرا للفضل الذي كان بينهما، وعدم التنكر له انطلاقا من
القيم الإسلامية الكريمة. ولعل في هذه المبررات الرد الشافي على المغتربين من أبناء
المسلمين، وعلى المتشككين من غير المسلمين الذين يقولون: إذا كان إبراء الرحم من أي
حمل هو مطلب أساسي في الإسلام قبل أي زواج جديد لأي من المطلقة أو الأرملة ، وأن
إثبات ذلك بالفحوص الطبية والمختبرية قد أصبح أمرا ميسورا في مدى ساعات محدودة،
فلماذا تبقى المطلقة أو الأرملة بغير زواج لهذه المدد الطويلة التي حددها القرآن
الكريم؟ وليست المبررات دينية أو إنسانية ونفسية فقط لأن الدراسات الطبية أثبتت أن
الرحم لا يبرأ برءا كاملا من المستضدات الحيوية المتبقية فيه من أثر الزواج الأول
إلا بعد ثلاث حيضات كاملة، يتخلص في الحيضة الأولى من نحو (60%) من هذه المستضدات،
وفي الحيضة الثانية يتخلص من نحو (30%) منها ، ويتخلص في الحيضة الثالثة من الـ
(10%) المتبقية فيطهر الرحم طهرا كاملا من جميع آثار الزواج الأول ولو لم يتم له
ذلك ودخلت عليه مستضدات حيوية أخرى من الزواج الثاني فأن الرحم يصاب بالخلل
والاضطراب وبالعديد من الأمراض التي منها المستعصية والخبيثة. وهنا يتضح جانب مهم
من جوانب تحريم الزنا ، وتحريم التعدد على المرأة . وبالإضافة إلى ذلك تطول مدة
العدة في حل الأرملة المتوفى عنها زوجها ، وفاء لزوجها الراحل ، وتقديرا للعشرة
التي كانت بينهما أولا ، وحزنا وأسى على فقده ثانيا ، ولذلك حدد ربنا- تبارك
وتعالى- عدتها بأربعة أشهر قمرية وعشرة أيام ألزمها فيها الحداد على وفاة زوجها ،
وأمرها خلالها بترك الزينة، وبلزوم البيت وعدم الخروج منه أو المبيت خارجه إلا
لضرورة، وباعتزال الأجانب من الرجال قدر الاستطاعة، ومن أجل تحقيق ذلك نادى عدد من
الفقهاء بأن الأرملة الحبلى إذا وضعت قبل مضي فترة عدتها فإنها تنتظر لإكمال تلك
العدة قبل أي تفكير في الخطبة أو الزواج ، فعدتها آخر الأجلين كما روى عن ابن عباس
(رضي الله عنهما). وانطلاقا من هذا العرض الموجز تتضح ومضة الإعجاز التشريعي
والعلمي في قول ربنا- تبارك وتعالى- :
"
وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ
وَلاَ يَحِلُّ
لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ
بِاللَّهِ
وَالْيَوْمِ
الآخِرِ
وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا
إِصْلاحاً
وَلَهُنَّ
مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ
وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ
عَزِيزٌ حَكِيمٌ "
(البقرة:228).
فالحمد لله على نعمة
الإسلام، والحمد لله على نعمة القرآن، والحمد لله على بعثة خير الأنام صلى الله
وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين، وآخر
دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alredaalnoor.0wn0.com
نبيلة محمود خليل
Admin


عدد المساهمات : 884
تاريخ التسجيل : 20/08/2010

مُساهمةموضوع: رد: الأعجاز التشريعى   الخميس سبتمبر 22, 2011 2:43 pm

يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ
وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا..." (البقرة::219)



هذا النص
القرآني الكريم جاء في أوائل الربع الأخير من سورة "البقرة"، وهي سورة مدنية ،
وآياتها (286) بعد البسملة، وهي أطول سور القرآن الكريم على الإطلاق، ويدور المحور
الرئيسي لها حو التشريع
الإسلامي بعدد من العبادات والأخلاق والمعاملات، وإن لم تغفل هذه السورة المباركة
ركائز العقيدة الإسلامية وفي مقدمتها الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم
الآخر، وتنزيه الخالق-سبحانه وتعالى –عن جميع صفات خلقه ، وعن كل وصف لا يليق
بجلاله من مثل إدعاء الشريك أو الشبيه أو المنازع أو الصاحبة والولد، وكلها من صفات
المخلوقين، والله- تعالى- منزه عن جميع صفات خلقه.
كذلك حددت
السورة الكريمة صفات كل من المؤمنين والكافرين والمنافقين، وجزاء كل منهم، وسجلت
قصة خلق الإنسان ممثلة في خلق كل من أبوينا آدم وحواء-عليهما السلام-، واستعرضت قصص
عدد من أنبياء الله ورسله منهم إبراهيم ولده إسماعيل وحفيده يعقوب وموسى وداود،
وسليمان وعيسى بن مريم- على نبينا وعليهم أجمعين من الله أفضل الصلاة وأزكى
التسليم-.
وبالإضافة إلى ذلك تناولت سورة "البقرة" أهل الكتاب بشئ من التفصيل
الذي أخذ أكثر من ثلث مجموع آياتها، وختمت بإقرار حقيقة الإيمان وركائزه، وبدعاء
إلى الله –تعالى- يحرك الأرواح والقلوب والعقول جميعا.
هذا وقد سبق لنا
استعراض سورة "البقرة" وما جاء فيها من ركائز كل من العقيدة والعبادة والأخلاق
والمعاملات والتشريعات اللازمة لذلك، ومن القصص القرآني والحكم المستقاة من كل قصة
من تلك القصص، ولا داعي لتكرار ذلك هنا من أجل التركيز على النص القرآني الذي
اتخذناه عنوانا لهذا المقال، وقبل الوصول إلى ذلك لابد من استعراض سريع للدلالات
اللغوية لألفاظ النص الكريم.


من الدلالات اللغوية لألفاظ النص الكريم:
أولاً‏: " الخَمْرُ "‏:
أصل
‏(‏الخَمْر‏)‏ ستر الشيء يقال‏: (‏خَمَّرْتُ‏)‏ الإناء أي غطيته‏,‏
و‏(‏التَخْمِير‏):‏ التغطية ولذلك يقال لما يستر به‏ (‏خِمَار‏),‏ وصار‏
(‏الخِمَار‏)‏ اسما لما تغطي به المرأة رأسها‏,‏ وجمعه ‏(‏خُمُر‏).
و‏(‏اخْتَمَرَت‏)‏ المرأة‏ (‏وتَخَمَّرَت‏)‏ أي غطَّت رأسها‏.‏
ويقال‏:
(‏أَخْمَرْتُ‏)‏ العجين أي جعلت فيه‏ (‏الخَمِيرَة‏)‏ أو‏ (‏الخَمِير‏).‏ وسميت‏
(‏الخَمِيرَة‏)‏ باسمها لكونها ‏(‏مَخْمُورَة‏)‏ من قبل‏.‏
و الخَمْرَة
و‏(‏الخَمْرُ‏)‏ لغةً: هي كل ما‏ (‏خَامَرَ‏)‏ العقل وغلبه‏,‏
ولذلك قال
المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ " كل مسكر خمر، وكل خمر حرام‏ " (‏صحيح
مسلم‏).‏

وجمع كلٍ من‏ (‏الخَمْر‏)‏ و‏(‏الخَمْرَة‏): (‏الخُمُور‏).‏
كذلك
قيل‏:‏ سميت‏ (‏الخَمْرُ‏)‏ خَمْرَاً لأنها تُرِكَت‏ (‏فَاخْتَمَرَت‏),‏ واختمارها
تغير ريحها‏,‏ و‏(‏الخُمَارُ‏)‏ هو الداء العارض من الخمر‏,‏ وجعل بناؤه بناء
الأدواء، كالزكام، والسعال وغيرها‏.‏
ثانيا‏ًً: " المَيْسِرُ ":‏
هو القمار‏،
مصدر ميمي من ‏(‏يَسَرَ‏)،‏ مشتق من اليُسْر؛ لأنه يعني كسب المال أو خسارته بسهولة
ويسر‏،‏ وفي حكمه كل شيء فيه خطر‏,‏ أي رهان‏.‏


من الدلالات العلمية للنص الكريم:
أولا‏ًً:‏ التأكيد على أخطار
الخمر‏:
إن المكون
الأساسي للمواد المسكرة هو الكحول الإثيلي الذي ينتج عن تخمر المواد السكرية،
وتتراوح نسبته في الخمور بين 3.5%، 55% حسب نوع الخمر والمواد المصنع منها،
وقد أثبتت الدراسات العلمية والطبية أن للمسكرات أضرار بالغة على
الإنسان منها ما يلي‏:‏
‏(أ)‏ الذهاب بكلٍ من العقل
والإرادة‏:‏
وهما من أعظم نعم الله ـ تعالى ـ على الإنسان‏,‏ وبذهابهما
يأتي الإنسان بالكثير من التصرفات غير المسئولة، فيفقد كرامته وإنسانيته لفقده
القدرة على التمييز بين الحق والباطل‏,‏ وبين الخير والشر‏,‏ وبين الصواب والخطأ‏,‏
وبين اللائق وغير اللائق من الأفعال والأقوال والتصرفات، مما يفقده احترام
الآخرين‏.‏
فالخمر تشل الحواس‏,‏ وتجعل المخمور يترنح في مشيته‏,‏ ويتقيأ بغير
إرادته‏,‏ وتضطرب حركاته‏,‏ ويفقد انضباطه‏,‏ يهيج في عنف شديد فيبدو وكأنه أشد
اندفاعا‏ًً,‏ وأقل حياءً من طبيعته‏,‏ لا يدري ما يقول‏,‏ ولا يبالي بما يفعل‏,‏
يكثر الثرثرة بما لا يفيد‏,‏ أو يخمد خمود الموتى بعد أن كان كالبركان الثائر‏,‏
وهذا مما يحط من قدر الإنسان، ويضيع مهابته وكرامته. هذا بالإضافة إلى أن المسكرات
تضعف مراكز المخ العليا التي تتحكم في التفكير والإرادة، وفي القدرة على النطق
والتحكم في الحركة‏.‏‏
(ب)‏ الذهاب بالعافية والصحة
‏:
‏ نشرت إحدى المجلات الطبية البريطانية (‏Lancet,1987‏)
أن أكثر من
مائتي ألف شخص يموتون في بريطانيا سنوياً بسبب الخمور؛‏ وذلك لما للخمور من أضرار
بالغة على جسم الإنسان منها تسمم خلايا وأنسجة الجسد‏,‏ وإعاقتها عن أداء
وظائفها‏,‏ وبالتالي إعاقة العديد من أجهزة الجسم وأعضائه عن القيام بوظائفها
بالكفاءة المطلوبة‏,‏ أو تعطيلها بالكامل عن أداء تلك الوظائف ابتداءً من الفم
والمريء إلى المعدة والأمعاء، حيث تنتقل المسكرات إلى الدم ومنه إلى جميع أجزاء
الجسم خاصة المخ، وبقية الجهاز العصبي، فيعطله تأثيرها المسكر تعطيلاً جزئياً أو
كلياً‏.‏
(1) فالجهاز العصبي في جسم الإنسان هو أكثر الأجهزة تأثراً بالخمور
التي تقطع الشعيرات العصبية الواصلة بين خلاياه، وقد تؤدي إلى قتلها‏,‏ وهي الخلايا
الوحيدة في جسم الإنسان التي لم يثبت بعد إمكان تجددها‏.‏
والتهاب الأعصاب من
أشد الأمراض إيلاماً للإنسان‏,‏ وقد يؤدي إلى التهيج العصبي‏,‏ والصرع‏,‏ وفقد بعض
الحواس كالسمع والبصر والذاكرة التي يدمرها تدميراً كاملا‏ًً,‏ وقد يؤدي كذلك إلى
الارتعاش‏,‏ والهذيان والأوهام‏,‏ والقلق‏,‏ والهوس، والهواجس‏,‏ كما قد يؤدي إلى
الشيخوخة المبكرة‏,‏ أو الشلل‏,‏ أو الجنون‏,‏ وقد يقود المدمن إلى القتل، أو
الانتحار، أو إلى الموت‏.‏
(2) وبالنسبة إلى الجهاز الهضمي فإن الخمور تلهب كلاً
من الفم، واللسان، والمريء، والمعدة، والأمعاء بما تحمل من الكحوليات والمواد
المضافة، وأغلبها من السموم القاتلة‏,‏ وتؤدي التهابات الجهاز الهضمي إلى تشققات
اللثة والفم واللسان، مما قد ينتج عنه تدمير حاسة التذوق بضمور الحليمات التذوقية
في اللسان‏,‏ وإلى تغطيته بطلاوة بيضاء قد تكون مقدمة لإصابته بالسرطان‏,‏ أو
لإصابة الغدد النكفية بالالتهابات المؤلمة‏.‏
كذلك يؤدي إدمان الخمر إلى توسيع
الأوعية الدموية بالغشاء المخاطي لكلٍ من المريء، والمعدة، والأمعاء، مما يعين على
انتشار التقرحات بها‏,‏ وإلى النزف، وإلى الإصابة بالسرطان. ويسبب تناول المسكرات
نقصا في إفراز العديد من الإنزيمات مثل إنزيم الببسين (Pepsin)
الهاضم
للبروتينات كما يحول دون انتفاع الجسم بالعديد من الفيتامينات من مثل فيتامين (ب)
المركب
‏.‏
(3) وإدمان الخمر قد يؤدي كذلك إلى تلف كل من الكلى والكبد،
وتدمير خلاياهما وأنسجتهما‏,‏ وقد ينتهي الأمر بالكبد إلى نقص كفاءته في تمثيل
الجلوكوز ثم بالكليتين إلى التوقف عن أداء وظائفها، وما يصاحب ذلك من اضطرابات
وأمراض وآلام مبرحة‏.‏
(4) وأخطر من ذلك كله ما ينتج عن إدمان الخمور من
اضطرابات في القلب‏, ‏نتيجة للارتفاع في ضغطه، وسرعة في نبضه تؤديان إلى اعتلال في
عضلته وصماماته‏,‏ وإلى تصلب الشرايين وضيقها، وإلى فقر في الدم واضطراب في الضغط،
مما قد يقعد المدمن عن العمل، ويفضي به إلى الموت خاصة وأن ذلك قد يصاحب بالتهابات
شديدة في كل من القصبة الهوائية والرئتين‏.‏
(5) وفوق ذلك كله فإن الخمر تضعف
أجهزة المناعة في الجسم،‏ ومن ثم تضعف مقاومته للأمراض‏.‏

(ج)‏ تدمير النسل‏:‏
للكحوليات
والمواد الملونة والحافظة للخمور أضرار بليغة على الغدد التناسلية في كلٍ من الرجال
والنساء، مما يؤدي إلى اضطرابات غير محمودة العواقب فيها‏,‏ منها:
(1) الضعف
الشديد، أو الهياج الجنسي الشديد، وما لذلك من مخاطره الأسرية والاجتماعية
والسلوكية، وإشاعة الطلاق والفواحش والجرائم في المجتمعات‏،‏ ومنها العجز والبرود
الجنسي‏,‏ ووصول المرأة إلى سن اليأس مبكراً بعد سلسلة من الاضطرابات
الحيضية‏.‏
(2) وللكحوليات المكونة للخمور آثار مدمرة على الشيفرة الوراثية وعلى
الصبغيات الحاملة لها في الخلايا التناسلية بصفة خاصة، مما يؤدي إلى إنتاج نِطَاف
مشوهة تؤدي إلى أجنة مشوهة‏,‏ فيورث كلٌ من المدمن والمدمنة نسله شيفرة وراثية
مدمرة بما تحمله من تشوهات قد تؤدي إلى التخلف العقلي، أو القصور الجسدي، أو
الأمراض والعلل التي قد تفضي إلى الموت قبل الميلاد أو بعده‏، وإذا نجا الجنين من
الموت، فإن الأعطاب في شيفرته الوراثية قد تستمر في نسله إلى العديد من الأجيال
(Forrest,A,1985:Alcoholism and) Substance Abuse;New
York
)

(3)
كذلك فإن الأم المدمنة للخمور تنقل مرض الإدمان إلى جنينها‏‏ وهي حامل
به عبر المشيمة‏,‏ وأثناء إرضاعه بعد الميلاد عبر لبنها‏,‏ وقد أشاع تجار الخمور أن
تناولها بواسطة الأم المرضع يساعد على إدرار لبنها‏,‏ ولكن ثبت بالتجربة بطلان هذا
الزعم وأخطاره الصحية على كلٍ من الأم ورضيعها‏،‏ فالرضيع الذي يتلقى كحوليات
الخمور مع لبن أمه المدمنة يضطرب نومه‏,‏ وتعنف حركاته‏,‏ ومع تركز كميات من هذه
الكحوليات في جسده فإنه قد يصاب بالإدمان قبل أن يفطم، كما قد يصاب بعدد من
التشوهات الخلقية.‏

‏(
-Julie Mennella,1999 in Hanningan and others(eds
,:Alcohol and Alcoholism

:Brain and Development

‏‏ Julie Mennella: Alcohol'S Effect on Location-. New Jersey
:Lawrence Earlbaum Associates, Inc.


(د)‏ إهدار الأموال ينفق على:‏
(1) تصنيع
وتسويق الخمر والدعاية لترويجه آلاف الملايين من الدولارات سنوياً في مختلف دول
العالم.‏
(2)كما تنفق مئات الملايين من الدولارات على علاج
المدمنين‏.
(3) والخسائر الاقتصادية الناجمة عن الإدمان من إهمال وتغيب عن العمل
وحوادث تقدر بمئات البلايين من الدولارات سنوياً‏,‏ في الوقت الذي يتضور فيه من
الجوع أكثر من نصف سكان الأرض‏,‏ ولو وجهت هذه المليارات من الدولارات إلى إعمار
الأرض ما بقي بها جائع‏.‏‏
(هـ) ازدياد معدلات الجرائم وحوادث الطرق‏:‏ يتزايد
أعداد معاقري الخمور في العالم بصورة مطردة‏,‏ ومع هذا التزايد تتفاقم معدلات
الجريمة وعدد القتلى و العجزة من المصابين في حوادث الطرق‏,‏ وجرائم الاغتصاب
والسرقة بالإكراه‏,‏ والطلاق‏,‏ والعنف‏,‏ والانتحار وغيرها‏.‏
وفي دراسة عن
الولايات المتحدة الأمريكية ذكر أن نصف جرائم الانتحار، و‏34%‏ من جرائم
الاغتصاب‏,‏ و‏64%‏ من حوادث السير المؤدية إلى الوفاة سببها إدمان الخمور‏،‏ كما
جاء بها أن ‏93%‏ من الأمريكيين يشربون الخمر، وأن أكثر من ‏10%‏ منهم مدمنون
إدماناً مرضياً كاملاً
. (Harrisons PrincipesInternal) Medicine,1991,Mc Graw
Hill New York
)

ثانيا‏:‏ التأكيد على أخطار الميسر‏:‏
الميسر هو
القمار بمعنى كسب المال أو خسارته بسهولة ويسر‏,‏ وفي الميسر:
(1) فساد
للمال
.
(2) وفساد
للقلب.
(3) وإهدار للوقت.
(4) وضياع
للعديد من الأخلاق والقيم‏.‏ والمال وسيلة تقويم جهود وممتلكات الآخرين‏,‏ فلا يجوز
أن يكتسب إلا بإنتاجية حقيقية‏,‏ ولا أن يضيع إلا بحق مشروع‏.‏
(5) وهو أحد
وسائل انتشار العداوة والبغضاء بين الناس‏,‏ فالميسر عادة ما ينتهي إلى نزاع بين كل
الكاسب والخاسر وإلى انتشار الأحقاد والضغائن بين الناس وإلى خراب البيوت‏,‏ وإلى
حسرة وندامة‏,‏ وقد أغوى الشيطان الإنسان بالقمار منذ القدم‏,‏ فوجدت آثار تدل عليه
في كل الحضارات القديمة‏,‏ وثبت أنه لا ينتهي إلا بالمعارك والسباب واللعان‏,‏ وأنه
يدفع بالناس إلى إهدار الوقت والتكاسل عن العمل والإنتاج‏,‏ كما يشجع على الخداع
والمناورة‏,‏ وعلى السرقة‏,‏ وعلى غيرها من الجرائم‏,‏ وكان القمار محرماً في دولة
مثل انجلترا حتى سنة‏1960‏ م‏,‏ وإن كان شياطين الإنس قد بدأوا في محاولات التشريع
له منذ أوائل الخمسينيات حتى عمَّ شره مختلف أرجاء العالم، وأصبح مرضاًَ يصيب
مقترفه بالإدمان،‏ وأدى إلى خراب كثير من البيوت والمؤسسات، وإلى انتشار الجرائم
بمختلف صورها في العديد من المجتمعات‏.‏
ثالثا‏ًً:‏ التأكيد على أن إثمهما أكبر من
نفعهما‏:‏
تشير كل
الدراسات إلى أن أخطار كل من الخمر والميسر، على الرغم من إمكانية تحقيق بعض
المنافع من بيع الخمر أو ممارسة القمار، ولكن هذه المنافع المحدودة لا يمكن أن
تقارن بالمضار والمفاسد الناتجة عن اقترافهما، ومن هنا كان القرار الإلهي يقول
ربنا-تبارك وتعالى- : (وإثمهما أكبر من نفعهما)
وما أمر ربنا ـ
تبارك وتعالى ـ إلا بخير‏,‏ وما نهى إلا عن شر‏,‏ وهنا تتضح نعمة القرآن الكريم كما
يتضح فضل البعثة المحمدية المباركة على الناس جميعا إذا التزموا بما جاء فيها من
هداية ربانية فنفذوا الأوامر، واجتنبوا النواهي حتى تستقيم حياتهم على هذه الأرض،
وحتى يتمكنوا من تحقيق رسالة الإنسان في هذه الحياة على الوجه الذي يرضاه
الله-تعالى-فتتحقق بذلك سعادة البشر أجمعين.
فالحمد لله على نعمة القرآن‏,‏
والحمد لله على نعمة الإسلام‏,‏ والحمد لله على بعثة سيد الأنام سيدنا محمد بن عبد
الله، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه، ومن تبع هداه، ودعا بدعوته إلى يوم
الدين‏. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏.‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alredaalnoor.0wn0.com
نبيلة محمود خليل
Admin


عدد المساهمات : 884
تاريخ التسجيل : 20/08/2010

مُساهمةموضوع: رد: الأعجاز التشريعى   الخميس سبتمبر 22, 2011 2:47 pm

وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا
نَكَالاً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ " (المائدة:38)

هـــذا النص القرآني
المعجز جاء في مطلع سورة المائدة‏,‏ وهي سورة مدنية‏,‏ وعدد
آياتها‏(120)‏
بعد البسملة‏,‏ وهي من طوال سور القرآن الكريم‏,‏ ومن أواخرها
نزولاً‏,‏ وسميت
بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلى المائدة التي أنزلها الله ـ‏
تعالى ـ‏ من
السماء كرامة
لعبده ورسوله‏‏
المسيح عيسى ابن مريم.
‏ويدور المحور الرئيسي
للسورة حول
التشريع الإسلامي بعدد من الأحكام اللازمة لإقامة دولة الإسلام‏,‏
ولتنظيم المجتمع
فيها على مختلف المستويات تنظيماً ينطلق من ركائز العقيدة
الإسلامية
القائمة على توحيد الخالق ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ ومراقبته في السر
والعلن‏,‏
والاستعداد لملاقاته بعد هذه الحياة الدنيا بصفحة مليئة بصالح الأعمال
علها تكسب مرضاة
الله‏,‏ والفوز بالجنة‏,‏ والنجاة من النار‏,‏ وكذلك كان أول بنود
هذا التشريع
الإسلامي هو عقد الإيمان بالله رباً واحداً أحدا‏ًً,‏ وبالإسلام ديناً
خالصا‏ًً,‏
وبسيدنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ نبياً ورسولاً‏,‏ وكان هذا العقد
هو القاعدة التي
تقوم عليها سائر العقود في حياة المسلمين‏ أفراداً وجماعات‏,‏ ومن
هنا نصت سورة
المائدة على الوفاء بالعقود‏ وعلى بيان الحلال والحرام في العديد من القضايا حتى
يصل المسلمون إلى الكمال البشري الذي يصفه الله(تعالى) بقوله العزيز
"اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلاَ
تَخْشَوْهُمْ
وَاخْشَوْنِ
اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
وَأَتْمَمْتُ
عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي
وَرَضِيتُ
لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ
لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" (المائدة: 3)

ويتخلل آيات التشريع في سورة المائدة تأكيد سمو العقيدة الإسلامية‏ ,‏
واستعراض قصص عدد من السابقين لاستخلاص العظة والعبرة‏ ,‏ ومنها قصة ولدي آدم‏
قابيل وهابيل‏ وقتل الأول منهما أخاه رمزا للصراع بين الحق والباطل في هذه الحياة‏
.‏ وتأمر الآيات في سورة المائدة المؤمنين أن يكونوا قوامين لله شهداء بالقسط
وتبشرهم بالمغفرة والأجر العظيم‏ ,‏ وتتهدد الذين كفروا وكذبوا بآيات الله أن
مصيرهم إلى الجحيم‏ ,‏ وكذلك مصير المشركين .‏
وتعرض سورة المائدة لعقائد الكفار
والمشركين وترد عليها‏ ,‏ وقد نسبوا إلى الله‏ (تعالى‏)‏ من الأوصاف والنعوت ما لا
يليق بجلاله‏ ,‏ ونقضوا العهود والمواثيق‏ ,‏ وتنادي السورة الكريمة على أهل الكتاب
بنداء يتكرر عدة مرات وذلك من مثل قول الحق‏ (تبارك وتعالى‏)
: ‏" يَا
أَهْلَ الكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ
الرُّسُلِ أَن تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ
وَلاَ نَذِيرٍ
فَقَدْ جَاءَكُم بَشِيرٌ
وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ
عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " (المائدة19)‏ .
ثم تعرض السورة
الكريمة لعدد من الأحكام المتعلقة بحماية النفس‏ ,‏ والمال والملكيات الفردية‏ ,‏
والمجتمعات الإنسانية‏ ,‏ وصيانتها من كل انحراف‏ ,‏ كما تعرض للسلطة وحقوقها‏ ,‏
وإلى ضرورة الحكم بما أنزل الله‏ ,‏ وتجرم الخروج على ذلك‏ ,‏ لأن حق التشريع بالحل
والحرمة هو لله‏ (تعالى ‏)‏ وحده‏ .‏
وتفصل سورة المائدة قضية الولاء والبراء
مؤكدة دورها في ضبط سلوك الأفراد والجماعات في الدولة المسلمة‏ ,‏ وتعرج إلى إقرار
عدد من الأحكام الشرعية مؤكدة تحريم كل من الخمر‏ ,‏ والميسر‏ ,‏ والأنصاب
والأزلام‏ ,‏ وتدعو إلى تعظيم كل من الكعبة المشرفة والأشهر الحرم‏ ,‏ وتأمر بطاعة
الله ورسوله وتنهى عن مخالفتهما‏ ,‏ وتذكر بحتمية الآخرة‏ ,‏ وتدعو إلى عدم
الانبهار بكثرة الباطل وأهله‏ ,‏ وإلى إنكار كل ما بقي من تقاليد الجاهلية‏ ,‏ و‏
(‏ما أكثرها في زمننا‏) .‏
وتختتم سورة المائدة بالتذكير بيوم القيامة الذي سوف
تبعث فيه الخلائق للحساب والجزاء‏ ,‏ وبالإشارة‏ إلى عدد من المعجزات التي أيد
الله‏ (تعالى‏)‏ بها عبده ورسوله المسيح عيسي ابن مريم ومنها إنزال المائدة من
السماء‏ ,‏ وقد سميت السورة باسمها‏ ,‏ ومنها تبرئة السيد المسيح وأمه الصديقة مريم
ابنة عمران مما افتري عليهما به من دعاوي الإلوهية الكاذبة‏ ,‏ وكلاهما من عباد
الله الصالحين‏ ,‏ والله واحد أحد لا شريك له في ملكه‏ ,‏ ولا منازع له في سلطانه‏
,‏ ولا حاجة به إلى الصاحبة أو الولد‏ ,‏ وكلها من صفات المخلوقين‏ ,‏ والله‏
(تعالى‏)‏ منزه عن جميع صفات خلقه وعدد كل وصف لا يليق بجلاله.


من التشريعات الإسلامية
(1)‏ الوفاء بالعقود أي العهود المؤكدة بين العباد وخالقهم‏ ,‏
وبينهم وبين بعضهم البعض‏ ,‏ فمن العقود ما ألزم الله‏ (تعالى ‏)‏ به عباده‏ ,‏
وعقده عليهم من التكاليف من مثل شهادة أنه لا إله إلا الله‏ ,‏ وأن محمدا عبد الله
ورسوله‏ ,‏ وإقام الصلاة‏ ,‏ وإيتاء الزكاة‏ ,‏ وصوم رمضان‏ ,‏ وحج البيت لمن
استطاع إليه سبيلا‏ .‏ ومن العقود ما يعقده الناس فيما بينهم في المعاملات‏ ,‏
والأمانات وغيرها مما يجب شرعا الوفاء به أي الإتيان به وافيا غير
منقوص‏
.‏
(2)‏ تحليل أكل لحوم الأنعام وألبانها إلا ما حرم الله‏ (تعالى
‏)‏ منها‏ ,‏ كالخنزير، والبهيمة اسم لذوات الأربع من الدواب‏ ,‏ ولفظة الأنعام
يطلقها العرب على كل من الإبل‏ ,‏ والبقر‏ ,‏ والغنم‏ ,‏ والماعز‏ ,‏ وإن كان أكثر
ما يقع هذا الاسم على الإبل‏ ,‏ وألحق بها في حل الأكل ما يماثلها من الثدييات
اللبونة المجترة المقتصرة على أكل الأعشاب كالظباء‏ ,‏ والغزلان‏ ,‏ والزراف‏ ,‏
وبقر الوحش‏ ,‏ وأشباهها‏ .‏
‏(3)‏ تحريم الصيد على المحرم أو حتى مجرد الانتفاع
به سواء كان المحرم في الحل أو في الحرم‏ ,‏ وفي حكم المحرم من كان مقيما في الحرم
وليس محرما‏ ,‏ وتحديد وكفارة ذلك‏ .‏
‏(4)‏ احترام حرمة الدين وشعائره ومن ذلك
حرمة الكعبة المشرفة‏ ,‏ وحرمها والحج ومناسكه‏ ,‏ والأشهر الحرم الأربعة والامتناع
عن الاقتتال فيها‏ ,‏ وحرمة ما يهدي إلى البيت الحرام‏ ,‏ وما يقلد به الهدي‏ ,‏
وحرمة الحجاج القاصدين البيت الحرام‏ ,‏ وحرمة أمنهم وسلامتهم ‏ .‏
‏(5)‏ الأمر
بالتعاون على البر والتقوى‏ (أي على فعل الطاعات‏ ,‏ واجتناب المنكرات‏)‏ والنهي عن
التعاون على الإثم والعدوان أي عن مجاوزة حدود الله تعالى .‏
(6)‏ تحريم كل من
الميتة‏ ,‏ والدم‏ ,‏ ولحم الخنزير‏ , وما أهل لغير الله به‏ ,‏ والمنخنقة
والموقوذة‏ ,‏ والمتردية‏ ,‏ والنطيحة‏ ,‏ وما أكل السبع‏ (إلا ما أدرك ذكاؤه أي
إتمام ذبحه قبل أن يموت‏) ,‏ وما ذبح على النصب‏ , (وهي أحجار كانت تعظم في
الجاهلية‏ ,‏ ويذبح عليها وهي غير الأصنام‏) ,‏ إلا من اضطر غير باغ ولا عاد فإن
الله غفور رحيم ‏ .‏
(7)‏ تحريم الاستقسام بالأزلام أي محاولة استشراف المستقبل
بواسطة القداح‏ ,‏ وهي سهام كانت لديهم في الجاهلية‏ ,‏ ولا تختلف عن غيرها من
وسائل الدجل المعاصرة من مثل قراءة الطالع‏ ,‏ أو الفنجان‏ ,‏ أو فتح أوراق اللعب
وغيرها‏ ,‏ لأن ذلك كله خروج عن طاعة الله وعن الاستسلام لقدره‏ .‏
(Cool‏ لا يجوز
للمسلم أن يخشي غير الله أبدا‏ ,‏ أو أن يوالي أهل الكفر والشرك لأنهم أضعف من
الضعف والله لا يرضى عنهم أبدا‏ ,‏ ويرضى عن المسلمين الذين أكمل لهم دينهم‏ ,‏
وأتم عليهم نعمه‏ ,‏ ورضي لهم الإسلام دينا‏ ,‏ ومن كان في جوار الله كان الله في
جواره‏ ,‏ ولا يقوى على مواجهة الله أحد من خلقه بل لا يقوى على ذلك جميع خلقه ‏
.‏
(9)‏ أحل الله‏ (تعالى ‏)‏ للمسلمين كل الطيبات‏ ,‏ وأذن في أكلها بما في ذلك
صيد البحر وطعامه‏ ,‏ وصيد البر غير المحرم بعد ذكر اسم الله على وسيلة الصيد من
الجوارح قبل إطلاقها‏ .‏ ومما أحل الله‏ (تعالى)‏ لعباده المسلمين ذبائح أهل الكتاب
وطعامهم إذا ذكروا عليها اسم الله أثناء الذبح‏ .‏
(10)‏ أحل الله‏ (تعالى)‏
للمسلمين زواج المؤمنات‏ ,‏ كما أحل لهم زواج المحصنات من الذين أوتوا الكتاب من
قبل‏ ,‏ أي العفيفات المترفعات عن الرذائل‏ ,‏ وذلك بالطرق الإسلامية المشروعة بعد
دفع مهورهن‏ ,‏ وعدم الاختلاء بهن قبل الزواج بدعوى الصداقة أو حسن التعرف كما يجري
في هذه الأيام‏ .‏
(11)‏ فصلت الآيات في سورة المائدة أحكام الطهارة في جميع
الحالات‏ .‏
(12)‏ الأمر بالعدل في كل أمر‏ ,‏ وبتقوى الله‏ (تعالى‏)‏ في السر
والعلن‏ ,‏ وبالتوكل على الله حق التوكل‏ ,‏ وبالنهي عن الاعتداء على الآخرين‏
.‏
(13)‏ تحريم القتل بغير الحق تحريما قاطعا‏ .‏
(14)‏ تحريم قطع الطريق
وتحديد عقوبته‏ .‏
(15)‏ الأمر بتقوى الله‏ ,‏ وابتغاء الوسيلة إليه‏ ,‏ والجهاد
في سبيله‏ .‏
(16)‏ تحريم السرقة وتحديد عقوبتها‏ ,‏ والنهي عن أكل السحت
بأشكاله المختلفة‏ .‏
(17)‏ تأكيد ضرورة الحكم بما أنزل الله‏ .‏
(18)‏ إنزال
حكم القصاص‏ ,‏ فمن تصدق به فهو كفارة له‏ .‏
(19)‏ إنزال حكم الولاء والبراء‏
,‏ وحكم الردة‏ ,‏ وحكم الحنث في اليمين‏ .‏
(20)‏ تحريم الشرك بالله تحريما
قاطعا‏ ,‏ ومساواته بالكفر,‏ وإنزال حكم الله فيه‏
" إِنَّهُ
مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ
وَمَأْوَاهُ
النَّارُ
وَمَا
لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ‏" (المائدة72)‏ .
(21)‏ تحريم كل من الخمر والميسر والأنصاب والأزلام واعتبارها رجسا من
عمل الشيطان يجب على المسلم اجتنابه .‏
(22)‏ الأمر بطاعة الله ورسوله‏ ,‏ وبعمل
الصالحات وبالإحسان إلى الخلق ‏ .‏
(23)‏ حكم الوصية ساعة الاحتضار أو قبل ذلك ‏
.‏


من ركائز العقيدة

‏(1)‏
الإيمان بالله‏ ,‏ وملائكته‏ ,‏ وكتبه‏ ,‏ ورسوله‏ ,‏ واليوم‏ ,‏
الآخر‏ ,‏ وبالقدر خيره وشره‏ .‏
‏(2)‏ الإيمان ببعثة النبي الخاتم والرسول
الخاتم‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ الذي أكمل الله‏ (سبحانه
وتعالى‏)‏ به الدين‏ ,‏ وأتم النعمة‏ ,‏ ورضي لعباده المؤمنين الإسلام دينا‏
.‏
‏(3)‏ اليقين بأن الرسالة الخاتمة جاءت لتبين لأهل الكتاب كثيرا مما اختلفوا
فيه‏ .‏
‏(4)‏ اليقين بأن الشرك يساوي الكفر بالله وكلاهما من الكبائر‏
.‏
‏(5)‏ الإيمان بأن لله ما في السماوات‏ ,‏ وما في الأرض وما بينهما‏ ,‏ وأنه‏
(تعالى‏)‏ على كل شيء قدير وإليه المصير‏ ,‏ وأنه رب هذا الكون ومليكه بغير شريك‏
,‏ ولا شبيه‏ ,‏ ولا منازع‏ ,‏ ولا صاحبة ولا ولد لأن هذه كلها من صفات المخلوقين‏
,‏ والله‏ (سبحانه وتعالى ‏)‏ منزه عن جميع صفات خلقه‏ ,‏ وعن كل وصف لا يليق
بجلاله‏ .‏
‏(6)‏ الإيمان بوحدة رسالة السماء‏ ,‏ وبالأخوة بين الأنبياء الذين
بعثوا جميعا برسالة واحدة هي الإسلام الذي تكامل في بعثة النبي الخاتم والرسول
الخاتم‏ (صلى الله عليه وسلم‏) .‏
‏(7)‏ الإيمان الجازم بأن المسيح عيسي ابن
مريم هو عبد الله ورسوله‏ ,‏ وأنه خلت من قبله الرسل‏ ,‏ وأنه بشر بمقدم خاتم
الأنبياء‏ ,‏ والمرسلين‏ (صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏)‏ من بعده‏ ,‏
وأن الفضل في المعجزات التي أكرمه الله‏ (تعالى ‏)‏ بها يعود لله‏ (تعالى ‏)‏ ولا
فضل له فيها‏ ,‏ وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام‏ .‏
‏(Cool‏ الإيمان بأنه من قتل
نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا
الناس جميعا .

‏(9)‏ الإيمان بأن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله
معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم‏ .‏
‏(10)‏
الإيمان بالحقيقة القرآنية التي مؤداها‏ لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود
والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم
قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون‏ .‏
(11)‏ الإيمان بأن حزب الله هم الغالبون‏
.‏
من الإشارات العلمية والتشريعية
‏(1)‏ تحريم كل من الميتة‏ ,‏ والدم‏ ,‏ ولحم الخنزير‏ ,‏ وما أهل لغير
الله به‏ ,‏ والمنخنقة‏ ,‏ والموقوذة‏ ,‏ والمتردية‏ ,‏ والنطيحة‏ ,‏ وما أكل السبع
إلا ما ذُكِّي‏ والعلم يؤكد أخطار تناول مثل هذه اللحوم‏ .‏
‏(2)‏ التأكيد على
البينية الفاصلة بين الأرض والسماوات‏, والعلم يؤكد حقيقة ذلك‏ .‏
‏(3)‏ تأكيد
حقيقة تحريف اليهود لدينهم,‏ وأنهم سماعون للكذب أكالون للسحت‏ ,‏ يسارعون في
الإثم‏ ,‏ والعدوان‏ ,‏ وأنهم أشد الناس عداوة للذين آمنوا‏ ,‏ والأحداث الراهنة
تؤكد حقيقة ذلك وتدعمه‏ .‏
‏(4)‏ تحريم كل من الخمر‏ ,‏ والميسر‏ ,‏ والأنصاب
والأزلام‏ ,‏ والعلم يؤكد ضرورة ذلك التحريم‏ .‏
‏(5)‏ تأكيد كرامة الكعبة
المشرفة بجعلها قياما للناس‏ ,‏ والعلم يثبت تميز موقعها‏ .‏
‏(6)‏ الإشارة إلى
أن كثيرا من الناس لفاسقين وتسابق الإدارات الغربية على إباحة زواج الشاذين في هذه
الأيام إثبات مادي لذلك ‏ .‏
(7)‏ اختيار الغراب بالذات ودون غيره من الطيور
والحيوانات لتعليم قابيل كيف يواري سوءة أخيه‏ .‏ والعلم أثبت أنه أذكي الطيور على
الإطلاق‏ .‏
(Cool تأكيد حكم
الله –تعالى- في كل من السارق والسارقة.

وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة مستقلة‏ ,‏ ولذلك فسوف
أقصر حديثي هنا على النقطة الثامنة من القائمة السابقة التي فصلتها الآية رقم‏
(38)‏ من سورة المائدة‏ لإبراز دلالتها العلمية والتشريعية .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alredaalnoor.0wn0.com
نبيلة محمود خليل
Admin


عدد المساهمات : 884
تاريخ التسجيل : 20/08/2010

مُساهمةموضوع: رد: الأعجاز التشريعى   الأحد سبتمبر 25, 2011 2:29 am

فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً
يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظاًّ مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ
وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ .."
( المائدة : 13

هذا النص
القرآني الكريم جاء في بدايات سورة المائدة‏,‏ وهي سورة مدنية‏,‏ وآياتها120‏ بعد
البسملة‏,‏ وهي من طوال سور القرآن الكريم‏,‏ ومن أواخرها نزولا‏,‏ وقد سميت بهذا
الاسم لورود الإشارة فيها إلي المائدة التي طلبها الحواريون فأنزلها الله‏-
تعالي‏-‏ من السماء كرامة لعبده ورسوله المسيح عيسي بن مريم‏.
ويدور المحور
الرئيسي لسورة المائدة حول التشريع بعدد من الأحكام اللازمة لإقامة الدولة
الإسلامية‏,‏ وتنظيم مجتمعاتها علي أساس من الإيمان بالخالق-‏ سبحانه وتعالى‏-,‏
وبألوهيته‏,‏ وربوبيته‏.‏
ويتخلل آيات
التشريع في سورة المائدة تأكيد سمو العقيدة الإسلامية‏,‏ واستعراض قصص عدد من
السابقين لاستخلاص العظة والعبرة‏,‏ ومنها قصة ولدي آدم قابيل وهابيل وقتل الأول
منهما أخاه رمزا للصراع بين الحق والباطل في هذه الحياة‏.‏
وتعرض السورة
الكريمة لأحكام الإسلام العظيم‏,‏ وتكل المسلم في ذلك إلي تقوي الله وخشيته والحرص
علي حسن عبادته‏,‏ وتأمر المؤمنين أن يكونوا قوامين لله شهداء بالقسط وتبشرهم
بالمغفرة والأجر العظيم‏,‏ وتتهدد الذين كفروا وكذبوا بآيات الله أو أشركوا به أن
مصيرهم إلي الجحيم‏.‏
وتعرض سورة
المائدة للعقائد الفاسدة لكل من الكفار والمشركين وترد عليها‏,‏ وقد نسبوا الي
الله‏- تعالى‏-‏ من الأوصاف والنعوت مالا يليق بجلاله‏,‏ ونقضوا جميع العهود
والمواثيق‏,‏ وتنادي السورة الكريمة علي أهل الكتاب بنداء يتكرر عدة مرات وذلك من
مثل قول الحق-

تبارك وتعالي‏-:‏ "يَا أَهْلَ
الكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ
الرُّسُلِ أَن تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ
وَلاَ نَذِيرٍ
فَقَدْ جَاءَكُم بَشِيرٌ
وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ
عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"
‏(‏
المائدة‏:19).‏
ثم تعرض السورة
الكريمة لعدد من الأحكام المتعلقة بحماية النفس والمال والملكيات الفردية
والعامة‏,‏ وحماية المجتمعات الإنسانية كلها‏,‏ وصيانتها من كل انحراف‏,‏ كما تعرض
للسلطة وحقوقها‏,‏ وإلي ضرورة الحكم بما أنزل الله‏,‏ وتجرم الخروج علي ذلك‏,‏ لأن
حق التشريع بالحل والحرمة هو لله-‏ تعالى- وحده‏,‏ وتؤكد تأييد الله ـ تعالي ـ
لخاتم أنبيائه ورسله ـ صلي الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين ـ في مواجهته لكفر
الكافرين‏,‏ وغطرستهم‏,‏ وكذبهم‏.‏
وتفصل سورة
المائدة قضية الولاء والبراء مؤكدة دورها في ضبط سلوك الأفراد والجماعات في الدولة
المسلمة‏,‏ وتعرج إلي إقرار عدد من الأحكام الشرعية‏.‏
وتختتم سورة
المائدة بالتذكير بيوم القيامة الذي سوف تبعث فيه الخلائق للحساب والجزاء‏,‏ وفي
مقدمتهم الأنبياء والمرسلون‏,‏ وبالإشارة إلي عدد من المعجزات التي أيد الله‏-‏
تعالي-‏ بها عبده ورسوله المسيح عيسي ابن مريم‏.‏


من التشريعات الإسلامية في سورة المائدة‏:‏
(1)‏ الوفاء بالعقود أي العهود المؤكدة بين العباد وخالقهم‏,‏
وبينهم وبين بعضهم البعض‏.‏
‏(2)‏ الحكم بما
أنزل الله ـ تعالي ـ والالتزام بحدوده‏.‏
(3)‏ الأمر
بالمحافظة علي شعائر الإسلام كلها وفرائضه واحترام حرمة الدين وشعائره من مثل
الكعبة المشرفة‏,‏ وحرمها والحج ومناسكه‏,‏ والأشهر الحرم الأربعة والامتناع عن
الاقتتال فيها‏,‏ وحرمة مايهدي الي البيت الحرام‏,‏ ومايقلد به الهدي‏,‏ وحرمة
الحجاج القاصدين البيت الحرام‏,‏ وحرمة أمنهم وسلامتهم‏.‏
‏(4)‏ الأمر
بالجهاد في سبيل الله دفعا لظلم الظالمين وجور الجائرين الصائلين
المعتدين‏.‏
‏(5)‏ تحليل أكل
لحوم الأنعام وشرب ألبانها إلا ما حرم الله‏- تعالى-‏ منها‏.‏وتحريم كل من
الميتة‏,‏ والدم‏,‏ ولحم الخنزير‏,‏ وما أهل لغير الله به‏,‏والمنخنقة والموقوذة
والمتردية‏,‏ والنطحية‏,‏ وما أكل السبع‏(‏ إلا ما أدرك ذكاؤه أي إتمام ذبحه قبل أن
يموت‏),‏ وتحريم كل ماذبح علي النصب‏(‏ وهي أحجار كانت تعظم في الجاهلية‏,‏ ويذبح
عليها وهي غير الأصنام‏),‏ إلا من اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور
رحيم‏.‏
(6)‏ تحريم الصيد أو الانتفاع به علي المحرم سواء كان في الحل أو في
الحرم‏,‏ وفي حكم المحرم من كان مقيما في الحرم وليس محرما‏,‏ وتحديد كفارة
ذلك‏.
(7)‏ الأمر بالتعاون علي البر والتقوى‏: أي علي فعل الطاعات‏,‏ واجتناب
المنكرات والنهي عن التعاون علي الإثم والعدوان أي عن مجاوزة حدود الله
تعالي‏.‏
‏(Cool‏ تحريم الاستقسام بالأزلام أي محاولة استشراف المستقبل بواسطة
القداح‏,‏ وهي سهام كانت لديهم في الجاهلية‏,‏ ولا تختلف عن غيرها من وسائل الدجل
المعاصرة من مثل قراءة الطالع‏,‏ أو الفنجان‏,‏ أو فتح أوراق اللعب
وغيرها‏.‏
‏(9)‏ الأمر بطاعة الله ورسوله‏,‏ وبعمل الصالحات‏,‏ وتحريم خشية غير
الله‏,‏ خاصة أهل الكفر والشرك‏.‏
(10)‏ أحل
الله‏-‏ تعالى‏- للمسلمين كل الطيبات‏,‏ وهو ما أذن في أكله بما في ذلك صيد البحر
وطعامه‏,‏ وصيد البر غير المحرم بعد ذكر اسم الله علي وسيلة الصيد من الجوارح قبل
اطلاقها‏,‏ ومما أحل الله-‏ تعالي‏-‏ لعباده المسلمين ذبائح أهل الكتاب وطعامهم إذا
ذكروا عليها اسم الله أثناء الذبح‏.‏
‏(11)‏أحل
الله‏- تعالي-‏ للمسلمين زواج المحصنات من المؤمنات‏,‏ والمحصنات: أي العفيفات
المترفعات عن الرذائل من الذين أوتوا الكتاب من قبل‏,‏ وذلك بالطرق الإسلامية
المشروعة بعد دفع مهورهن‏,‏ وعدم الاختلاء بهن قبل الزواج بدعوي الصداقة أو حسن
التعرف كما يجري في هذه الأيام‏.‏
(12)‏ تفصيل
أحكام الطهارة في جميع الحالات‏.‏
‏(13)‏ التشريع
بالعدل في كل أمر وبتقوي الله‏- تعالى-‏ في السر والعلن‏,‏ وبالتوكل عليه حق
التوكل‏,‏ وابتغاء الوسيلة إليه‏.‏
(14)‏ تحريم قتل
النفس التي حرم الله إلا بالحق تحريما قاطعا وتحديد عقوبة القاتل‏,‏ وإنزال حكم
القصاص‏,‏ فمن تصدق به فهو كفارة له‏.‏
‏(15)‏ تحريم
قطع الطريق وتحديد عقوبته‏,‏ وعقوبة غير ذلك من صور الاعتداء علي
الخلق‏.‏
(16)‏ تحريم السرقة وتحديد عقوبتها‏,‏ والنهي عن أكل السحت بأشكاله
المختلفة ومنه الربا والرشوة‏,‏ والغش في التجارة والصنعة‏,‏ وتطفيف كل من المكاييل
والموازين‏.‏
‏(17)‏ إنزال
حكم الولاء والبراء‏,‏ وحكم الردة‏,‏ وحكم الحنث في اليمين‏.‏
(18)‏ تحريم
الشرك بالله تحريما قاطعا‏,‏ ومساواته بالكفر بالله‏,‏ وإنزال حكم الله فيه:
"...إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ
الجَنَّةَ
وَمَأْوَاهُ
النَّارُ
وَمَا
لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ"
‏(‏المائدة‏72)‏.
(19)‏ تحريم كل
من الخمر والميسر والأنصاب والأزلام واعتبارها رجسا من عمل الشيطان يجب علي المسلم
اجتنابه كل الإجتناب‏.‏
‏(20)‏ تفصيل
حكم الوصية‏.‏


من ركائز العقيدة في سورة المائدة‏:‏
‏(1)‏ الإيمان
بالله‏,‏ وملائكته‏,‏ وكتبه‏,‏ ورسله‏,‏ واليوم الآخر‏,‏ وبالقدر خيره وشره‏,‏
وتوحيد الله ـ تعالي ـ والاتباع في الدين وعدم الابتداع فيه‏,‏ واليقين بأن الرسالة
الخاتمة جاءت لتبين لأهل الكتاب كثيرا مما اختلفوا فيه‏,‏ واليقين بأن الشرك يساوي
الكفر بالله وكلاهما من أكبر الكبائر‏.‏
‏(2)‏ التصديق
ببعثة النبي والرسول الخاتم‏- صلي الله عليه وسلم-‏ الذي أكمل الله‏-‏ سبحانه
وتعالى‏-‏ برسالته الدين وأتم النعمة‏.‏
(3)‏ الإيمان
بأن لله مافي السموات‏,‏ ومافي الأرض ومابينهما‏,‏ وأنه-‏ تعالى‏-‏ علي كل شئ قدير
وإليه المصير‏,‏ وأنه رب هذا الكون ومليكه ـ بغير شريك‏,‏ ولاشبيه‏,‏ ولامنازع‏,‏
ولاصاحبة ولا ولد ـ لأن هذه كلها من صفات المخلوقين‏,‏ والله-‏ سبحانه وتعالى‏-
منزه عن جميع صفات خلقه‏,‏ وعن كل وصف لايليق بجلاله‏.‏
‏(4)‏ الإيمان
بوحدة رسالة السماء‏,‏ وبالأخوة بين الأنبياء الذين بعثوا جميعا برسالة واحدة هي
الإسلام الذي تكامل في بعثة النبي والرسول الخاتم‏,‏ في القرآن الكريم وفي سنة هذا
النبي الأمين-‏ صلي الله عليه وسلم‏-.‏
(5)‏ اليقين
بنبوة المسيح عيسي ابن مريم وبعبوديته لله ـ تعالي ـ وبالمعجزات التي أجراها الله ـ
تعالي ـ علي يديه‏,‏ كما رواها القرآن الكريم‏,‏ وأنه رسول قد خلت من قبله الرسل
وقد بشر بمقدم خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلي الله عليه وسلم وبارك عليه وعليهم
أجمعين ـ وأن أمه صديقة‏,‏ وأنهما كانا يأكلان الطعام‏.‏
‏(6)‏ الإيمان
بأنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها
فكأنما أحيا الناس جميعا‏,‏ وبأن‏..‏ الذين كفروا لو أن لهم مافي الأرض جميعا ومثله
معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم‏,‏ وأن حزب الله
هم الغالبون‏.‏


من الإشارات العلمية والإنبائية في سورة المائدة‏:‏
(1)‏ تحريم أكل
كل من الميتة‏,‏ ولحم الخنزير‏,‏ وما أهل لغير الله به‏,‏ والمنخنقة‏,‏
والموقوذة‏,‏ والمتردية‏,‏ والنطحية‏,‏ وما أكل السبع إلا ماذكي‏.‏ والعلم يؤكد
أخطار تناول مثل هذه اللحوم‏.‏
‏(2)‏ التأكيد
علي البينية الفاصلة بين الأرض والسماوات‏,‏ والعلم يؤكد حقيقة
ذلك‏.‏
(3)‏ الإشارة إلي تحريف اليهود‏,‏ لكتبهم‏,‏ وأنهم سماعون للكذب أكالون
للسحت‏,‏ يسارعون في الإثم‏,‏ والعدوان‏,‏ وأنهم أشد الناس عداوة للذين آمنوا‏,‏
والأحداث الراهنة تؤكد حقيقة ذلك وتدعمه‏.‏
‏(4)‏ تحريم كل
من الخمر‏,‏ والميسر‏,‏ والأنصاب‏,‏ والأزلام‏,‏ والععلم يؤكد ضرورة ذلك
التحريم‏.‏
‏(5)‏ تأكيد كرامة الكعبة المشرفة بجعلها قياما للناس‏,‏ والعلم يثبت
تميز موقعها‏.‏
(6)‏ الإشارة
الي أن كثيرا من الناس لفاسقون وتسابق الإدارات في الحضارة المادية المعاصرة علي
إباحة زواج الشاذين والسماح لهم بالتبني في هذه الأيام إثبات مادي
لذلك‏.‏
‏(7)‏ إختيار الغراب بالذات ودون غيره من الطيور لتعليم قابيل كيف يواري
سوءة أخيه‏.‏ والعلم أثبت أنه أذكي الطيور علي الإطلاق‏.‏
وكل قضية من هذه
القضايا تحتاج الي معالجة مستقلة‏,‏ ولذلك فسوف أقصر حديثي علي النقطة الثالثة من
القائمة السابقة التي فصلتها الآية رقم‏(13)‏ من سورة المائدة‏,‏ ولكن قبل الوصول
إلى مناقشة دلالتها العلمية لابد من استعراض سريع لأقوال عدد من المفسرين في شرح
هذه الآية الكريمة‏.‏


من أقوال المفسرين‏:‏
في تفسير قوله ـ
تعالي ـ‏:‏
"فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا
قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ
وَنَسُوا
حَظاًّ مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ
وَلاَ تَزَالُ
تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً ..."
(‏المائدة‏:13).‏
‏ ذكر صاحب
الظلال ـ رحمه الله رحمة واسعة ـ مانصه‏:‏ وصدق الله فهذه سمات اليهود التي
لاتفارقهم‏....‏ لعنة تبدو علي سيماهم‏,‏ إذ تنضح بها حياتهم الملعونة المطرودة من
الهداية‏.‏ وقسوة تبدو في ملامحهم الناضبة من بشاشة الرحمة‏,‏ وفي تصرفاتهم الخالية
من المشاعر الإنسانية‏,‏ ومهما حاولوا ـ مكرا ـ إبداء اللين في القول عند الخوف
وعند المصلحة‏,‏ والنعومة في الملمس عند الكيد والوقيعة‏,‏ فإن جفاف الملامح
والسمات ينضح ويشي بجفاف القلوب والأفئدة‏...‏ وطابعهم الأصيل هو تحريف الكلم عن
مواضعه‏.‏ تحريف كتابهم أولا عن صورته التي أنزلها الله علي موسي ـ عليه السلام ـ
إما بإضافة الكثير مما يتضمن أهدافهم الملتوية ويبررها بنصوص من الكتاب مزورة علي
الله‏!!‏ وإما بتفسير النصوص الأصلية الباقية وفق الهوي والمصلحة والهدف الخبيث‏!!‏
ونسيان وإهمال لأوامر دينهم وشريعتهم‏,‏ وعدم تنفيذها في حياتهم ومجتمعهم‏,‏ لأن
تنفيذها يكلفهم الاستقامة علي منهج الله الطاهر اللطيف القويم‏.‏


"وَلاَ تَزَالُ
تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً ..."
,‏ وهو خطاب
للرسول ـ صلي الله عليه وسلم ـ يصور حال يهود في المجتمع المسلم في المدينة‏.‏ فهم
لايكفون عن محاولة خيانة رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ وقد كانت لهم مواقف
خيانة متواترة‏.‏ بل كانت هذه هي حالهم طوال إقامتهم معه في المدينة ـ ثم في
الجزيرة كلها ـ ولاتزال هذه حالهم في المجتمع الإسلامي وهو المجتمع الوحيد الذي
آواهم‏.‏ ورفع عنهم الاضطهاد‏,‏ وعاملهم بالحسني‏,‏ ومكن لهم من الحياة الرغيدة فيه
ولكنهم كانوا دائما كما كانوا علي عهد الرسول ـ عقارب وحيات وثعالب وذئابا تضمر
المكر والخيانة‏,‏ ولا تني تمكر وتغدر‏.‏ إن أعوزتهم القدرة علي التنكيل الظاهر
بالمسلمين نصبوا لهم الشباك وأقاموا لهم المصائد‏,‏ وتآمروا مع كل عدو لهم‏,‏ حتي
تحين الفرصة‏,‏ فينقضوا عليهم‏,‏ قساة حفاة لايرحمونهم‏,‏ ولايرعون فيهم إلا ولا
ذمة‏.‏ أكثرهم كذلك‏..‏ كما وصفهم الله سبحانه في كتابه‏,‏ وكما أنبأنا عن جبلتهم
التي أورثها إياهم‏,‏ نقضهم لميثاق الله من قديم‏.‏


والتعبير
القرآني الخاص عن واقع حال اليهود مع رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ في المدينة
تعبير طريف‏:

"وَلاَ
تَزَالُ
تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً ..."
‏ الفعلة
الخائنة‏,‏ والنية الخائنة‏,‏ والكلمة الخائنة‏,‏ والنظرة الخائنة‏..‏ يجملها النص
بحذف الموصوف‏,‏ وإثبات الصفة‏..

"خَائِنَةٍ"
...‏ لتبقي الخيانة وحدها مجردة‏,‏ تملأ الجو‏,‏ وتلقي بظلالها وحدها
علي القوم‏...‏ فهذا هو جوهر موقفهم مع الرسول ـ صلي الله عليه وسلم ـ ومع الجماعة
المسلمة‏....‏ ويختتم صاحب الظلال ـ رحمه الله رحمة واسعة ـ هذا التفسير الرائع
بقوله هذا القرآن هو معلم هذه الأمة ومرشدها ورائدها وحادي طريقها علي طول
الطريق‏,‏ وهو يكشف لها عن حال أعدائها معها‏,‏ وعن جبلتهم وعن تاريخهم مع هدي الله
كله‏.‏ ولو ظلت هذه الأمة تستشير قرآنها‏,‏ وتسمع توجيهاته‏,‏ وتقيم قواعده
وتشريعاته في حياتها‏,‏ ما استطاع أعداؤها أن ينالوا منها في يوم من الأيام‏...‏
ولكنها حين نقضت ميثاقها مع ربها‏,‏ وحين اتخذت القرآن مهجورا ـ وإن كانت لاتزال
تتخذ منه ترانيم مطربة‏,‏ وتعاويذ ورقي وأدعية؟ ـ أصابها ما أصابها‏.‏ ولقد كان
الله ـ سبحانه وتعالي ـ يقص عليها ما وقع لبني إسرائيل من اللعن والطرد وقسوة القلب
وتحريف الكلم عن مواضعه‏,‏ حين نقضوا ميثاقهم مع الله‏,‏ لتحذر أن تنقض هي ميثاقها
مع الله‏,‏ فيصيبها مايصيب كل ناكث للعهد‏,‏ ناقض للعقد‏..‏ فلما غفلت عن هذا
التحذير‏,‏ وسارت في طريق غير الطريق‏,‏ نزع الله منها قيادة البشرية‏..‏ وتركها
هكذا ذيلا في القافلة‏,‏ حتي تثوب الي ربها‏,‏ وحتي تتمسك بعهدها‏,‏ وحتي توفي
بعقدها‏,‏ فيفي لها الله بوعده من التمكين في الأرض ومن القيادة للبشر والشهادة علي
الناس‏..‏ وإلا بقيت هكذا ذيلا للقافلة

"
وَعْدَ اللَّهِ لاَ يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ"
(الروم:6).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alredaalnoor.0wn0.com
نبيل خليل
عضو جديد


عدد المساهمات : 91
تاريخ التسجيل : 30/07/2011

مُساهمةموضوع: رد: الأعجاز التشريعى   الأحد سبتمبر 25, 2011 2:32 am

قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللّهِ مَن لَّعَنَهُ
اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ
الطَّاغُوتَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيلِ "
(المائدة:60

هذهالآية
القرآنية الكريمة جاءت في منتصف سورة‏(‏ المائدة‏),‏ وهي سورة مدنية‏,‏ وآياتها
مائة وعشرون بعد البسملة‏,‏ وهي من طوال سور القرآن الكريم‏,‏ ومن أواخرها نزولا‏,‏
وقد سميت بهذا الاسم
لورود الإشارة فيها إلي المائدة التي أنزلها الله ـ تعالي ـ من السماء كرامة لعبده
ورسوله المسيح عيسي ابن مريم ـ عليه السلام‏ .‏ ويدور المحور الرئيسي لسورة‏(‏
المائدة‏)‏ حول التشريع الإسلامي الذي أنزله ربنا ـ تبارك وتعالي ـ من أجل إقامة
الدولة الإسلامية‏,‏ وتنظيم مجتمعاتها علي أساس من الأخوة الإنسانية المؤمنة
بوحدانية الخالق ـ سبحانه وتعالي ـ وبوحدة رسالة السماء التي أنزلها ربنا ـ تبارك
وتعالي ـ علي مائة وعشرين ألف نبي‏,‏ اصطفي منهم ثلاثمائة وبضعة عشر رسولا‏,‏ ثم
أكملها في القرآن الكريم‏,‏ وفي سنة خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلي الله عليه وسلم
ـ وتعهد بحفظها تعهدا مطلقا‏,‏ فحفظت حفظا كاملا علي مدي القرون الأربعة عشر
الماضية في نفس لغة وحيها ـ اللغة العربية ـ وسوف تبقي محفوظة بحفظ الله كلمة
كلمة‏,‏ وحرفا حرفا‏,‏ إلي يوم الدين ‏.‏ وهذا الوحي الإلهي المنزل من السماء يؤكد
حق الله ـ سبحانه وتعالي ـ وحده في التشريع لعباده‏;‏ لتفرده بالألوهية‏,‏
والربوبية‏,‏ والخالقية‏,‏ والوحدانية‏,‏ والحاكمية المطلقة فوق جميع خلقه ـ بغير
شريك‏,‏ ولا شبيه‏,‏ ولا منازع‏,‏ ولا صاحبة‏,‏ ولا ولد ـ ومن هنا كان أول بنود هذا
التشريع هو عقد الإيمان بالله ربا‏,‏ وبالإسلام دينا‏,‏ وبسيدنا محمد ـ صلي الله
عليه وسلم ـ نبيا ورسولا ‏.‏ وهذا العقد هو القاعدة التي تقوم عليها سائر العقود في
حياة المسلمين ـ أفرادا وجماعات ـ بين العبد وربه‏,‏ وبين العبد ونظيره من عباد
الله‏,‏ وبينه وبين مجتمعه‏,‏ ثم بينه وبين الإنسانية جمعاء‏.‏ ومن هنا نصت السورة
الكريمة علي الوفاء بالعقود بكل صورها‏,‏ وأشكالها‏,‏ وأحجامها‏;‏ لأن الوفاء بها
يعتبر وفاء لله ـ تعالي ـ الذي أنزل أوامره بها‏,‏ فقال في مقدمة سورة
المائدة
:‏" يا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُود "

(المائدة‏:1) .‏
ويتخلل آيات التشريع في سورة‏(‏ المائدة‏)‏ تأكيد
سمو العقيدة الإسلامية القائمة علي التوحيد الخالص لله ـ تعالي ـ‏,‏ وتنزيهه عن
جميع صفات خلقه‏,‏ وعن كل وصف لا يليق بجلاله‏,‏ والإيمان بملائكته‏,‏ وكتبه‏,‏
ورسله‏,‏ بغير تمييز ولا تفريق‏,‏ واليقين بالأخوة الإنسانية التي لخصها المصطفي ـ
صلي الله عليه وسلم ـ بقوله الشريف‏:‏ كلكم لآدم وآدم من تراب‏,‏ والإيمان بالآخرة
وما فيها من البعث والحساب والجنة والنار‏,‏ وبالخلود في أي منهما‏,‏ كل حسب عمله
وحسب عدل الله ـ تعالي ـ أو رحمته به‏,‏ وفضله عليه ‏.‏
وتستعرض سورة‏(‏
المائدة‏)‏ قصص عدد من الأمم السابقة والأنبياء السابقين من أجل استخلاص الدروس
والعبر‏,‏ وتأمر المؤمنين بأن يكونوا
"
قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ ‏ "
(‏
المائدة‏:Cool,‏ وتبشرهم بالمغفرة والأجر العظيم‏,‏ وتتهدد الكفار والمشركين الذين
كذبوا بآيات الله وتنكروا لرسالته الخاتمة بأن مصيرهم إلي الجحيم‏,‏ وتعرض لعقائد
الكفار والمشركين‏,‏ وترد عليها‏,‏ وقد نسبوا إلي الله ـ تعالي ـ من الأوصاف
والنعوت ما لا يليق بجلاله‏,‏ ونقضوا العهود والمواثيق‏.‏ وتنادي الآيات عليهم
بنداءات تتكرر أكثر من مرة‏,‏ وذلك من مثل قول الحق ـ تبارك وتعالي
ـ‏:‏
" يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ
عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ
نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
"
‏(‏ المائدة‏:19) .‏


ثم
تعرض السورة الكريمة لعدد من الأحكام المتعلقة بحماية النفس الإنسانية‏,‏ والمال
الخاص والعام‏,‏ والملكيات الفردية والجماعية‏,‏ والمجتمعات الإنسانية‏,‏ وتأمر
بصيانتها من كل انحراف‏,‏ وتؤكد قضية الولاء والبراء‏,‏ وتدعو إلي تعظيم كل من الكعبة المشرفة‏,‏ والأشهر
الحرم‏,‏ وإلي إنكار ما بقي من تقاليد الجاهلية ـ وما أكثرها في زماننا الراهن ‏.‏
وتختتم سورة‏(‏ المائدة‏)‏ بالتذكير بيوم القيامة‏,‏ وبالإشارة إلي عدد من المعجزات
التي أجراها ربنا ـ تبارك وتعالي ـ علي يدي عبده ورسوله المسيح عيسي ابن مريم‏,‏
ومنها إنزال المائدة التي سميت السورة باسمها‏,‏ وفي ذلك يقول رب العالمين ـ سبحانه
وتعالي ـ‏:‏
" وَإِذْ
أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوَاْ
آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ . إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا
عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً
مِّنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ . قَالُواْ
نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ
صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ . قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ
اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا
عِيداً لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ
الرَّازِقِينَ . قَالَ اللّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ
بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ
الْعَالَمِينَ "
‏(‏المائدة‏:111‏ ـ‏115) .‏
وانتهت السورة الكريمة إلي تبرئة كل من
السيد المسيح وأمه الصديقة‏(‏ مريم ابنة عمران‏)‏ من فرية ادعاء ألوهيتهما‏,‏
وكلاهما من عباد الله الصالحين‏,‏ والله واحد أحد‏,‏ لا شريك له في ملكه‏,‏ ولا
منازع له في سلطانه‏,‏ ولا شبيه له من خلقه‏,‏ وهو ـ سبحانه وتعالي ـ منزه عن
الصاحبة والولد‏ .‏


من التشريعات الإسلامية في سورة المائدة:
‏(1)‏ الأمر
بالوفاء بالعقود أي العهود المؤكدة بين العباد وخالقهم‏,‏ وبينهم وبين بعضهم
البعض‏,‏ ومن أولها ما ألزم الله ـ تعالي ـ به عباده‏,‏ وعقده عليهم من التكاليف من
مثل شهادة أن لا إله إلا الله‏,‏ وأن محمدا عبد الله ورسوله‏,‏ وإقامة الصلاة‏,‏
وإيتاء الزكاة‏,‏ وصوم رمضان‏,‏ وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا وحسن القيام
بواجبات الاستخلاف في الأرض بعمارتها وإقامة عدل الله فيها ‏.‏
‏(2)‏ تأكيد
ضرورة الحكم بما أنزل الله ـ تعالي ـ والالتزام بحدوده‏,‏ والأمر بالعدل في
القضاء‏,‏ وبتقوي الله في السر والعلن وبالتوكل عليه ـ سبحانه وتعالي ـ حق التوكل
وخشيته‏,‏ وطاعته‏,‏ وطاعة خاتم أنبيائه ورسله ـ صلي الله عليه وسلم ـ والحرص علي
العمل الصالح والإحسان إلي خلق الله ‏.‏
‏(3)‏ المحافظة علي شعائر الإسلام
وفرائضه ومنها الوفاء بالعقود‏,‏ ومن العقود ما يعقده الناس فيما بينهم من عقود
المعاملات‏,‏ والأمانات وغيرها مما يجب شرعا الوفاء به أي الإتيان به وافيا غير
منقوص ‏.‏
‏(4)‏ الأمر بالجهاد في سبيل الله طلبا لمرضاته‏.‏ ودفعا لظلم
الظالمين وجور الجائرين المعتدين ‏.‏
‏(5)‏ أحل الله ـ تعالي ـ أكل لحوم بهيمة
الأنعام وشرب ألبانها‏,‏ والبهيمة اسم لذوات الأربع من الدواب‏,‏ ولفظة الأنعام
يطلقها العرب علي كل من الإبل‏,‏ والبقر‏,‏ والغنم‏,‏ والماعز‏,‏ وإن كان أكثر ما
يقع هذا الاسم علي الإبل‏,‏ وألحق بها في حل الأكل ما يماثلها من الثدييات اللبونة
المجترة المقتصرة علي أكل الأعشاب كالظباء‏,‏ والغزلان‏,‏ والزراف‏,‏ وبقر الوحش‏,‏
وأشباهها‏ .‏
‏(6)‏ تحريم الصيد علي المحرم أو حتي مجرد الانتفاع به سواء كان
المحرم في الحل أو في الحرم‏,‏ وفي حكم المحرم من كان مقيما في الحرم وليس محرما‏,‏
وتحديد كفارة ذلك ‏.‏
‏(7)‏ احترام حرمة الدين وشعائره من مثل حرمة الكعبة
المشرفة وحرمها‏,‏ والحج ومناسكه‏,‏ والأشهر الحرم الأربعة والأمر بالامتناع عن
الاقتتال فيها‏,‏ وحرمة ما يهدي إلي البيت الحرام‏,‏ وما يقلد به الهدي‏,‏ وحرمة
الحجاج القاصدين البيت الحرام‏,‏ وحرمة أمنهم وسلامتهم وأموالهم
وأعراضهم‏.‏
‏(Cool‏ الأمر بالتعاون علي البر والتقوي‏(‏ أي علي فعل الطاعات‏,‏
واجتناب المنكرات‏)‏ والنهي عن التعاون علي الإثم والعدوان أي عن مجاوزة حدود الله
تعالي‏ .‏
‏(9)‏ تحريم كل من الميتة‏,‏ والدم‏,‏ ولحم الخنزير‏,‏ وما أهل لغير
الله به‏,‏ والمنخنقة والموقوذة‏,‏ والمتردية‏,‏ والنطيحة‏,‏ وما أكل السبع‏(‏ إلا
ما أدرك ذكاؤه أي تم ذبحه قبل موته‏),‏ وتحريم كل ما ذبح علي النصب‏,(‏ وهي أحجار
كانت تعظم في الجاهلية‏,‏ ويذبح عليها وهي غير الأصنام‏),‏ إلا من اضطر غير باغ ولا
عاد فإن الله غفور رحيم‏.‏
‏(10)‏ تحريم الاستقسام بالأزلام أي محاولة استشراف
المستقبل بواسطة القداح‏,‏ وهي سهام كانت في الجاهلية‏(‏ ولا تختلف عن غيرها من
وسائل الدجل المعاصرة من مثل قراءة الطالع‏,‏ أو الفنجان‏,‏ أو فتح أوراق اللعب
وغيرها‏),‏ لأن ذلك كله خروج عن طاعة الله وعن الاستسلام لقدره‏ .‏
‏(11)‏ الأمر
للمسلم بعدم خشية غير الله أبدا‏,‏ خاصة أهل الكفر والشرك لأنهم أضعف من الضعف لأن
الله ـ تعالي ـ لا يرضي عنهم أبدا‏,‏ ويرضي عن المسلمين الذين أكمل لهم دينهم‏,‏
وأتم عليهم نعمه‏,‏ ورضي لهم الإسلام دينا‏,‏ ومن كان في جوار الله كان الله في
جواره‏ .‏
‏(12)‏ أحل الله ـ تعالي ـ للمسلمين كل الطيبات‏,‏ وهو ما أذن في أكله
بما في ذلك صيد البحر وطعامه‏,‏ وصيد البر غير المحرم بعد ذكر اسم الله علي وسيلة
الصيد من الجوارح قبل إطلاقها‏.‏ ومما أحل الله ـ تعالي ـ لعباده المسلمين ذبائح
أهل الكتاب وطعامهم إذا ذكروا عليها اسم الله في أثناء الذبح‏.‏
‏(13)‏ أحل الله
ـ تعالي ـ للمسلمين زواج المحصنات من المؤمنات‏,‏ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب
من قبل‏,‏ أي العفيفات المترفعات عن الرذائل‏,‏ وذلك بالطرق الإسلامية المشروعة
‏.‏
‏(14)‏ فصلت الآيات في سورة المائدة أحكام الطهارة في جميع الحالات
‏.‏
‏(15)‏ تحريم قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق تحريما قاطعا وتحديد عقوبة
القاتل في الأرض‏,‏ وإنزال حكم القصاص‏,‏ فمن تصدق به فهو كفارة له ‏.‏
‏(16)‏
تحريم قطع الطريق وتحديد عقوبته‏,‏ وعقوبة غير ذلك من صور الاعتداء علي
الخلق‏.‏
‏(17)‏ تحريم السرقة وتحديد عقوبتها‏,‏ والنهي عن أكل السحت بأشكاله
المختلفة ومنه الربا والرشوة‏,‏ والغش في التجارة والصنعة‏,‏ وتطفيف كل من المكاييل
والموازين ‏.‏
‏(18)‏ إنزال حكم الولاء والبراء‏,‏ وحكم الردة‏,‏ وحكم الحنث في
اليمين‏.‏
‏(19)‏ تحريم الشرك بالله تحريما قاطعا‏,‏ ومساواته بالكفر بالله‏,‏
وإنزال حكم الله فيه‏.‏
‏(20)‏ تحريم كل من الخمر والميسر والأنصاب والأزلام
واعتبارها رجسا من عمل الشيطان يجب علي المسلم اجتنابه كل الاجتناب ‏.‏
‏(21)‏
تفصيل حكم الوصية ساعة الاحتضار أو قبل ذلك ‏.‏



من ركائز العقيدة في سورة المائدة:
‏(1)‏ الإيمان
بالله‏,‏ وملائكته‏,‏ وكتبه‏,‏ ورسله‏,‏ واليوم الآخر‏,‏ وبالقدر خيره وشره‏,‏
وببعثة الرسول الخاتم ـ صلي الله عليه وسلم ـ الذي أكمل الله ـ سبحانه وتعالي ـ
برسالته الدين‏,‏ وأتم النعمة‏,‏ ورضي لعباده الإسلام دينا ‏.‏
‏(2)‏ التسليم
لله ـ تعالي ـ بالوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه‏,‏ والالتزام بحسن القيام بواجبات
الاستخلاف في الأرض‏,‏ وإلي الاتباع في الدين‏,‏ وعدم الابتداع فيه‏ .‏
‏(3)‏
اليقين بأن لله ما في السماوات‏,‏ وما في الأرض‏,‏ وما بينهما‏,‏ وأنه ـ تعالي ـ
علي كل شيء قدير وإليه المصير‏,‏ وأنه رب هذا الكون ومليكه‏,‏ بغير شريك‏,‏ ولا
شبيه‏,‏ ولا منازع‏,‏ ولا صاحبة ولا ولد لأن هذه كلها من صفات المخلوقين‏,‏ والله ـ
سبحانه وتعالي ـ منزه عن جميع صفات خلقه‏,‏ وعن كل وصف لا يليق بجلاله ‏.‏
‏(4)‏
الإيمان بوحدة رسالة السماء‏,‏ وبالأخوة بين الأنبياء الذين بعثوا جميعا برسالة
واحدة هي الإسلام العظيم‏,‏ وبأن حزب الله هم الغالبون ‏.‏
‏(5)‏ اليقين بنبوة
المسيح عيسي ابن مريم‏,‏ وبعبوديته لله ـ تعالي ـ وبالمعجزات التي أجراها الله له
وعلي يديه‏,‏ كما رواها القرآن الكريم‏,‏ وأنه قد خلت من قبله الرسل‏,‏ وأن أمه
صديقة‏,‏ وأنهما كانا يأكلان الطعام‏,‏ وأنه بشر بمقدم خاتم الأنبياء والمرسلين ـ
صلي الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين ـ‏.‏
‏(6)‏ الإيمان بأنه‏...‏
"... مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ
فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً "
(المائدة: 32 )
‏,‏ وبأن‏...‏
" إِنَّ
الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ
مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ
مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ "
(المائدة: 36)
‏.‏
‏(7)‏ التسليم بالحقيقة القرآنية التي مؤداها أن اليهود قد زيفوا رسالة الله
إليهم‏,‏ وأنهم سماعون للكذب أكالون للسحت‏,‏ مسارعون في الإثم والعدوان
‏.‏



من الإشارات العلمية في سورة المائدة:
‏(1)‏ تحريم أكل
كل من الميتة‏,‏ والدم‏,‏ ولحم الخنزير‏,‏ وما أهل لغير الله به‏,‏ والمنخنقة‏,‏
والموقوذة‏,‏ والمتردية‏,‏ والنطيحة‏,‏ وما أكل السبع إلا ما ذكي‏.‏ والعلم يؤكد
أخطار تناول مثل هذه اللحوم ‏.‏
‏(2)‏ تأكيد البينية الفاصلة بين الأرض والسماوات ‏.‏
‏(3)‏ تحريم كل من
الخمر‏,‏ والميسر‏,‏ والأنصاب والأزلام‏,‏ والعلم يؤكد أضرار كل ذلك‏.‏
‏(4)‏
تأكيد كرامة الكعبة المشرفة بجعلها قياما للناس‏,‏ والعلم يثبت تميز موقعها
‏.‏
‏(5)‏ الإشارة إلي أن كثيرا من الناس لفاسقون وتسابق الإدارات الغربية علي
إباحة الشذوذ الجنسي وإقرار زواج الشاذين‏,‏ والسماح لهم بالتبني في هذه الأيام
إحدي صور الإثبات المادي الملموس لذلك الفسق‏ .‏
‏(6)‏ اختيار الغراب بالذات ـ
دون غيره من الطيور والحيوانات ـ لتعليم قابيل كيف يواري سوءة أخيه‏.‏ والعلم أثبت
أنه أذكي الطيور علي الإطلاق ‏.‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلي معالجة خاصة
بها‏,‏ ولذلك فسوف أقصر حديثي هنا علي الذي جاء من دلالات علمية في الآية رقم‏(60)‏
من هذه السورة المباركة‏,‏ وقبل الوصول إلي ذلك أري لزاما علي استعراض أقوال عدد من
المفسرين في شرح دلالتها‏:‏



من أقوال المفسرين:
في تفسير قوله ـ
تعالي ـ‏:‏
" قُلْ هَلْ
أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللّهِ مَن لَّعَنَهُ اللّهُ
وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ
الطَّاغُوتَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيلِ " (المائدة:60) .
ذكر ابن كثير ـ
رحمه الله ـ ما مختصره‏:‏ يقول ـ تعالي‏:‏ قل يا محمد لهؤلاء الذين اتخذوا دينكم
هزوا ولعبا
‏" هَلْ
تَنقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا
أُنزِلَ مِن قَبْلُ‏..."
(‏
المائدة‏:59)‏ أي هل لكم علينا مطعن أو عيب في هذا؟‏,‏ وهذا ليس بعيب ولا مذمة‏,‏
فيكون الاستثناء منقطعا‏,‏ ثم قال‏:
" قُلْ هَلْ
أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللّهِ... "
‏ أي هل أخبركم
بشر جزاء عند الله يوم القيامة مما تظنونه بنا؟‏,‏ وهم المتصفون بهذه الصفات
المفسرة بقوله‏Sad‏ من لعنه الله‏)‏ أي أبعده من رحمته‏,(‏ وغضب عليه‏)‏ أي غضبا لا
يرضي بعده أبدا‏,(‏ وجعل منهم القردة والخنازير‏),‏ وقد قال سفيان الثوري عن ابن
مسعود قال‏:‏ سئل رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ عن القردة والخنازير أهي مما
مسخ الله؟‏,‏ فقال‏:

" إن الله لم يهلك قوما ـ أو قال لم يمسخ قوما ـ فيجعل لهم نسلا ولا
عقبا‏,‏ وإن القردة والخنازير كانت قبل ذلك‏ "
(‏ رواه الإمام
مسلم في صحيحه‏),‏ وقال أبو داود الطيالسي عن ابن مسعود قال‏:‏ سألنا رسول الله ـ
صلي الله عليه وسلم ـ عن القردة والخنازير أهي من نسل اليهود؟ فقال‏Sad‏ لا‏..‏ إن
الله ـ عز وجل ـ لم يلعن قوما قط فيمسخهم فكان لهم نسل‏,‏ ولكن هذا خلق كان‏,‏ فلما
غضب الله ـ عز وجل ـ علي اليهود مسخهم فجعلهم مثلهم‏)(‏ أخرجه الإمام أحمد في مسنده
عن ابن مسعود‏).‏ وقوله ـ تعالي‏Sad‏ وعبدالطاغوت‏)‏ وقرئ‏(‏ وعبدالطاغوت‏)‏
بالإضافة‏,‏ علي أن المعني‏:‏ وجعل منهم خدم الطاغوت ـ أي خدامه وعبيده ـ والمعني
هو توحيد الله وإفراده بالعبادات دون ما سواه‏,‏ كيف يصدر منكم هذا وأنتم قد وجد
منكم جميع ما ذكر؟‏,‏ ولهذا قال‏:
" أُوْلَئِكَ
شَرٌّ مَّكَاناً "
(المائدة:
60‏)‏ أي مما يظنون بنا‏.
"‏ وَأَضَلُّ
عَن سَوَاء السَّبِيلِ ‏"
(المائدة: 60‏)‏
وهذا من باب استعمال أفعل التفضيل فيما ليس في الطرف الآخر مشاركة‏
.‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
نبيل خليل
عضو جديد


عدد المساهمات : 91
تاريخ التسجيل : 30/07/2011

مُساهمةموضوع: رد: الأعجاز التشريعى   الأحد سبتمبر 25, 2011 2:33 am

الإشارات الكونية في القرآن الكريم ومغزي دلالتها العلمية ‏(224)‏

الآية القرآنية الكريمة جاءت في نهاية الثلث الثاني من سورة البقرة‏,‏
وهي سورة مدنية‏,‏ وآياتها‏(286)‏ بعد البسملة‏,‏ وهي أطول سور القرآن الكريم علي
الإطلاق‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلي تلك المعجزة الحسية التي
أجراها ربنا ـ تبارك وتعالي ـ علي يدي عبده ونبيه موسي بن عمران ـ علي نبينا وعليه
من الله السلام ـ حين تعرض شخص من قومه للقتل‏,‏ ولم يعرف قاتله حتي يقتص منه‏,‏
فأوحي الله ـ تعالي ـ إلي موسي أن يأمر قومه بذبح بقرة‏,‏ وأن يضربوا الميت بجزء
منها فيحيا بإذن الله ـ تعالي ـ ليخبر عن قاتله ثم يموت‏,‏ وذلك إحقاقا للحق‏,‏
وشهادة لله ـ سبحانه وتعالي ـ بالقدرة علي إحياء الموتي‏.‏
ويدور المحور الرئيسي
لسورة البقرة حول قضية التشريع الإسلامي‏,‏ دون إغفال لركائز العقيدة الإسلامية‏,‏
واستعراض لصفات كل من المؤمنين والمنافقين والكافرين‏,‏ وتلخيص لقصة خلق الإنسان
ممثلا في شخص أبوينا آدم وحواء ـ عليهما السلام ـ‏,‏ وإشارة إلي عدد من أنبياء الله
ورسله‏,‏ وتناول لمواقف أهل الكتاب بشئ من التفصيل الذي استغرق أكثر من ثلث هذه
السورة الكريمة التي ختمت بإقرار حقيقة الإيمان وبدعاء إلي الله ـ تعالي ـ يهز
العقل والقلب والروح معا‏.‏
هذا وقد سبق لنا تلخيص سورة البقرة‏,‏ واستعراض ما
جاء فيها من التشريعات‏,‏ ومن ركائز العقيدة‏,‏ وضوابط الأخلاق والمعاملات‏,‏ ومن
الإشارات الكونية‏,‏ وأركز هنا علي ومضة الإعجاز التشريعي والإنبائي في الآية
الكريمة التي اتخذتها عنوانا لهذا المقال‏.‏

من الدلالات الإنبائية والتشريعية في الآية
الكريمة:-

أولا‏:‏ من الدلالات الإنبائية‏:-‏
في قوله ـ تعالي " يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن
قَبْلِكُمْ ...
" إنباء بحقيقة تاريخية لم تكن معروفة في زمن الوحي فقد كتب صيام شهر
رمضان علي كل أمة قد خلت كما كتب علي أمة محمد ـ صلي الله عليه وسلم ـ تماما
بتمام‏.‏

وفي ذلك يقول المصطفي ـ صلي الله عليه وسلم ـ‏:‏ صيام رمضان كتبه الله
علي الأمم قبلكم‏(‏ رواه بن أبي حاتم عن عبدالله بن عمر
مرفوعا).

وإذا كان صيام شهر رمضان قد فرض علي كل مسلم بالغ‏,‏ عاقل‏,‏ صحيح‏,‏
مقيم‏,‏ وذلك تعظيما لهذا الشهر الكريم الذي اختاره الله ـ تعالي ـ بعلمه وحكمته
وقدرته من بين شهور السنة لإنزال القرآن الكريم فيه‏,‏ فإن أحاديث رسول الله ـ صلي
الله عليه وسلم ـ تؤكد أن جميع ما نعلم من أصول الكتب السماوية السابقة قد أنزلت في
شهر رمضان‏,‏ ومن هنا كان لزاما علي جميع المؤمنين بالأصول السماوية لهذه الكتب أن
يعظموا هذا الشهر الفضيل بصيامه تماما كما نصومه نحن المسلمين بالإمساك عن المفطرات
من الفجرالصادق إلي غروب الشمس
‏,‏ فقد روي الإمام أحمد عن وائلة بن الأسقع أن رسول الله ـ صلي الله
عليه وسلم ـ قال‏:‏ أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان‏,‏ وأنزلت التوراة لست
مضين من رمضان‏,‏ وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان‏,‏ وأنزل الله القرآن
لأربع وعشرين خلت من رمضان‏.‏
والثابت أن القرآن الكريم نزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلي بيت
العزة من السماء الدنيا‏,‏ وكان ذلك في ليلة القدر من شهر رمضان‏,‏ ثم أنزل بعد ذلك
مفرقا علي رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ بحسب الوقائع علي مدي ثلاث وعشرين سنة
كما روي ابن عباس‏(‏ رضي الله عنهما‏).‏

وقد تعهد ربنا ـ تبارك وتعالي ـ بحفظه فقال‏: " إِنَّا
نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ
وَإِنَّا
لَهُ لَحَافِظُونَ"
‏(‏الحجر‏:9).‏
وقد جاءت
الإشارة إلي الصوم عموما في الكتب السماوية وهذا مما يؤكد الأخوة بين الأنبياء‏,‏
وعلي وحدة الجنس البشري التي يقررها القرآن الكريم بقول ربنا ـ تبارك
وتعالي‏:‏
"
يَا أَيُّهَا
النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ
وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ
مِنْهَا زَوْجَهَا
وَبَثَّ
مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً
وَنِسَاءً وَاتَّقُوا
اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ
وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ
رَقِيباً
"‏ ‏(‏النساء‏:1).
ويؤكدها قول المصطفي ـ صلي الله عليه وسلم ـ‏:‏ كلكم لآدم وآدم
من تراب‏.‏


ثانيا‏:‏ الإعجاز التشريعي في قوله تعالي‏:"...‏ لَعَلَّكُمْ
تَتَّقُون
َ":-
(1)‏ الصيام عبادة من أخلص العبادات لله ـ تعالي ـ ولذلك فهي تؤدي إلي
تقواه
‏,‏ يقول المصطفي ـ صلي الله عليه وسلم ـ في رواية عن الله ـ عز وجل
ـ‏:‏
كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به‏.‏
ويقول ـ صلي الله
عليه وسلم ـ‏:‏ ما من عبد يصوم يوما في سبيل الله ـ تعالي ـ إلا باعد الله بذلك
اليوم وجهه عن النار سبعين خريفا وقال‏:‏ إن في الجنة بابا يقال له الريان يدخل منه
الصائمون يوم القيامة‏,‏ لا يدخل منه أحد غيرهم‏,‏ فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه
أحد‏.‏ وكان رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ يبشر أصحابه بمقدم رمضان فيقول‏:‏
جاءكم شهر رمضان‏,‏ شهر كتب الله عليكم صيامه‏,‏ فيه تفتح أبواب الجنة‏,‏ وتغلق
أبواب الجحيم‏,‏ وتغل الشياطين‏,‏ فيه ليلة خير من ألف شهر‏,‏ من حرم خيرها فقد
حرم‏,‏ ولذلك قال‏:‏ الصلوات الخمس‏,‏ والجمعة إلي الجمعة‏,‏ ورمضان إلي رمضان
مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر‏.‏ ولذلك أيضا قال ـ صلي الله عليه وسلم ـ‏:‏
من أفطر يوما من رمضان في غير رخصة رخصها الله له لم يقض عنه صيام الدهر كله وإن
صامه‏.‏


(2)‏ أن الصيام يصحبه الاجتهاد في العبادة بصفة عامة‏,‏ والاجتهاد فيها
يعين علي تقوي الله ـ تعالي ـ فإن رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ وهو أعبد الخلق
لله ـ تعالي ـ كان يجتهد في رمضان مالا يجتهد في غيره‏,‏ وفي العشر الأواخر منه
مالا يجتهد في غيرها‏,‏ كما روت لنا أم المؤمنين السيدة عائشة ـ رضي الله عنها ـ
التي روي عنها قولها‏:‏ كان رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ إذا دخل العشر
الأواخر من رمضان أحيا الليل كله‏,‏ وأيقظ أهله‏,‏ وجد وشد المئزر‏.‏

وعنه ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ أنه قال‏:‏ من قام رمضان إيمانا
واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه‏,‏
ولذلك سن لنا صلاة التراويح‏.‏

(3)‏ إن من أجل العبادات في
شهر رمضان مدارسة القرآن الكريم لأنه هو شهر القرآن الذي يقول فيه ربنا ــ تبارك
وتعالي‏:‏
" شَهْرُ
رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ
وَبَيِّنَاتٍ
مِّنَ الهُدَى
وَالْفُرْقَانِ " . (‏البقرة‏:185).‏
ويقول ــ عز من قائل ‏:‏


" إِنَّا
أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ . فِيهَا
يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ . أَمْراً مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ
. رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
" ‏(‏الدخان‏:3‏
ــ‏6)‏.
ومدارسة القرآن الكريم من أعظم الوسائل لتحقيق تقوي الله في قلوب دارسيه
لأنها توضح للدارسين معني الألوهية‏,‏ ومعني الربوبية‏,‏ ومعني الوحدانية المطلقة
للخالق العظيم فوق جميع الخلق ــ بغير شريك ولا شبيه‏,‏ ولا منازع‏,‏ ولا صاحبة ولا
ولد ــ كما تؤكد علي ركائز الدين‏:‏ من العقيدة‏,‏ والعبادة‏,‏ والأخلاق‏,‏
والمعاملات‏,‏ وتربط العبد بخالقه برباط لاينفصم إن شاء الله‏,‏ وهذا الرباط المتين
هو السر في تقوي العبد لله والتي عرفها السابقون بـ الخوف من الجليل‏,‏ والعمل
بالتنزيل‏,‏ والاستعداد ليوم الرحيل‏.‏


(4)‏ ومن أجل العبادات في شهر رمضان صلاة القيام خاصة في العشر الأواخر
من هذا الشهر الفضيل‏,‏ وفيها ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر كما قال ربنا ــ
تبارك وتعالي ــ‏:
"إِنَّا
أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ القَدْرِ .
لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ . تَنَزَّلُ
المَلائِكَةُ
وَالرُّوحُ
فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ . سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الفَجْر
"ِ .
(القدر‏:1‏ ــ‏5).‏
وقيام ليلة القدر فيه من الخيرات والبركات مايشرح
قلوب المؤمنين بحب الله ــ تعالي ــ ويعينها علي الارتباط بجلاله‏,‏ وحسن مراقبته
شئ من صفاته العليا وذلك من أعظم الوسائل إلي تقوي الله‏.‏ ومن المعين علي تحقيق
ذلك الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان‏,‏ وهي سنة واظب عليها رسول الله ــ صلي
الله عليه وسلم ــ‏.‏
والدعاء في رمضان أحري بالإجابة من أي وقت
آخر‏,‏
وذلك لقول المصطفي ــ صلي الله عليه وسلم ــ‏:‏ إن للصائم عند فطره دعوة
لاترد ولقوله‏:‏ ثلاثة لاترد دعوتهم‏:‏ الصائم حتي يفطر‏,‏ والإمام العادل
والمظلوم‏.‏

وكذلك فإن من أجل العبادات العمرة في رمضان لأنها تعدل حجة مع رسول الله
ــ صلي الله عليه وسلم
ــ لقوله الشريف‏:‏ عمرة في رمضان تعدل حجة معي. وإذا اجتمعت كرامة المكان‏(‏ في مكة المكرمة‏)‏ مع كرامة الزمان‏(‏ في شهر رمضان‏)‏ تضاعف الأجر
إن شاء الله ــ تعالي ــ أضعافا كثيرة‏,‏ ومن مضاعفة الأجر تحقيق التقوي في قلوب
العباد‏.‏
‏(5)‏ ومع أداء الصيام والصلاة‏,‏ والقيام ومدارسة القرآن الكريم
وأداء غير ذلك من العبادات المسنونة يتدرب العبد المسلم علي الصبر‏,‏ وعلي الالتزام
بمكارم الأخلاق‏,‏ وهي من أعظم القربات إلي الله ــ تعالي ــ ومن مفاتيح تقوي
الله‏,‏ وبالصيام تقوي إرادة العبد المسلم‏,‏ حتي يتمكن من التحكم في شهواته
ورغائبه‏,‏ فيعلو بروحه فوق متطلبات جسده‏,‏ وفوق إغراءات الحياة الدنيا‏,‏ وينأي
بنفسه عن مواطن الشبهات‏,‏ وينجيها من الوقوع في المحرمات‏,‏ وهذه كلها من وسائل
تحقيق تقوي الله ــ تعالي‏.‏
والرسول ــ صلي الله عليه وسلم ــ يقول‏:‏ الصوم نصف الصبر والصبر من
منازل المؤمنين بالله المتقين لجلاله‏.‏
والصوم تدريب علي العديد من الخصال النبيلة من مثل غض البصر والسمع عن
المحرمات‏,‏ وكف اللسان وبقية الجوارح عنها وعن كل منكر وقبيح‏,‏ والصوم تدريب كذلك
علي التواضع والأدب في الخطاب‏,‏ والرقة في المعاملة‏,‏ وضبط النفس عند الإثارة
والغضب‏,‏ وتحاشي رفع الصوت في غير معروف‏,‏
وفي ذلك يقول المصطفي ــ صلي الله عليه وسلم ــ‏:..‏ والصيام جنة فإذا كان
يوم صوم أحدكم فلا يرفث‏,‏ ولا يصخب‏,‏ فإن سابه أحد أو قاتله فليقل‏:‏ إني صائم‏,‏
إني صائم ولذلك قال
ــ عليه الصلاة والسلام ــ‏:‏ ليس الصيام من الأكل والشرب‏,‏
إنما الصيام من اللغو والرفث‏.
والصيام تدريب كذلك للنفس المسلمة علي الالتزام بالصدق والأمانة‏,‏
ولذلك
قال رسول الله ــ صلي الله عليه وسلم ــ‏:‏ من لم يدع قول الزور والعمل
به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه‏.‏
‏(6)‏ ومن مكارم الأخلاق المجتناة من أداء فريضة الصوم التدريب علي شكر
النعم‏,‏ وعلي الجود والبذل والكرم‏,‏ وعلي الإحساس بحاجة الفقير والمسكين وابن
السبيل‏.‏ وذلك لأن الصوم استشعار فعلي لآلام الحرمان من الطعام والشراب مما يقنع
الصائم القادر علي شكر نعمة الله عليه‏,‏ كما يدفعه إلي الشفقة والعطف علي
المحتاجين في مجتمعه‏,‏ وذلك يحقق قدرا من التراحم بين المسلمين‏,‏ ويعين علي
محاربة نوازع الشح والبخل في النفس الإنسانية ويطبعها علي حب الجود
والكرم‏.‏
وفي ذلك يروي عن ابن عباس ــ رضي الله عنهما ــ قوله‏:‏ كان رسول الله
ــ صلي الله عليه وسلم ــ أجود الناس‏,‏ وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه
جبريل‏,‏ وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن‏,‏ فلرسول الله ــ صلي
الله عليه وسلم ــ أجود بالخير من الريح المرسلة‏.‏

وقال ــ صلي الله عليه وسلم ــ‏:‏ الصوم جنة‏,‏ والصدقة تطفئ الخطيئة
كما يطفئ الماء النار‏,‏ وسئل‏:‏ أي الصدقة أفضل؟ قال‏:‏ صدقة في رمضان‏,‏ وقال ــ
صلوات الله وسلامه عليه ــ‏:‏ من فطر صائما كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر
الصائم شيئا.

‏(7)‏ ومن أعظم صور الجود‏:‏ الجود بالنفس في سبيل الله‏,‏ وهو من أجمل
صور تقوي الله‏,‏ وشهر رمضان هو شهر الجهاد في سبيل الله‏,‏ وشهر الانتصارات
الإسلامية بدءا بغزوة بدر الكبري إلي فتح مكة‏,‏ ثم رودس‏,‏ وبلاد الأندلس‏,‏
وتحرير فلسطين من أيدي الصليبيين في موقعة حطين‏,‏ ثم من أيدي التتار في موقعة عين
جالوت حتي اجتياح خط بارليف وسحق جيش الصهاينة المعتدين وذلك في العاشر من رمضان
سنة‏1393‏ هـ‏(‏ السادس من أكتوبر سنة‏1973‏ م‏).‏ ولا توجد صورة من صور التعبير
البشري لمعني تقوي الله أبلغ من الجهاد في سبيل الله لتحرير أراضي المسلمين من
همجية الطغاة المعتدين الظالمين‏,‏ أو للوصول إلي خلق الله من أجل إبلاغهم بدين
الله إذا رفض الحكام تحقيق ذلك بالأساليب السلمية‏.‏
من هذا الاستعراض نري صورة
من صور الإعجاز الإنبائي في قول ربنا ــ تبارك وتعالي ــ‏:‏
"يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى
الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
" (‏البقرة‏:183)‏.
كما نري صورة من صور الإعجاز التشريعي في هذه
الفريضة الإسلامية العظيمة‏,‏ فالحمد لله علي نعمة الإسلام‏,‏ والحمد لله علي نعمة
القرآن‏,‏ والحمد لله علي بعثة خير الأنام ــ صلي الله وسلم وبارك عليه وعلي آله
وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلي يوم الدين ــ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب
العالمين‏.‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
نبيل خليل
عضو جديد


عدد المساهمات : 91
تاريخ التسجيل : 30/07/2011

مُساهمةموضوع: رد: الأعجاز التشريعى   الأحد سبتمبر 25, 2011 2:34 am

ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ
وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ " (آل عمران‏:75)

هــذا النص القرآني الكريم جاء في بدايات الثلث الثاني من سورة آل
عمران‏,‏ وهي سورة مدنية‏,‏ ومن طوال سور القرآن الكريم، إذ يبلغ عدد آياتها
المائتين بعد البسملة‏,‏ وبذلك تكون ثالثة سور القرآن الكريم طولاً بعد كلٍ من
البقرة والأعراف‏.‏
وقد سميت بهذا الاسم ـ آل عمران ـ لورود الإشارة فيها إلى
أسرة السيدة مريم ابنة عمران‏,‏ أم نبي الله وعبده عيسى ـ على نبينا وعليه من الله
السلام ـ وفي ذلك تقول الآيات‏:‏
" إِنَّ
اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ
وَنُوحاً وَآلَ
إِبْرَاهِيمَ
وَآلَ
عِمْرَانَ عَلَى العَالَمِينَ .‏ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ
وَاللَّهُ
سَمِيعٌ عَلِيمٌ "
‏(‏ آل عمران‏:33, 34)‏.
وتروي هذه السورة الكريمة قصة امرأة عمران
وابنتها مريم أم نبي الله عيسى ـ عليه السلام ـ الذي خلقه الله ـ تعالى ـ بمعجزة من
أم بغير أب‏,‏ كما تروي عدداً من المعجزات الحسية التي أجراها الله ـ تعالى ـ على
يديه‏.‏ كذلك جاءت الإشارة في هذه السورة المباركة إلى كلٍ من نبي الله زكريا وولده
النبي يحيى الذي وهبه الله ـ تعالى ـ له على الكبر وقد بلغ من العمر عِتِيَّا‏ًً.‏
وجاء بالسورة كذلك وصف لما جاء في معركة أحد‏.
ويدور المحور الرئيسي لسورة آل
عمران حول حوار أهل الكتاب الذي يتحدد من خلاله عدد من ركائز العقيدة الإسلامية
السامية وتشريعاتها العادلة‏.‏
وتستفتح سورة آل عمران بالحروف المقطعة
الثلاثة‏(‏ الم‏)‏ التي تكررت في مطلع ست من سور القرآن الكريم‏,‏ وقد سبق لنا
مناقشة هذه المقطعات‏،‏ ثم تنتقل السورة الكريمة إلى حوار أهل الكتاب ممثلين في وفد
نصارى نجران الذي قدم المدينة المنورة في السنة التاسعة للهجرة‏,‏ ويشغل هذا الحوار
قرابة نصف مجموع آيات السورة الكريمة‏,‏ ويتضمن إشارات إلى اليهود بصفة خاصة، وإلى
خبث نياتهم وأمراض نفوسهم ومكرهم ودهائهم‏,‏ واستعلائهم الكاذب وإفسادهم في
الأرض‏,‏ وإلى محاربتهم أنبياء الله ورسله‏,‏ وقتلهم نفرا منهم ومن الصالحين من
عباد الله‏,‏ وتؤكد كراهية اليهود للحق وأهله‏,‏ كما تتضمن تحذيرات لعباد الله
الصالحين من دسائسهم ودسائس غيرهم من الكفار والمشركين والمنافقين‏.‏
ثم تنتقل
السورة الكريمة إلى تأكيد ضرورة الإيمان بجميع الرسالات السماوية‏,‏ وبجميع أنبياء
الله ورسله دون أدنى تفريق كما جاء ذلك في خواتيم السورة السابقة عليها وهي سورة
البقرة‏,‏ وفي ذلك تأكيد على وحدة رسالة السماء‏,‏ وعلى الأخوة بين الأنبياء‏ الذين
كانت رسالتهم جميعاً هي الإسلام‏.‏
وتحدثت الآيات في سورة آل عمران عن عقاب
المرتدين‏,‏ وعن حكم الله فيهم‏,‏ ودعت إلى الإنفاق في سبيل الله‏,‏ وحذرت من تحريف
اليهود للتوراة‏,‏ وأمرت باتباع ملة إبراهيم "‏
حَنِيفاً
مُّسْلِماً
وَمَا كَانَ
مِنَ المُشْرِكِينَ
" (آل عمران:67).‏
وأشارت سورة آل عمران إلى الكعبة المشرفة
بصفتها
" ...‏ أَوَّلَ
بَيْتٍ
وَضِعَ
لِلنَّاسِ
" (آل عمران:96),‏ وأكدت فريضة الحج على المستطيع من المسلمين‏,‏ وعاتبت
أهل الكفر والشرك والضلال‏,‏ وأوصت بتقوى الله‏,‏ وأكدت ضرورة الاعتصام بحبله‏,‏
وذكَّرت بنعمه على عباده‏,‏ ودعت إلى نفرة أمة من المسلمين للدعوة إلى الخير‏,‏
وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر‏,‏ ووصفت هؤلاء بأنهم هم المفلحون‏.‏
ونهت
سورة آل عمران عن فرقة الكلمة‏,‏ وبينت مصائر وجزاء كلٍ من المؤمنين والكافرين في
يوم الدين‏,‏ وأكدت أن القرآن الكريم هو كلام رب العالمين‏,‏ المنزل بالحق على خاتم
الأنبياء والمرســـلين ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏ وأنه هدى وموعظة للمتقين‏,‏ وخاطبت
أمة الإسلام بقول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ‏:‏
" كُنتُمْ
خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
وَتَنْهَوْنَ
عَنِ المُنكَرِ
وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ
أَهْلُ الكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ المُؤْمِنُونَ
وَأَكْثَرُهُمُ الفَاسِقُونَ‏ "‏
(‏آل عمران‏:110).‏

ثم تطمئن الآيات أمة الإسلام من هوان أخطار اليهود
فتقول‏:‏
" لَن
يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى
وَإِن
يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ
.‏ ضُرِبَتْ
عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ
اللَّهِ
وَحَبْلٍ
مِّنَ النَّاسِ
وَبَاءُوا
بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ
وَضُرِبَتْ
عَلَيْهِمُ المَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ
اللَّهِ
وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا
عَصَوْا
وَكَانُوا
يَعْتَدُونَ
‏ " ‏(‏ آل عمران‏:111 ,112)‏ .
وتثني الآيات على الذين يؤمنون من أهل
الكتاب فتقول‏ :‏
" لَيْسُوا
سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ
اللَّيْلِ
وَهُمْ
يَسْجُدُونَ
.‏ يُؤْمِنُونَ
بِاللَّهِ
وَالْيَوْمِ
الآخِرِ
وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ
عَنِ المُنكَرِ
وَيُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ
مِنَ الصَّالِحِينَ
. وَمَا
يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ
وَاللَّهُ
عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ
" (‏ آل عمران‏:113‏ ـ‏115).‏
وتحذر الآيات من خبث الكفار والمشركين
ولؤمهم ومن أخطار اتخاذهم أولياء.‏ وبعد ذلك تنتقل سورة آل عمران إلى الحديث عن
غزوة أحد‏,‏ وما أصاب المسلمين فيها من انكسار بسبب مخالفتهم أوامر رسول الله ـ صلى
الله عليه وسلم ـ في ساحة المعركة‏,‏ وذكرت بانتصار المسلمين في معركة بدر
الكبرى‏,‏ وبمبررات ذلك الانتصار‏,‏ وصاغت الحديث عن المعركتين صياغة معجزة لا
تتوقف عند حدود وصف المعركتين وصفاً مجرداً‏,‏ ولكن تتجاوز ذلك لتصبح توجيهات
ربانية دائمة للمسلمين توضح سنن الله في النصر والهزيمة إلى يوم الدين‏.‏
وتؤكد
السورة الكريمة في أكثر من آية أن لله ملك السماوات والأرض وما فيهن‏,‏ وتنهى عن
أكل الربا‏,‏ وتحذر من عذاب النار‏,‏ وتأمر بطاعة الله ورسوله‏,‏ وبالمسارعة إلى
التوبة وطلب المغفرة‏,‏ ورجاء الجنة التي أعدت للمتقين وأوردت شيئا من صفاتهم‏,‏
كما تأمر بالسير في الأرض من أجل الاعتبار بعواقب المكذبين‏.‏
ثم عاودت السورة
الكريمة إلى التذكير بمعركة أحد في مواساة رقيقة للمسلمين‏,‏ مؤكدة لهم أنهم هم
دائماً الأعْلَوْن ماداموا ثابتين على إيمانهم بالله‏,‏ وإن تعرضوا أحياناً لبعض
النكسات والهزائم بسبب خروجهم على منهج الله‏؛ وذلك لأن النصر والهزيمة من سنن الله
في الحياة‏,‏ ولأن لكل منهما قوانينه‏,‏ ولأن الأيام دول يداولها ربنا ـ تبارك
وتعالى ـ بين الناس لحكمة يعلمها ـ سبحانه ـ لعل منها أن يتخذ من المؤمنين شهداء
يكرمهم بالشهادة‏,‏ وأن يميز المؤمنين من المنافقين ـ وهو تعالى أعلم بهم ـ وأن
يطهر المؤمنين من ذنوبهم بشيء من الابتلاء والتمحيص‏,‏ وأن يهلك الكفار والمشركين
والمنافقين بذنوبهم‏,‏ والله ـ تعالى ـ لا يحب أياً من الظالمين المعتدين كما لا
يحب الضعفاء المتخاذلين عن الدفاع عن دمائهم وأعراضهم ومقدساتهم وممتلكاتهم وعن
الحق وأهله‏.‏
وهذا الخطـــــــاب كما كان لأصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه
وسلم ـ ولأهل زمانه هو خطاب لنا اليوم في تقاعسنا عن مقاتلة الظالمين الجائرين على
إخواننا في كلٍ من فلسطين ولبنان‏،‏ والذين فجروا في إجرامهم وتجاوزوا كل
الحدود‏.‏
وفي إشارة إلى ما أشاعه الكافرون كذباً عن مقتل رسول الله ـ صلى الله
عليه وسلم ـ أثناء معركة أحد تخذيلاً للمجاهدين‏;‏ أكدت سورة آل عمران أنه رسول قد
خلت من قبله الرسل‏,‏ لا يجوز لأيٍ من الذين آمنوا به واتبعوه أن يرتد عن دينه إن
مات هذا الرسول الكريم أو قتل‏.‏
وبعد ذلك تنتقل الآيات إلى قضية الأجل مؤكدة أن
الله ـ تعالى ـ قد جعل لكل نفس أجلاً محدداً لا تموت إلا عنده‏,‏ وهذا الأجل قد
جعله ربنا ـ تبارك وتعالى ـ غيباً حتى لا تتوقف عجلة الحياة إذا علم الإنسان
أجله‏,‏ وقد أكدت الآيات ذلك تشجيعاً للمؤمنين على تجاوز حاجز الخوف من الموت‏,‏
وعلى الانخراط في صفوف المجاهدين في سبيل الله‏.‏
ولذلك تؤكد الآيات أن من قصد
بعمله أجر الدنيا أعطاه الله إياه‏,‏ وليس له في الآخرة من نصيب‏,‏ ومن قصد به أجر
الآخرة أعطاه الله ـ تعالى ـ أجْرَي الدنيا والآخرة‏,‏ والله ـ سبحانه وتعالى ـ
يجزي عباده على شكرهم له‏,‏ واعترافهم بعظيم فضله ونعمه عليهم‏.‏
وإن كانت هذه
أحكاماً عامة إلا أن فيها تعريضاً واضحاً بمن رغبوا في غنائم الحرب أثناءَ معركة
أحد فتسببوا في هزيمة جيش المسلمين‏.‏
ثم تنتقل الآيات في سورة آل عمران إلى
الحديث عن كلٍ من العلماء الربانيين‏,‏ والمجاهدين الصادقين الذين قاتلوا مع أنبياء
الله ورسله جهاداً في سبيله ومن أجل إعلاء دينه‏,‏ فقتل منهم من قتل‏,‏ وأصيب من
أصيب‏,‏ ولكنهم لم يذلوا لعدوهم أبدا‏ًً,‏ واحتسبوا وصبروا في الشدائد والمحن‏,‏
وفي ذلك تقول الآيات عنهم‏:‏
" وَكَأَيِّن
مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا
وَهَنُوا
لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
وَمَا
ضَعُفُوا
وَمَا
اسْتَكَانُوا
وَاللَّهُ
يُحِبُّ الصَّابِرِينَ
. وَمَا كَانَ
قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا
وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ
أَقْدَامَنَا
وَانصُرْنَا
عَلَى القَومِ الكَافِرِينَ
.‏ فَآتَاهُمُ
اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا
وَحُسْنَ
ثَوَابِ الآخِرَةِ
وَاللَّهُ
يُحِبُّ المُحْسِنِينَ
" (‏ آل عمران‏:146‏ ـ‏148).‏
وتعاود الآيات إلى تحذير المؤمنين من
موالاة كلٍ من الكفار والمشركين‏,‏ مؤكدة أن الله ـ تعالى ـ هو مولى المؤمنين، وهو
خير الناصرين‏,‏ وأنه ـ تعالى ـ يعدهم النصر بقوله الحق‏:‏
" سَنُلْقِي
فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ
يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً
وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ
مَثْوَى الظَّالِمِينَ
‏ " ‏(‏ آل عمران‏:151)‏ .
ومرة أخرى تستعرض السورة الكريمة أحداث معركة
أحد‏ (‏ الآيات‏152‏ ـ‏175)‏ بهدف تربية المسلمين على السمع والطاعة لقياداتهم ـ في
غير معصية لله ـ‏‏ وتحذيرهم من مزالق الطريق‏,‏ وتنبيههم إلى ما يحيط بهم من كيد في
القديم والحديث من شياطين الإنس والجن من أجل إرهاب المؤمنين‏,‏ والمؤمن لا يخاف
إلا من رب العالمين‏.‏
وتطلب الآيات من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ألا
يحزن على الذين يسارعون في الكفر؛ لأنهم لن يضروا الله شيئا‏ًً,‏ ولكن يضروا
أنفسهم‏,‏ ويريد الله ألا يجعل لهم حظاً في الآخرة‏‏ ولهم عذاب عظيم‏,‏ وإمهالهم في
الدنيا بتمديد آجالهم وبشيء من التمكين لهم ليس في مصلحتهم لازديادهم بذلك في
معاصيهم وآثامهم، فيتضاعف عذابهم في الآخرة أضعافاً كثيرة‏,‏ وعلى النقيض من ذلك‏
فإن ما يتعرض له المؤمنون في الدنيا من ابتلاءات هو من قبيل صقل معادنهم‏,‏ وليميز
الله الخبيث من الطيب ـ‏ وهو تعالى أعلم بهم‏ ـ‏ ويظهر ذلك لمن يشاء من عباده كما
فعل في معركة أحد‏.‏
وتنهى الآيات في سورة آل عمران عن البخل‏,‏ وتنصح ببذل
المال في سبيل الله وبتقواه وبحسن الإيمان به والتوكل عليه‏.‏
وتعاود السورة
الكريمة التذكير بشيء من جرائم اليهود المروعة‏,‏ ودسائسهم الخبيثة‏,‏ وأساليبهم
الملتوية في تطاول على الله ـ تعالى ـ وعلى خلقه‏,‏ وفي محاربة دينه وأنبيائه
ورسله‏,‏ وفي نقض العهود والمواثيق‏,‏ ونشر الأكاذيب والأباطيل‏,‏ والشائعات
والادعاءات المغرضة؛‏ وذلك تحذيراً من شرورهم‏,‏ ولأخذ الحيطة من
مؤامراتهم‏.‏
ومرة أخرى تؤيد السورة المباركة رســــــول الله ـ صلى الله عليه
وسلم ـ في وجه المكذبين لبعثته الشريفة وذلك بقول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ
له‏:
" ‏ فَإِن
كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَاءُوا
بِالْبَيِّنَاتِ
وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ
المُنِيرِ
‏ " ‏(‏ آل عمران‏:184)‏.
وتؤكد الآيات حتمية الفناء لكل شيء‏,‏ وحتمية
الموت على كل حي‏,‏ وحتمية البعث والحساب والجزاء‏,‏ كما تؤكد أن الابتلاء من سنن
الحياة‏,‏ وتوصي في مواجهته بالصبر والاحتساب‏,‏ وبتقوى الله في كل حال‏,‏ وتعتبر
ذلك من عزم الأمور‏.‏
وتعاود سورة آل عمران استعراض عدد من مخازي بني إسرائيل،
ومنها أن الله ـ تعالى ـ أخذ عليهم كل العهود والمواثيق كي يظهروا للناس حقيقة ما
أنزل إليهم من أحكام فكتموها ولم يبينوها‏,‏ ونبذوها وراء ظهورهم‏,‏ واشتروا بها
الحقير من حطام الدنيا الفانية‏.‏
وتختتم هذه السورة الكريمة بتوجيه الناس إلى
التأمل في خلق السماوات والأرض‏,‏ واستخلاص شيء من صفات الخالق العظيم بالتعرف على
بديع صنعه في خلقه‏,‏ وتوصيهم بتكثيف الدعاء والرجاء بالفوز بالجنة والنجاة من
النار ومن خزي يوم القيامة‏,‏ وبرفع الدرجات وتكفير السيئات، وطلب المغفرة من الله
للذنوب وهو رب ذلك والقادر عليه‏.‏
ثم يأتي الخطاب إلى رسول الله ـ صلى الله
عليه وسلم ـ وإلى جميع المسلمين ألا يغرَّهم تقلب الذين كفروا في شيء من النعم
المادية، فمتاع الدنيا قليل‏,‏ ثم ينتهي بهم الأجل إلي جهنم وبئس المصير‏,‏ وعلى
النقيض من ذلك فإن الصالحين المتقين من عباد الله المسلمين قد يعيشون في الدنيا
عيشة الفقراء‏,‏ ويخلدون في الآخرة في جنات النعيم‏.
وتعاود سورة آل عمران قبل
ختامها ذكر أهل الكتاب‏,‏ مقررة أن منهم من سلك طريق الهداية، فآمن بالله وملائكته
وكتبه ورسله‏ ـ بمن فيهم خاتمهم أجمعين ـ وبالقرآن الكريم‏,‏ دون أدنى تفريق أو
تمييز فمنَّ الله ـ تعالى ـ عليهم بالخشوع والخضوع لله‏,‏ وأكرمهم بأن لهم أجرهم
عند ربهم‏.‏
وتختتم السورة الكريمة بوصية من الله ـ تعالى ـ للمؤمنين من عباده
هي عدتهم في مواجهة أهل الباطل في هذه الحياة‏,‏ يقول لهم فيها‏ :‏
" يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا
وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا
اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
" (‏آل عمران‏:200).‏
وقد سبق لنا استعراض هذه السورة المباركة، ونركز
هنا على ما جاء بها من ركائز العقيدة‏,‏ والتشريع، والإشارات الكونية والإنبائية‏,‏
وأقوال عدد من المفسرين في النص الكريم الذي اخترناه عنواناً لهذا المقال وما به من
إعجاز إنبائي‏.‏

أولاً ‏:‏ من ركائز العقيدة في سورة آل عمران‏:‏
‏(1)‏ الإيمان بالله ـ تعالى ـ ربا واحداً أحدا‏ًً,‏ فرداً صمدا‏ًً,‏
بغير شريك‏,‏ ولا شبيه‏,‏ ولا منازع‏,‏ ولا صاحبة‏,‏ ولا ولد‏,‏ وتنزيهه ـ سبحانه
وتعالى ـ عن جميع صفات خلقه‏,‏ وعن كل وصف لا يليق بجلاله‏، والتسليم بكل ما أورد
من صفاته العليا، ومنها أنه ـ تعالى ـ هو الحي القيوم الذي لا يخفى عليه شيء في
الأرض ولا في السماء‏,‏ وأنه هو الذي يسوي الخلق في الأرحام كيف يشاء‏,‏ وأنه هو
العزيز الحكيم‏,‏ البصير بعباده‏,‏ مالك الملك الذي يؤتي الملك من يشاء‏,‏ وينزعه
ممن يشاء‏,‏ ويعز من يشاء، ويذل من يشاء‏,‏ بيده الخير وهو على كل شيء
قدير‏.‏
‏(2)‏ التصديق بالوحي الذي أوحاه الله ـ تعالى ـ إلى أبينا آدم ـ عليه
السلام ـ ثم أنزله على سلسلة طويلة من الأنبياء والمرسلين‏,‏ وأكمله وأتمه وحفظه في
رسالته الخاتمة التي بعث بها النبي والرسول الخاتم ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليبقى
القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة حجة على جميع الخلق إلى قيام الساعة‏؛‏ لأن
هذه الرسالة الخاتمة مصدقة لما أنزل قبلها من صور الوحي ومهيمنة عليها‏،‏ والتسليم
بأن القرآن الكريم يحوي آيات محكمات هن أم الكتاب‏,‏ وأخر متشابهات لا يعلم تأويلهن
إلا الله ـ تعالى‏.‏
‏(3)‏ اليقين بأن كل نفس ذائقة الموت‏,‏ وبأن الله ـ سبحانه
وتعالى ـ سوف يجمع الناس ليوم لا ريب فيه‏,‏ فيه، وبالبعث، والحساب، والجزاء
بالخلود في الجنة أو في النار‏,‏ وأن الجنة مثوى المؤمنين المتقين‏,‏ الذين تبيض
وجوههم يوم القيامة‏,‏ وأن النار مثوى الكفار والمشركين والمفسدين في الأرض
المتجبرين على الخلق‏,‏ الذين تسود وجوههم لأنهم كفروا بعد إيمانهم
الفطري‏.‏
‏(4)‏ الإيمان بقضاء الله وقدره‏,‏ وبأن البلاء من سنن الحياة‏,‏
ولابد من مقابلته بالصبر والتسليم والرضا‏.‏
‏(5)‏ التسليم بضرورة طاعة الله‏,‏
وطاعة خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ واتباع سنته‏,‏ والعمل على جمع كلمة
المسلمين‏.‏
‏(6)‏ التصديق بأن أمة الإسلام هي خير أمة أخرجت للناس‏؛ لأنها تأمر
بالمعروف‏,‏ وتنهى عن المنكر‏,‏ وتؤمن بالله‏,‏ فإذا لم تقم بذلك فقدت الخيرية التي
أكرمها بها الله‏.‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
نبيل خليل
عضو جديد


عدد المساهمات : 91
تاريخ التسجيل : 30/07/2011

مُساهمةموضوع: رد: الأعجاز التشريعى   الأحد سبتمبر 25, 2011 2:35 am

كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً
يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ "
(التوبة: Cool

هذه الآية القرآنية الكريمة جاءت في بدايات سورة (التوبة)، وهي سورة
مدنية، ومن طوال سور القرآن الكريم، إذ يبلغ عدد آياتها (129)، مما يجعلها سادس
أطول السور في كتاب الله المجيد، وهي أيضاً من أواخر السور التي أنزلت على رسول
الله – صلى الله عليه وسلم - إذ أنزلت في السنة التاسعة من الهجرة . وقد سميت بهذا
الاسم ـ التوبة ـ لورود هذه الكلمة ومشتقاتها في اثنتي عشرة آية من آياتها، كما
أطلق عليها اسم (براءة)، وهي الكلمة التي استهلت بها، وسميت باسم (الفاضحة)،
و(المُخزِية) ، و(المُثبِرة) ـ أي المُهلِكة ـ و"المُنكِّلة"، وسورة "العذاب"، وذلك
لفضحها المنافقين، وتنكيلها بهم، والواصفة لعذابهم يوم القيامة
" يَوْمَ لاَ
يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ . إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
"
.

كذلك سميت هذه السورة باسم (المُحفِّزة)، أو (الحافزة) لتحفيزها
المؤمنين على الجهاد في سبيل الله من أجل إعلاء دينه، والدفاع عن أرواح ودماء
وأعراض المؤمنين، وعن مقدساتهم، وأراضيهم، وشرفهم، وكرامتهم .
ولم تستفتح سورة (التوبة) بالبسملة؛ وذلك لأن البسملة رحمة من الله –
تعالى- والسورة مستهلة بإعلان براءة الله ورسوله من المشركين وشركهم، وفيها الهلاك
لهم، والرحمة والهلاك لا يجتمعان أبداً .
وفي المقال السابق عرضت لومضة الإعجاز الإنبائي في الآية الثامنة من هذه
السورة المباركة، وهنا أنطلق من نفس هذا الإعجاز الإنبائي لأبعث برسالة إلى كلٍ من
فلسطين الصامدة الجريحة، ولبنان الأبية العزيزة - شعباً، ومقاومة باسلة، وحكومة
راشدة – فأقول :


لقد أظهرت ملاحم فلسطين ولبنان خلال الشهر الماضي بصفة خاصة عظمة هذين
الشعبين العربيين التي تجسدت في تلاحم ووحدة أبنائهما، وصمودهما، وشجاعة مقاتليهما
وبطولاتهم في مواجهة جحافل العدو الصهيوني الغاصب لأرض فلسطين، والمُزوَّدة بأحدث
التقنيات العسكرية الأمريكية،
وذخائرها المُحرَّمة دُوَليَّاً وغير المحرمة، وقد اندحرت هذه الجحافل
أمام حفنة من المجاهدين الصادقين، المؤمنين بالله ورسوله، وبحتمية الجهاد في سبيله
أمام المؤامرة الدولية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية بهدف الهيمنة على
المنطقتين العربية والإسلامية، وتغيير جغرافيتهما تغييراً كاملاً بمزيد من التفتيت
على أساس من التعدديات العرقية والدينية والمذهبية في عالمنا العربي والإسلامي
.
فقد استطاعت وحدة الشعبين في كلٍ من فلسطين ولبنان – قيادة، وحكومة،
وممثلين ومقاومة، وشعباً - أن تصمد أمام هذا المخطط الشيطاني الذي أريد له أن يلبس
رداء الشرعية الدولية المزيفة بقرار من الأمم المتحدة، فرفضه هذان الشعبان
العظيمان، وأفشل تآمره بصموده أمام محاولات الجيش الصهيوني الهمجي الوحشي المدمر
والمفسد في الأرض، والذي ارتكب من المجازر البشرية ومن جرائم الحرب ما يدينه ويدين
من وراءه من قوى الشر في العالم أبد التاريخ .


واستمر هذا الصمود لأكثر من
شهر أمام محاولات هذا الجيش الهمجي الصهيوني غزو كلٍ من قطاع غزة وجنوب لبنان من
جديد، فأذلته المقاومة الباسلة، وأوقعت في صفوفه مئات القتلى وآلاف الجرحى، وأمطرت
عمق فلسطين المحتلة بأكثر من ثلاثة آلاف صاروخ زلزلت أركان المحتلين، وأجبرتهم على
الهجرة من مساكنهم كالجرذان المذعورة، أو إلى الاحتماء بالمخابئ المنشأة تحت الأرض
كأهل القبور .
ولم يتمكن العدو المعتدي من احتلال أيٍ من قطاع غزة ، أو أيٍ من المدن
اللبنانية على الرغم من كثافة غاراته الجوية على المدنيين الآمنين، وقتل آلاف
الأطفال، والنساء، والشيوخ، وجرح أضعاف هذا العدد، وعلى الرغم من تهجير ومحاصرة كلٍ
من البلدين أرضاً وبحراً وجواً، وعلى الرغم من تدمير البنية الأساسية للبلدين
تدميراً كاملاً : الطرق، والجسور، الموانئ والمطارات، محطات الكهرباء والماء، مخازن
النفط والغذاء والدواء، المدارس والمستشفيات، والمساجد، والكنائس، والمعاهد
والكليات، وحتى مباني قوات الأمم المتحدة ومنشئاتها المختلفة لم تسلم من هذا
العدوان الغاشم .
وعلى الرغم من ذلك كله فقد أذاقت المقاومة الباسلة جيش العدو الصهيوني
المعتدي من ويلات الحروب ما لم تستطع الجيوش العربية مجتمعه أن تذيقه إياها
.


وهنا أقول لرجال المقاومة الباسلة في البلدين أولاً : لقد رفعتهم رأس
الأمتين العربية والمسلمة عالية، فبارك الله في جهودكم، وثبَّت خطاكم، وسدَّد رميكم
بقوته، وحماكم بحمايته، وأنزل ملائكته تقاتل في صفوفكم وتدمر أعداءكم، وتدفع شرورهم
عنكم ، حتى تتحقق هزيمة أعداء الله وأعداء البشرية وأعدائكم، وحتى تتطهر المنطقة
العربية كلها من أرجاسهم، ودنسهم، وإفسادهم في الأرض ما دام عليها أبطال من
أمثالكم، وما ذلك على الله بعزيز .


وأقول للصهاينة المجرمين المعتدين ثانياً :
أنتم حثالة من حثالات الأمم، ونفاية من نفايات الشعوب، استعملتكم القوى
الغربية لتنتقم من هزيمتها في الحروب الصليبية على أرض فلسطين المباركة، فخططت
السياسات الشريرة من أجل الإتيان بكم إلى أرض فلسطين للتخلص من شروركم في ديارهم،
ولابتلاء المنطقة العربية بشروركم وإفسادكم، وجعلكم خلية سرطانية شريرة في قلب هذه
المنطقة، تحرككم وقتما شاءت حسب مخططات الغرب الطامعة في ثروات المنطقة والمعادية
لحضارتها وتاريخها ومعتقداتها .


ثم تبنَّتكم من بعد أوروبا دولة الولايات المتحدة الأمريكية التي تخطط
منذ عقود طويلة لميراث المنطقتين العربية والإسلامية من الدول الأوروبية،
واستخدمتكم كلب حراسة في المنطقة، تثيركم على إحدى دولها المرة تلو المرة، فخضتم ست
معارك كبرى دمرتم فيها المنطقة بخبثكم، وتآمركم، وبمسارعة أمريكا لنجدتكم، وراح
منكم آلاف القتلى والجرحى والمقعدين والأرامل والأيتام كما راح منا، ولكننا نعد
بمئات الملايين، وأنتم حثالة قليلة، القتل يضيرها أكثر مما يضيرنا، فضلاً على أن
قتلانا في الجنة وقتلاكم في نار الجحيم . والآن فاجأتكم المقاومة بصنف من المقاتلين
لم تعهدوا مواجهته منذ قتال المجاهدين لكم في الأربعينيات من القرن العشرين، وكانوا
وقتها عزلاً من السلاح، وهزموكم هزائم منكرة، ولولا مؤامرات الغرب وقرارات الأمم
المتحدة لأزالوكم من الوجود بالكامل .
ولكن المقاومة الباسلة استعدت لكم اليوم بالسلاح الذي قهرتكم به،
وبالروح الجهادية العالية، فأظهرت هزال جيشكم، وزيف الأسطورة التي روجتموها بأنه
الجيش الذي لا يقهر، فقهرته حفنة من المجاهدين الصامدين وأذلته، وكسرت استعلاءه في
الأرض وإفساده وفجره، ومرَّغت دعاياته المزيفة في الوحل، وقد أظهرت هذه الحرب
السادسة كما أظهرت كل ممارساتكم الوحشية، الهمجية، المفسدة في الأرض من قبل أنكم
قوم مجردون من أبسط معاني الإنسانية وقيمها، فلا أخلاق عندكم، ولا دين يحكمكم، ولا
قيم إنسانية تضبط سلوككم، فأثبتم بجرائمكم التي لا تحصى أنكم خلية سرطانية شريرة لا
يمكن قبولها ولا التعايش معها، وليس لها من علاج إلا اجتثاثها من جذورها، وتطهير
المنطقة من أخطارها ومفاسدها وشرورها؛ فمذابحكم الوحشية البشعة في كل مدينة عربية
تثبت انعدام أخلاقكم، وفساد معتقداتكم، وتجردكم من إنسانيتكم، حتى تحولتم إلى
مجموعة من شياطين البشر التي لا همَّ لها إلا الإفساد في الأرض بوحشية وهمجية يندر
لها المثيل إلا عند أشباهكم من مجرمي الحرب في كل زمان ومكان
.


ومن العجب أنكم بهذه الوحشية والهمجية والإفساد في الأرض تصمون صفوة
المجاهدين على أرض فلسطين وفي كلٍ من لبنان والعراق بالإرهاب، وأنتم تجسدون أقبح
صوره بجرائمكم اليوم وعبر التاريخ . وصدق الله العظيم إذ يقول فيكم:
" لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ
دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ .
كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا
يَفْعَلُونَ "
(المائدة: 78 – 79) .
ويقول – عز من قائل - : "
لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ وَالَّذِينَ
أَشْرَكُوا "
(المائدة: 82) .
ويقول – وقوله الحق - : "
وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ
مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُواًّ كَبِيراً . فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا
بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ
الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً . ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الكَرَّةَ
عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ
نَفِيراً . إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا
فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ
كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً . عَسَى
رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ
لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً "
(الإسراء: 4-Cool .

وبعد ذلك أقول لكم يا أيها المحتلون الغرباء : إن دعواكم بحقكم في أرض
فلسطين دعوى باطلة لا أساس لها من دين، أو منطق، أو عرق، أو لغة، أو قانون، ولقد
زينها لكم الذين حرفوا كتب الله وزوروا دينه من قبل، وحسنوا هذه الدعوى الباطلة في
أعينكم، فاندفعتم كأسراب الجراد كي تسطوا على أرض ليست لكم، وسرقتم دياراً ليست
بدياركم، فأنتم محتلون بالقوة العسكرية، وبدعم الدول الغربية، وفي مقدمتها الولايات
المتحدة الأمريكية . والمحتل سوف يُطرد من الأرض التي احتلها عنوة كما طُرد
الصليبيون من قبل بعد قرابة القرنين من الاحتلال الغاشم والحروب الطاحنة, ودوام
الحال من المحال، ولن تظل الولايات المتحدة هي القوة الكبرى المتحكمة – ظلماً - في
العالم، ويوم أن تزول دولتها سوف تزول دولتكم المصطنعة من الوجود ، وقد أعذر من
أنذر ، وقد جاء الوعد الحق أيها الغلاة المتجبرون في الأرض .


وأقول للشعوب العربية والمسلمة ثالثاً :
إن الغارة الإسرائيلية الأخيرة على شعب كلٍ من قطاع غزة والضفة ولبنان
أظهرت وهن الكيان الصهيوني وهزال جيشه، فقد استطاعت خفنة من المجاهدين الصادقين رد
محاولاته على الرغم من تفوق سلاح جوه الغادر الذي أمطر كل شبر من أرض هذين البلدين
العربيين بصواريخه الآثمة، وقنابله الأمريكية الذكية والغبية، وأسلحته المُحرَّمة
دولياً وغير المحرمة، من ارتفاع يفوق عدة كيلومترات كاللص المتسلل بليل، ثم يجري
كالجبان المذعور عند أقل مواجهة مع رجال المقاومة، وقد هُزمت قواته على الأرض هزيمة
منكرة، ورأيناه على شاشات التلفاز يلملم جثث قتلاه وأشلاء جنوده وجرحاه، وحطام
معداته من الدبابات والمجنزرات والعربات المصفحة، والناجون من جنوده وضباطه يبكون
على قتلاهم بكاءً الثكالى .


ولكم أن تتخيلوا يا معشر العرب والمسلمين : ماذا يمكن أن يكون وضع هذا
الكيان الغاصب إذا قطع عنه النفط ؟ ، أو دمر سلاح طيرانه بعملية مباغتة ؟، أو أطلقت
عليه الصواريخ من جميع الدول العربية المحيطة به في آن واحد ؟، وأجمعت الدول
العربية أمرها على التخلص من جرائمه ودنسه ؟ .. ما بقي هذا الكيان الإجرامي الذي
يتهدد المنطقة بأسرها بالدمار الشامل يوماً واحداً فوق الأرض المغتصبة
.
وأقول للشعوب العربية والمسلمة : إن الجيوش الأمريكية وأذنابها لم تغزُ
المنطقة العربية إلا من أجل تحقيق المزيد من تفتيتها إلى كيانات صغيرة هزيلة كي
تبقى الغلبة في المنطقة للكيان الصهيوني الغاصب لأرض فلسطين، ووسيلتهم في ذلك هو
زرع الفتن بين أبناء الأعراق والديانات والمذاهب المتعددة في المنطقة ، والذين
عاشوا عبر التاريخ أمة واحدة متلاحمة، متآخية، متراحمة كالجسد الواحد . وعلى عقلاء
الأمتين العربية والإسلامية إفشال هذا المخطط الشيطاني كما فعل الشعب اللبناني
الشقيق، وضرب للعالم كله مثلاً يُحتذى في تلاحم الأمة وتآخيها .
وأقول لزعماء الأمتين العربية والإسلامية رابعاً : إن المعركة الفاصلة
بيننا وبين الغزاة اليهود قادمة لا محالة بنص القرآن الكريم، وبنص أحاديث خاتم
الأنبياء والمرسلين - صلوات الله
وسلامة عليه وعليهم أجمعين - فاستعدوا وأعدوا لها ما استطعتم من قوة، فعدوكم جبان
وخبيث ولئيم، يعادي البشرية كلها بدعوى باطلة أنه شعب الله المختار، فلا تستبعدوا
استخدامه أسحلة الدمار الشامل، فليس لديه من الدين أو الأخلاق أو الإنسانية ما يمكن
أن يمنعه من ذلك، والتاريخ سوف يسجل لكم أو عليكم موقفكم من هذه الخلية السرطانية
التي غُرست في قلب المنطقة بمؤامرة دولية، وفي غفلة من الأمتين العربية والإسلامية،
واستغلالاً لفرقة الكلمة، والله – سبحانه وتعالى- سوف يسائلكم عن ذلك، فاللهَ اللهَ
في مسئولياتكم، وفي شعوبكم، وفي الأمانة التي وُضِعَت في أعناقكم
.


وأقول للحكومة الأمريكية وأذنابها خامساً ً: لقد خسرتم الدنيا والآخرة
بتجاهلكم للإسلام العظيم، وبعدائكم المستمر للمسلمين دون أن تحاولوا التعرف على هذا
الدين الذي لا يرتضي ربنا – تبارك وتعالى - من عباده ديناً سواه .
ولقد أغرتكم قوتكم العسكرية وتقدمكم التقني بظلم شعوب الأرض جميعاً،
والتجبر، وفرض إرادتكم عليها، وابتزاز ثرواتها، فخسرتم دنياكم وآخرتكم مرتين، فلم
تجنوا من سياساتكم المتعجرفة، المتغطرسة، المتجبرة إلا كراهية شرفاء العالم لكم
ولشعوبكم بعد أن تبين كذبكم، ونفاقكم، وزيفكم للجميع، ولم تعد دعاواكم المصطنعة
بأنكم حماة الحرية، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، فقد بان زيفها، وسقطت كل الأقنعة
عن وجوهكم الحقيقية التي لا تعرف إلا مكاسبها المادية، وأهدافها الشيطانية المدمرة،
ولو على دماء كل أهل الأرض .
وكان في دعمكم الأعمى للكيان الصهيوني الغاصب لأرض فلسطين، وتبريراتكم
الكاذبة لمظالمه، وجرائمه، وإرهابه مهما جاوز كل الحدود، وإمداداتكم المستمرة له
بالأموال والأسلحة والتقنيات المتقدمة، المُحلَّلة والمُحرَّمة، ودعمكم له في
المجالات السياسية والاقتصادية والإعلامية وفي المحافل الدولية، ودفاع إعلامكم عن
جرائمه المتعددة في حق شعوب المنطقة كلها والتغطية عليها، واعتراضكم على كل قرار من
قرارات الإدانة الصادرة ضده عن كل من مجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة لعشرات بل
لمئات المرات، كان في ذلك تعرية لواقعكم، وكشفاً لمواقفكم المنافية لأبسط قواعد
الحق والعدل .


وقد أكد ذلك غزوُكم غير المبرر لكلٍ من أفغانستان والعراق، وهما دولتان
عضوان في هيئة الأمم المتحدة، متجاوزين في ذلك كل القوانين والأعراف الدولية -
ومنها قوانين الأمم المتحدة - التي تسخرونها سيفاً مسلطاً على رقاب شعوب العالم
وحكوماته، وكانت جرائمكم هناك في الميادين العامة وفي السجون لا تقل إجراماً عن
جرائم الصهاينة المحتلين لأرض فلسطين؛ لأنهم مثلكم تماماً يتصرفون
.
وبعد كل هذه الجرائم والمظالم والتعديات، يتساءل رئيسكم في غباء واضح :
لماذا يكرهوننا ؟ . اقرأ هذا السطور لتفهم لماذا يكرهك شرفاء العالم ويكره بطانتك
الصهيونية/ الصليبية الحاقدة، والمؤيدة لمحاولاتكم المتكررة لاستعباد شعوب الأرض،
وامتصاص ثرواتها، والهيمنة على مقدراتها، وفرض مفاهيمكم الخاطئة وقيمكم الهابطة
عليها، ومشروع قراركم الأخير المفضوح ضد لبنان وشعبه خير شاهد على ذلك
.


ومن عجب العجاب أن هذا الرئيس الأمريكي يدَّعي صلة بالله، ويدعى – كذباً
- أنه يتلقى الإلهام منه، ولو عرف معنى الألوهية حقاً ما اقترف شيئاً من جرائمه
العديدة . وصدق الله العظيم إذ يقول – وقوله الحق - :
" كَيْفَ
وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً
يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ
"
(التوبة:Cool .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
نبيل خليل
عضو جديد


عدد المساهمات : 91
تاريخ التسجيل : 30/07/2011

مُساهمةموضوع: رد: الأعجاز التشريعى   الأحد سبتمبر 25, 2011 2:36 am

وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ
مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُواًّ كَبِيراً "‏ (الإسراء‏:4‏)

هذه الآية القرآنية الكريمة جاءت في أوائل سورة الإسراء‏,‏ وهي سورة
مكية‏,‏ وآياتها‏(111)‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة في
الآيات الأولى منها إلى رحلة الإسراء والمعراج التي كرم الله ـ تعالى ـ بها خاتم
أنبيائه ورسله ـ صلى الله عليه وسلم ـ تكريماً لم ينله مخلوق من قبل ولا من
بعد‏.‏
ويدور المحور الرئيسي لسورة الإسراء حول قضية العقيدة الإسلامية شأنها
في ذلك شأن كل السور المكية‏.‏ وقد سبق لنا استعراض سورة الإسراء وما أوردته من
ركائز العقيدة الإسلامية‏,‏ وما جاء بها من تشريعات تعبدية وأخلاقية وسلوكية‏,‏
وقيم روحية‏,‏ وإشارات كونية وتاريخية‏، وأركز هنا على ما جاء في الآية الرابعة من
هذه السورة المباركة من وصف دقيق للدخائل النفسية التي جمعها القرآن الكريم تحت
مسمى بني إسرائيل وإفسادهم في الأرض‏,‏ وقبل الوصول إلى ذلك لابد من استعراض سريع
لأقوال عدد من المفسرين في شرح دلالة هذه الآية الكريمة‏.‏
من أقوال المفسرين في تفسير
قوله ـ تعالى ـ‏:‏
"
وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ
مَرَّتَيْنِ
وَلَتَعْلُنَّ عُلُواًّ كَبِيراً "
‏(‏الإسراء‏:4)‏
‏‏ ذكر ابن كثير‏ ـ رحمه الله‏ ـ ما مختصره‏:‏ يخبر ـ تعالى ـ أنه قضى
إلى بني إسرائيل في الكتاب‏,‏ أي تقدم إليهم وأخبرهم في الكتاب الذي أنزله عليهم
أنهم سيفسدون في الأرض مرتين ويعلون علواً كبيرا‏ًً,‏ أي يتجبرون ويطغون ويفجرون
على الناس‏....‏ (انتهى قول المفسر)
‏ وجاء في الظلال‏ ـ رحم الله كاتبه برحمته الواسعة ـ ما مختصره‏:‏ وهذا
القضاء إخبار من الله ـ تعالى ـ لهم بما سيكون منهم‏‏ حسب ما وقع في علمه الإلهي من
مآلهم،‏ لا أنه قضاء قهري عليهم‏,‏ تنشأ عنه أفعالهم‏،‏ فالله ـ سبحانه ـ لا يقضي
بالإفساد على أحد
"‏ قُلْ
إِنَّ اللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ ...‏ "
(الأعراف:28)، إنما يعلم الله ما سيكون علمه بما هو كائن‏،‏ فما سيكون ـ
بالقياس إلى علم الله ـ كائن‏,‏ وإن كان بالقياس إلى علم البشر لم يكن بعد‏,‏ ولم
يكشف عنه الستار‏.
ولقد قضى الله لبني إسرائيل في الكتاب الذي آتاه لموسى أنهم
سيفسدون في الأرض مرتين‏,‏ وأنهم سيعلون في الأرض المقدسة ويسيطرون، وكلما ارتفعوا
فاتخذوا الارتفاع وسيلة للإفساد سلط الله ـ تعالى ـ عليهم من عباده من يقهرهم
ويستبيح حرماتهم ويدمرهم تدميراً ‏....‏ (انتهى قول المفسر)
‏‏ وذكر صاحب صفوة البيان لمعاني القرآن ـ رحمه الله ـ ما
نصه‏:

" وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ...
أوحينا إليهم‏,‏ بمعنى أعلمناهم وأخبرناهم في التوراة بما سيقع منهم من
الفساد مرتين في أرض الشام.‏ قيل‏:‏ الأولى‏تغيير التوراة وعدم العمل بها‏,‏ وحبس
إرمياء وجرحه‏,‏ إذ بشرهم بمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏‏ والأخرى قتل زكريا ويحيى
ـ عليهما السلام‏ ـ‏ وقال الجبائي‏:‏ إنه ـ تعالى ـ لم يبين ذلك، فلا يقطع فيه
بخبر‏.‏ وقوله تعالى‏:

" لَتُفْسِدُنّ‏ "
جواب قسم محذوف‏.
" ... وَلَتَعْلُنَّ عُلُواًّ كَبِيراً "
أي لتتكبرن عن طاعة الله، أو لتغلبن الناس بالظلم والعدوان‏،‏ وتفرطن في
ذلك إفراطاً مجاوزاً للحد‏.‏ (انتهى قول المفسر)

من الدلالات الإنبائية في الآية الكريمة:
أولاً‏:‏ في قوله ـ تعالى ـ‏:‏ " وَقَضَيْنَا ...
"‏:‏
‏(‏القضاء‏)‏ في اللغة العربية هو الحكم، وجمعه‏ (‏الأَقْضِيَة‏).
و‏(‏قَضَى‏) (‏يَقْضِي‏) (‏قَضَاءً‏ً)‏ أي حكم وأمر وأعلم بالحكم والفصل فيه‏,‏
ومعناه فصل الأمر قولاً كان أو فعلاً‏,‏ وقد يكون‏ (‏القضاء‏)‏ بمعنى الصنع
والتقدير والإبداع والفراغ من كل ذلك‏.‏ و‏(‏قَضَى)‏ الدَّيْنَ بمعنى فصل الأمر فيه
برده‏,‏ و‏(‏الاقْتِضَاء‏)‏ المطالبة بقضائه‏.‏ و‏(‏القَضَاءُ‏)‏ من الله ـ تعالى ـ
أخص من القدر؛ لأنه الفصل بين التقدير‏,‏ فالقدر هو التقدير‏، و(‏القضاء‏)‏ هو
الفصل والقطع فيما قدر‏،‏ والقدر ما لم يكن ‏(قَضَاءً‏)‏ فمرجو أن يدفعه الله‏,‏
ولكن إذا‏ (‏قَضَى‏)‏ فلا دافع له‏,‏ ولا يمكن تلافيه‏.‏
والفعل ‏(‏قَضَينَا‏)‏ في الآية الكريمة التي نحن بصددها هو بمعنى
الإخبار، وليس بمعنى الإجبار‏,‏ فهو من علم الله ـ تعالى ـ وهو علم شمولي محيط بكل
شيء،‏ الماضي والحاضر والمستقبل‏,‏ فكل ذلك عنده ـ سبحانه وتعالى ـ حاضر‏؛ لأن
الزمن من خلقه‏,‏ والخالق محيط بخلقه، والمخلوق لا يحد خالقه أبدا‏ًً،‏ فالمستقبل
بالنسبة للإنسان لم يكن بعد‏,‏ وهو في علم الله الخالق البارئ المصور كائن قائم
مشهود‏، ولذلك علم الله ـ تعالى ـ بعلمه المحيط أن بني إسرائيل سوف يفسدون في الأرض
مرتين‏,‏ وأنهم سوف يعلون ويتجبرون على شعب الأرض المقدسة‏,‏ وكلما بالغوا في
تجاوزاتهم سلط الله ـ سبحانه وتعالى ـ عليهم من عباده من يذيقهم سوء العذاب
بقهرهم‏,‏ وإذلالهم‏,‏ وتدميرهم‏,‏ واستباحة جميع حرماتهم‏.‏
وكان هذا القضاء الإلهي في التوراة التي آتاها الله ـ تعالى ـ عبده
ورسوله إليهم موسى ـ على نبينا وعليه من الله السلام ـ وإن رأى بعض المفسرين أن
المقصود بالكتاب في هذه الآية الكريمة هو اللوح المحفوظ‏,‏ وكلاهما يشير إلى علم
الله المحيط بكل شيء.‏


ثانيا‏ًً:‏ في قوله ـ تعالى ـ‏:‏ " ... إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ...‏
":‏
‏(‏إسرائيل‏)‏ هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ـ عليهم السلام ـ ومعنى
اسمه هو عبد الله‏,‏ ولا يعرف من تاريخه سوى أنه وُلِدَ في زمن جده الخليل‏,‏ وكانت
وفاته بمصر عند ولده يوسف ـ عليه السلام‏ ـ‏ وأنه أبو الأسباط‏,‏ ومن هنا سمي نسله
باسم بني إسرائيل، وأنه أقام بمصر أربعاً وعشرين سنة‏,‏ فلما حضرته الوفاة أوصى إلى
ابنه يوسف أن يدفنه عند أبيه إسحاق في أرض فلسطين‏,‏ وقد نفذ يوسف الوصية بذلك،
ونقل جثمانه في تابوت من مصر إلى أرض فلسطين‏.‏


ويخطئ من يتصور أن يهود اليوم هم كلهم من نسل يعقوب ـ عليه السلام ـ لأن
اليهودية كأحد الأديان السماوية قبله أفراد من أعراق متعددة‏,‏ وأن الادعاء بنقاء
العرق اليهودي هو ادعاء كاذب ينكره علم الأجناس‏,‏ كما ينكره وجود أعراق يهودية
متعددة اليوم‏.
ويشكل يهود الخزر‏ ـ‏ وهم يهود روسيا وأوروبا الشرقية‏ ـ‏ أكثر من‏92%‏
من مجموع يهود اليوم‏,‏ والخزر شعب وثني قديم‏,‏ تركي ـ مغولي ـ تتري الأصل، عاش في
المنطقة بين وادي الفولجا ووادي الدانوب والبحرين الأسود وقزوين‏,‏ ولا علاقة له
بالمنطقة العربية ولا بالأصول السامية،‏ وقد أقام هذا الشعب في الفترة مابين
القرنين الثاني والعاشر الميلاديين مملكة وثنية حول بحر قزوين عرفت باسم مملكة
الخزر،‏ شقت طريقها إلى أوروبا الشرقية عبر سلسلة من الحروب الدموية استمرت لعدة
قرون‏.‏
وفي منتصف القرن الثامن الميلادي ‏(‏سنة‏740‏ م‏)‏ وصل إلى مملكة الخزر
عدد من حاخامات اليهود الذين ساوموا ملك الخزر ـ وكان اسمه الملك
بولان‏
(Bulan)‏ ـ على قبول اليهودية ديناً فتهود‏,‏ وأجبر أهل مملكته على التهود
بإعلان اليهودية ديناً رسمياً للبلاد‏.‏
وفي القرن العاشر الميلادي تمكنت الإمبراطورية الروسية من غزو مملكة
الخزر وتدميرها، فهاجر معظم سكانها إلى دول أوروبا الشرقية‏,‏ ومنها رحلوا إلى
أوروبا الغربية، ثم إلى الأمريكتين‏,‏ ومن بقي منهم مثلوا يهود الإمبراطورية
القيصرية الروسية، وهؤلاء يعرفون باسم الإشكنازيم‏ ـ‏ أو السكناج‏ ـ أو يهود أوروبا
الشرقية، وهذا مفصل في المرجع التالي‏:
Dunlop,D.M..1954:H
The History of the
Jewish Khazars, H.Princeton University Press
.‏
Koestler,
Arthur
:‏H The Khazars: The Thirteenth Tribe, Its Heritage and Irs Empire

أما اليهود من غير الخزر فيشكلون أقل من ‏8%‏ من مجموع يهود اليوم، وهم
يهود آسيا وإفريقيا وبلاد الأندلس، ويعرفون باسم الإسفارديم ‏(‏أو السفاراديم‏)،‏
وهذا يبطل الادعاء الكاذب بنقاء العرق اليهودي من الاختلاط بأية أعراق أخرى‏,‏
وبنسبته إلى نبي الله يعقوب ـ عليه السلام ـ وهو إدعاء يبطله علم الأجناس كما يبطله
التاريخ‏.


من هنا كان التعبير القرآني بني إسرائيل ليس تعبيراً عرقياً؛ لأن القرآن
الكريم يؤكد وحدة الجنس البشري وردها إلى أب واحد‏,‏ ولكنه وصف لجماعة من الناس لها
من الأنانية ما شجعها على الاعتقاد الخاطئ بأنهم وحدهم هم شعب الله المختار‏,‏
وأبناؤه وأحباؤه‏,‏ وأن غيرهم من الخلق عبارة عن حيوانات في هيئة البشر حتى يكونوا
في خدمة اليهود‏,‏ وأن الرب هو رب إسرائيل والإسرائيليين فقط‏,‏ وأن الأغيار ـ‏
الأمميين‏ ـ لا ربَّ لهم‏,‏ ومن هنا فإن استباحة دمائهم وأعراضهم وأموالهم وأراضيهم
هي حلال عندهم‏,‏ وهي قربة إلى الله ـ تعالى الله عن ذلك علواً
كبيرا‏ًً.


وانطلاقاً من ذلك برع اليهود في التعصب ضد كل من هو غير يهودي‏,‏ وقد
أفاض القرآن الكريم في وصف ملامح الشخصية اليهودية وخصائصها الذاتية والمقومات
النفسية التي صاغت تلك الشخصية المتغطرسة المتجبرة، المتكبرة‏ القاسية القلب‏,‏
المستعلية على الخلق‏ إلى حد الوحشية والهمجية‏,‏ والتفنن في الغدر بالآخرين‏,‏
ونقض العهود والمواثيق‏,‏ والحقد على البشر جميعا‏ًً,‏ والحسد لكل نجاح‏,‏ والإصرار
على الإفساد في الأرض‏,‏ وعلى إشاعة الفواحش بين الناس‏,‏ وعلى هدم كل قيمة أخلاقية
وكل فضيلة‏، ولذلك قاتلوا أنبياء الله وقتلوا بعضهم، وأوقدوا نيران الحروب والفتن
على سطح الأرض‏,‏ واستباحوا كل حرمات الآخرين بدعوى أنهم شعب الله المختار وأبناء
الله وأحباؤه، وهي دعوى باطلة، ولا أساس لها من الصحة‏.‏
ولذلك قال ربنا ـ تبارك وتعالى ـ‏: "
وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ
مَرَّتَيْنِ
وَلَتَعْلُنَّ عُلُواًّ كَبِيراً " ‏(‏الإسراء‏:4)‏

ثالثا‏ًً:‏ في قوله ـ تعالى ـ:‏" ... لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ
مَرَّتَيْنِ
وَلَتَعْلُنَّ عُلُواًّ كَبِيراً ... "‏:‏
اختلف المفسرون في تحديد مَرَّتَي الإفساد الذي قام به بنو إسرائيل في
الأرض‏,‏ ولكن الراجح أن هاتين المرتين هما من أبشع ما قاموا به من إفساد‏؛ لأن
الإفساد في الأرض أصبح جزءاً لا يتجزأ من تكوينهم النفسي والعقدي، ولذلك قال ربنا ـ
تبارك وتعالى ـ بعد ذلك‏

" ...‏ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا
جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً "

(الإسراء:Cool.

والراجح عند المفسرين أن المرة الأولى من الإفساد الكبير لبني إسرائيل
في الأرض كانت في المدينة المنورة حين عادى اليهود رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم
ـ ورفضوا دعوته إلى دين الله‏,‏ وتآمروا عليه‏,‏ ونقضوا كل عهودهم معه‏,‏ وتعاونوا
مع الوثنيين من أعدائه عليه‏,‏ وألَّبوا عليه القبائل‏,‏ وحاولوا سمه وقتله‏,‏ ولكن
الله ـ تعالى ـ نجاه من كيدهم، ونصره عليهم بعد أن تكررت خياناتهم على أيدي كلٍ من
يهود بني قينقاع‏,‏ ويهود بني النضير‏,‏ وبني قريظة‏,‏ ويهود خيبر، فأمر رسول الله
ـ صلى الله عليه وسلم ـ بإجلائهم عن جزيرة العرب إجلاءً كاملاً، فتطهرت الأرض من
أرجاسهم‏.


وكان الإفساد الكبير الثاني لليهود في الأرض قد بدأ بالتآمر على أرض
فلسطين بدءاً من سنة ‏1649‏ م حين أقاموا في بريطانيا حركة صليبية صهيونية تدعو إلى
عودة اليهود إلى فلسطين بعد طردهم منها قبل ألف وستمائة سنة‏,‏ ومن أجل ذلك خططوا
لإسقاط دولة الخلافة الإسلامية بعد إنهاكها في سلسلة من المعارك التي لم تتوقف‏,‏
وقسموا تركتها إلى أكثر من‏57‏ دولة ودويلة‏,‏ وخططوا لاحتلال هذه الدول والدويلات
بواسطة الدول الغربية والشرقية المختلفة، ودعوا في سنة‏(1799‏ م‏)‏ للهجرة إلى
فلسطين، وتمكنوا من امتلاك أول قطعة أرض في فلسطين سنة ‏(1854‏ م‏)‏ بواسطة الضغوط
الدولية‏,‏ ثم أنشئوا الاتحاد الإسرائيلي العالمي في فرنسا سنة‏ (1860‏ م‏)، ومن
خلال القوي المحتلة لقلب العالم العربي بدأت هجرة اليهود سراً إلى أرض
فلسطين‏.‏


في سنة‏(1895‏ م‏)‏ أصدر النمساوي اليهودي هيرتزل كتاباً بعنوان دولة
اليهود‏,‏ وعقد المؤتمر الصهيوني العالمي الأول في سنة ‏1897‏ م، وتلاه عدة مؤتمرات
إلى اليوم ومن خلال هذه المؤتمرات أشعل اليهود الحربين العالميتين الأولى والثانية،
وسعوا إلى إعلان بريطانيا وعد بلفور في سنة‏1917‏، وأسسوا الثورة الشيوعية في روسيا
في السنة نفسها‏.‏


وتحت مظلة الانتداب البريطاني على أرض فلسطين تم التخطيط لتمكين يهود
العالم من هذه الأرض المباركة‏,‏ التي ملئوها فساداً ومؤامرات خفية ومعلنة حتى تم
إسقاط دولة الخلافة الإسلامية في سنة‏ 1924‏ م‏,‏ وتم إعلان دولة للصهاينة في سنة
‏1948‏ م‏,‏ وقامت أربع حروب طاحنة في المنطقة راح ضحيتها عشرات الآلاف من المدنيين
الأبرياء في عدد من المذابح البشعة‏,‏ ونتج عنها من الدمار ما دفع بالمنطقة إلى
الوراء لعشرات السنين‏.‏
وظل الضغط الدولي على حكومات المنطقة حتى سلمت بالأمر
الواقع، وقبلت بوجود كيان صهيوني غريب في قلب المنطقة العربية‏,‏ وتركت هذا الكيان
ينمو عسكرياً حتى أصبح خلية سرطانية مدمرة تهدد المنطقة بأسرها بالدمار الشامل‏,‏
وما حدث على أرض فلسطين طوال القرن الماضي وتجسد في الأسابيع القليلة الماضية‏,‏
والاجتياح الإسرائيلي لأرض لبنان الشقيق في هجمة تدميرية همجية شاملة في استعلاء
وكبر وغطرسة فاقت كل الحدود هو تجسيد لقول ربنا من قبل ألف وأربعمائة
سنة‏:‏


"
وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ
مَرَّتَيْنِ
وَلَتَعْلُنَّ عُلُواًّ كَبِيراً . فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ
أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا
خِلالَ الدِّيَارِ
وَكَانَ وَعْداً
مَّفْعُولاً . ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ
وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً . إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ
لأَنفُسِكُمْ
وَإِنْ
أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا
جَاءَ وَعْدُ
الآخِرَةِ لِيَسُوؤُوا
وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ
مَرَّةٍ
وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً . عَسَى رَبُّكُمْ أَن
يَرْحَمَكُمْ
وَإِنْ
عُدتُّمْ عُدْنَا
وَجَعَلْنَا
جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً ‏"

‏(‏الإسراء‏:4‏ ـ‏Cool.‏

هذه الآيات نزلت من قبل ألف وأربعمائة سنة‏,‏ والهمجية الإسرائيلية في
قلب المنطقة العربية اليوم والاستعلاء والكبر الممارسان بلا حدود‏,‏ والغطرسة
العسكرية والإحساس بالعلوية الكاذبة والتدمير الشامل للبنية الأساسية في كلٍ من
فلسطين ولبنان خير شاهد على صدق القرآن الكريم، وعلى أن الوعد الحق قد
قرب‏،

" ... وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ
أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ "
(يوسف:21)‏.‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
الأعجاز التشريعى
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 3 من اصل 4انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4  الصفحة التالية

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الرضا والنور  :: المنتدى الاسلامى :: عجاز العلمي في القران والسنة النبوية الشريفة-
انتقل الى: