الرضا والنور


{ وَأَشْرَقَتْ الْأَرْض بِنُورِ رَبّهَا }
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخولالمجلة
منتديات الرحمة والمغفرة على منهج اهل السنة والجماعة
( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِالله ) . نداء إلى أنصار رسول الله "صلى الله عليه وسلم "أنضم الينا لنصرة رسولنا من خلال منتديات " الرحمة والمغفرة ". لزوارنا الاعزاء ومن يرغب بالتسجيل بمنتدانا . بادر وسجل نفسك بالمنتدى لنشرالإسلام .مديرة الموقع / نبيلة محمود خليل . أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم ..
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة

شاطر | 
 

 الأعجاز التشريعى

اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4
كاتب الموضوعرسالة
نبيل خليل
عضو جديد


عدد المساهمات : 91
تاريخ التسجيل : 30/07/2011

مُساهمةموضوع: الأعجاز التشريعى   الأربعاء أغسطس 10, 2011 3:59 pm

تذكير بمساهمة فاتح الموضوع :

أعجاز التشريعى
,,,,,,,,,,,,,

( بَشِّرِ
المُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً *)


بسم
الله الرحمن الرحيم




من
أسرار القرآن الكريم :


(381)
- (
بَشِّرِ
المُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً
*)


(النساء:138).

بقلم

الأستاذ
الدكتور/ زغلول راغب النجار


هذه الآية القرآنية الكريمة جاءت في أوائل
الربع الأخير من سورة "النساء", وهي سورة مدنية, وآياتها مائة وست وسبعون (176) بعد
البسملة, وهي رابع أطول سور القرآن الكريم بعد كل من سورة "البقرة", والأعراف",
و"آل عمران". وقد سميت سورة "النساء" بهذا الاسم لكثرة ما ورد فيها من الأحكام
الشرعية التي تتعلق بالنساء.


ويدور
المحور الرئيس لسورة "النساء" حول قضايا التشريع لكل من المرأة, والأسرة, والمجتمع,
والدولة, وذلك من مثل تشريعات الزواج, والطلاق, والعبادات, والمواريث, والجهاد في
سبيل الله. وحسن تربية الأبناء, من أجل إقامة المجتمع المسلم الخالي من المخالفات
الشرعية, ومن رواسب الجاهلية القديمة والحديثة.


وبالإضافة
إلى ذلك تقرر سورة "النساء" وحدانية الخالق- سبحانه وتعالى- التي تؤكد على وحدة
رسالة السماء, وعلى الأخوة بين الأنبياء, وبين الناس جميعا.

هذا وقد سبق لنا استعراض سورة "النساء", وما
جاء فيها من التشريعات الإسلامية, وركائز العقيدة, والإشارات الكونية, ونركز هنا
على لمحة الإعجاز التشريعي في تحريم النفاق, وذم المنافقين, والتأكيد على خطر
وجودهم في مجتمع من المجتمعات الإنسانية, لأنهم أخطر على المجتمع الذي يتواجدون فيه
من أي انحراف آخر سواء كان هذا الانحراف عقديا أو سلوكيا – على خطورة مثل تلك
الانحرافات على المجتمعات الإنسانية بصفة عامة – إذا أرادت أن تحيا حياة
سوية.


من
أوجه الإعجاز التشريعي في الآية الكريمة


يقول
ربنا- تبارك وتعالى- في محكم كتابه :


(بَشِّرِ
المُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً
*
الَّذِينَ
يَتَّخِذُونَ الكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ
عِندَهُمُ العِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً
*
وَقَدْ
نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ
بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي
حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ
المُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً
*)
(النساء : 138-140).


وتستمر
الآيات في سورة "النساء" محذرة من المنافقين ومن أخطارهم على المجتمع حتى يأتي قرار
الله- تعالى- حاسما جازما يجعلهم أكثر خطرا على المجتمعات من الكافرين وذلك بقوله-
تعالى-:
(إِنَّ
المُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ
نَصِيراً
*)
(النساء:145).


ومن
معاني هذه الآيات الكريمة أن الله- تعالى- يأمر خاتم أنبيائه ورسله- صلى الله عليه
وسلم- أن ينذر المنافقين بأن لهم عذابا أليما يوم القيامة , لتوليهم لكافرين من دون
المؤمنين, فهل يطلبون العزة من هؤلاء الكافرين ؟ والعزة لله- تعالى- وحده يهبها لمن
يشاء من عباده المؤمنين, ومن اعتز بالله عز ومن اعتز بغير الله ذل . وقد نزل الله
عليكم في القرآن الكريم أنكم إذا سمعتم من المنافقين الاستهزاء والجحود بآيات الله
فلا تقعدوا معهم حتى ينتقلوا إلى حديث غيره, فإن لم تفعلوا ذلك شاركتموهم في جريمة
الكفر بآيات الله والسخرية منها, وإن عاقبة ذلك وخيمة على كل من الكافرين
والمنافقين الذين سيجمعهم الله جميعا قي جهنم.


وجاءت الإشارة إلى النفاق والمنافقين بمختلف
صياغات الكلمة (إسما وفعلا ومصدرا, وبالإفراد والجمع ) في سبعة وثلاثين (37) موضعا
من كتاب الله. و(النفاق) هو فعل المنافق الذي يدخل في الشرع من باب ويخرج عنه من
باب آخر, أي يظهر الإسلام وهو يبطن الكفر, ولذلك نبه ربنا- تبارك وتعالى- على خطر
النفاق والمنافقين بقوله العزيز :

(الْمُنَافِقُونَ
وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ
عَنِ المَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ
المُنَافِقِينَ هُمُ
الفَاسِقُونَ

*) (التوبة : 67).


و(الفاسقون)
في هذه الآية الكريمة هم الخارجون عن شرع الله. ومن معاني هذه الآية الكريمة أن
المنافقين والمنافقات يتشابهون في أنهم يفعلون من الأمور أقبحها, ويتظاهرون بالصلاح
والورع, ويتركون الحق وينأون عنه, ويدعمون الباطل ويساندونه, ويدعون أنهم الأصلح
للمجتمع. ويبخلون بأموالهم عن وجوه الخير, وينفقونها في وجوه الشر وجاهة وسمعة.
أعرضوا عن خالقهم فأعرض عنهم, وتركهم في ضلالهم لأنهم هم حقا الخارجون عن شرع
ربهم.


وبالإضافة
إلى التملق المزيف لأصحاب الجاه والسلطان, وإلى إظهار المنافق غير ما يبطن, وإلى
خداع نفسه وخداع غيره, وتلونه بكل لون, فإن نهاية النفاق دوما إلى بوار . ورسول
الله- صلى الله عليه وسلم- يضيف إلى صفات المنافقين الخيانة والكذب والغدر والفجور
وذلك بقوله الشريف
"
آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب , وإذا وعد أخلف, وإذا اؤتمن خان "

وقال-
صلى الله عليه وسلم-
"
أربع من كن فيه كان منافقا خالصا, ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق
حتى يدعها : إذا اؤتمن خان, وإذا حدث كذب, وإذا عاهد غدر, وإذا خاصم فجر " (أخرجه
كل من البخاري ومسلم).


[right] لذلك كان صحابة رسول الله- صلى الله عليه وسلم-
أبعد الناس عن النفاق والمنافقين, وأحرصهم على ألا يتسلل إلى تصرفاتهم شئ من هذه
الصفات الذميمة, فعن ابن أبي مليكة- رحمه الله- أنه قال "أدركت ثلاثين من أصحاب
النبي- صلى الله عليه وسلم- كلهم يخاف النفاق على نفسه ". ويذكر عن الحسن البصري-
رضي الله عنه- قوله عن النفاق : "ما خافه إلا مؤمن, ولا أمنه إلا
منافق".


والنفاق
يدمر الروابط في المجتمع, وينشر فيه كلا من الخداع, والمراوغة, والتلبيس, والغش,
والكذب, حتى تنعدم الثقة بين الناس, وتسود علاقاتهم الحذر والحيطة والشك في كل أمر,
والخداع والريبة في كل صلة. ومن صفات المنافق قساوة القلب, وجمود العين, والإصرار
على الذنب, والحرص على الدنيا.


فكل
من الخيانة, والكذب, والغدر, والفجور هي من صفات المنافقين , وإذا اجتمعت هذه
الصفات الذميمة في فرد واحد كان منافقا خالصا كما وصفه رسول الله- صلى الله عليه
وسلم-. وهذه الصفات القبيحة تعبر عن انحطاط في أخلاق من يحملها, لأنه لا يمكن أن
يؤتمن على شئ من تعود على خيانة الأمانة , ولا يمكن لمن تعود على الكذب أن يصدقه
الناس, ولا يمكن لغادر أن يحفظ العهد, ولا يمكن لفاجر إلا أن يرمي خصومه
بالافتراءات الكاذبة وبالتهم الباطلة, وإنسان هذا شأنه لا يمكن أن يكون لبنة صالحة
في مجتمع سليم, بل هو خارج على قوانين المجتمع وأمنه, وخارج عن فطرته السوية التي
فطره الله- تعالى- عليها , لأنه كي يحقق مآربه الشيطانية فلا بد وأن يظهرغير ما
يبطن, وأن يدعي الصدق وهو يعلم أنه كاذب, ويتظاهر بالأمانة ثم يخون, ويدعي المحافظة
على العهد وهو يخطط للغدر به. والمنافق إذا لم يراجع نفسه, وإذا لم يردها عن غيها
باستمرار غلب عليه النفاق حتى في معاملته مع ربه مما يؤدي إلى انتزاع الإيمان من
قلبه, وتركه ليمتلئ بالنفاق حتى يلقى ربه وهو- تعالى- غاضب عليه, وفي ذلك يقول
الحق- تبارك وتعالى-:
(
وَمِنْهُم
مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن
فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ
*
فَلَمَّا
آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُم مُّعْرِضُونَ*
فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا
أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) (التوبة
75-77)


والمنافقون
في كل زمان ومكان همهم الأكبر الحصول على أكبر قدر من المكاسب المادية بأي ثمن دون
تحري الحلال من الحرام, حتى لو كان ذلك على حساب حقوق الآخرين وحساب المصالح العامة
والأخلاق والقيم وعلى حساب كرامتهم الشخصية, فيعيشون كالعبيد الذين لا يملكون من
أمرهم شيئا , ولا يحركهم إلى مطامعهم إلا شهواتهم الدنيئة.


ومن
أبشع صور النفاق ما يعرف باسم النفاق السياسي الذي يتبعه المتسلقون الوصوليون أصحاب
الشهوات المفتوحة على المال والسلطة, فيستخدمون النفاق في مجاملة الحكام وتملقهم,
وتزيين أعمالهم الخاطئة, في أنظارهم وأنظار الغير وإظهارها بغير مظهرها الحقيقي
فيخدعوهم ويخدعوا المجتمع كله ويخدعوا أنفسهم , وذلك من أجل بعض المكاسب الشخصية ,
ورحم الله أمير الشعراء شوقي الذي قال:


يولد السيد المتوج
غضا *
طهرته في مهده النعماء


فإذا ما المملقون تولوه *
تولت طباعه الخيلاء
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

كاتب الموضوعرسالة
نبيل خليل
عضو جديد


عدد المساهمات : 91
تاريخ التسجيل : 30/07/2011

مُساهمةموضوع: رد: الأعجاز التشريعى   الأحد سبتمبر 25, 2011 2:37 am

...‏ وَتَأْتُـونَ فِي نَادِيكُمُ المُنكَـرَ ‏... " (العنكبوت‏:29)

هذا النص
القرآني الكريم جاء في نهاية النصف الأول من سورة العنكبوت‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏
وآياتها‏(69)‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلى بيت
العنكبوت، وهو أوهن البيوت على الإطلاق مادياً لكثرة الفتحات بين خيوطه‏,‏ ومعنوياً
لانعدام الرحمة والمودة فيه‏.‏
ويدور المحور الرئيسي للسورة حول قضية الإيمان
بالله‏,‏ وتكاليف ذلك الإيمان في المعركة الأزلية بين الحق والباطل‏,‏ وبين الإيمان
والكفر‏,‏ وما يمكن أن يتعرض له المؤمنون من ابتلاءات في هذه المعارك بسبب تمسكهم
بدين الله والدعوة إليه‏.‏
وتأكيداً لهذه السنة الدهرية عرضت سورة العنكبوت لقصص عدد من أنبياء الله
ورسله‏,‏ وما لاقوه من المصاعب والعقبات في طريق دعوتهم إلى دين الله‏,‏ كما عرضت
لعدد من الشخصيات والأمم الطاغية المتجبرة، وكيف أخذهم الله بذنوبهم أخذ عزيز
مقتدر‏؛‏ وذلك تحقيراً لشأنهم‏,‏ وضرباً للأمثال بهم‏.‏
و ربطت سورة العنكبوت
بين الحق المنزل في دين الله والحق القائم في السماوات والأرض‏,‏ وأكدت وحدانية
الله ـ تعالى ـ فوق جميع خلقه‏,‏ كما أكدت وحدة رسالة السماء‏,‏ وعلى الأخوة بين
الأنبياء‏.‏
وتبدأ سورة العنكبوت بالحروف المقطعة الثلاثة ‏(‏الم‏)‏ التي تكررت
في مطلع ست من سور القرآن الكريم‏,‏ وقد سبق لنا مناقشتها،‏ وبعد هذا الاستهلال
تؤكد هذه السورة الكريمة أن ابتلاء المؤمنين بالفتن هو من سنن الله في الأرض من أجل
إعدادهم لتحمل أمانة التبليغ عن الله وعن رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفي ذلك
يقول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ‏:‏
" أَحَسِبَ
النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا
وَهُمْ لاَ
يُفْتَنُونَ‏ . وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ
اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا
وَلَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِينَ "‏‏ ‏(‏
العنكبوت‏:3,2)‏.
ومن الفتن التي يتعرض لها الإنسان في هذه الحياة الدنيا‏‏
شهوات النفس‏,‏ وإغراءات المال‏,‏ وغوايات الشيطان بالمعاصي‏,‏ والذوبان في عوالم
الضياع والفتن التي يعيشها إنسان اليوم‏,‏ واستبطاء الرزق أو النصرة، وفتن الأهل
والأقارب في زمن اختلال الموازين وانقلاب المعايير‏,‏ وفتنة النساء في زمن التعري
الفاضح‏,‏ وفتن الانحرافات العقدية والسلوكية العديدة، وغير ذلك من حبائل شياطين
الأنس والجن وما أكثرها‏،‏ ولا يستطيع المؤمن الثبات على إيمانه إلا بالانتصار على
هذه الفتن‏,‏ والاستعلاء بعلاقته بربه فوق الدنيا وما فيها‏,‏ والأنس بمعية الله‏,‏
والثقة الراسخة في إلوهيته وربوبيته ووحدانيته المطلقة فوق جميع خلقه‏,‏ وبأنه لا
سلطان في هذا الوجود لغير الله‏؛‏ وذلك لأن النفس الإنسانية تصقلها الشدائد،
وتطهرها وتوقظ كوامن الخير فيها‏,‏ وتأخذ بزمامها إلى مسارات الجد الذي لا هزل
فيه‏,‏ وتصرفها عن كل تافه وحقير في هذه الحياة‏,‏ وتحفظها من الضياع والضلال في
دروبها المتشعبة‏,‏ وذلك على مستوى الأفراد والجماعات‏,‏ فلا يبقى صامداً صابراً في
الابتلاءات إلا من زكت نفسه وشرفت خصاله‏,‏ وخلصت نواياه وأعماله لله الخالق البارئ
المصور وحده ـ بغير شريك‏,‏ ولا شبيه‏,‏ ولا منازع‏,‏ ولا صاحبة‏,‏ ولا ولد ـ فيبقى
المؤمن ثابتاً على عهد الله حتى يلقاه وهو ـ تعالى ـ راضٍ عنه‏,‏ وقد أسلم الراية
من بعده إلى من يكمل المسيرة من ورائه‏,‏ فلا يحرم أجر ذلك حتى قيام
الساعة‏.‏
أما الذين يفسدون في الأرض‏,‏ ويتجبرون على الخلق‏,‏ ويفتنون
المؤمنين‏,‏ ويعملون السيئات عن قصد وعمد، فلن يفلتوا أبداً من عقاب الله في
الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب مقيم،‏ ولذلك تقول الآيات‏:‏
" أَمْ
حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا
يَحْكُمُونَ‏ .‏ مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ
لآتٍ
وَهُوَ
السَّمِيعُ العَلِيمُ .‏ وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ
اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ "

‏(‏العنكبوت‏:4‏ ـ‏6).‏
وتؤكد الآيات أجر الذين آمنوا وعملوا الصالحات‏,‏ وتوصي
الإنسان بوالديه إلا في الأمر بالشرك أو الكفر بالله‏,‏ ثم تقابل مواقف المؤمنين
الثابتين في الفتن بمواقف الضعفاء المستخذين فيها‏,‏ وهو موقف من مواقف النفاق‏,‏
والله لا يحب المنافقين‏.‏
وهناك فرق واضح بين تجاوز الفتنة ـ في بعض الحالات ـ
كل قدرات الاحتمال عند الإنسان، فيضعف المؤمن ويبقى واثقاً من نصر الله‏,‏ بينما
يلجأ غيره إلى اليأس والقنوط من رحمة الله‏.‏
وتستعرض الآيات في سورة العنكبوت
بعد ذلك قصص عدد من الأنبياء والرسل‏,‏ ومواقف أقوامهم منهم‏,‏ وما نزل من عقاب
الله على الجاحدين من أبناء تلك الأقوام جماعات وأفرادا‏ًً,‏ وفي ذلك يقول ربنا ـ
تبارك وتعالى ـ‏:‏
" فَكُلاًّ
أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ
حَاصِباً
وَمِنْهُم
مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ
وَمِنْهُم
مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ
وَمِنْهُم
مَّنْ أَغْرَقْنَا
وَمَا كَانَ
اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ
وَلَكِن
كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ "

‏(‏العنكبوت‏:40).‏
وبعد استعراض مصارع هؤلاء من الطغاة المتجبرين في الأرض
والمفسدين فيها‏,‏ تعود الآيات للتأكيد أنه لا سلطان في هذا الوجود لغير الله‏,‏
ولا ملجأ ولا منجى منه إلا إليه ـ سبحانه ـ‏ وأن قوى أهل الشر الطغاة المتجبرين
هزيلة ضعيفة واهنة‏,‏ مهما تعاظمت وتجبرت‏,‏ وأن اللجوء إليها والاحتماء بها
كاحتماء العنكبوت ببيتها الهزيل الواهن الضعيف‏,‏ والذي تصفه السورة الكريمة بأنه‏
(‏أوهن البيوت‏)‏ فتقول‏:‏
" مَثَلُ
الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ العَنكَبُوتِ
اتَّخَذَتْ بَيْتاً
وَإِنَّ
أَوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ
"
‏(‏العنكبوت‏:41)‏.
ثم تنتقل الآيات بالخطاب إلى رسول الله ـ صلى
الله عليه وسلم ـ فتقول‏:
" اتْلُ مَا
أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الكِتَابِ
وَأَقِمِ
الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ
وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ
اللَّهِ أَكْبَرُ
وَاللَّهُ
يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ "

‏(‏العنكبوت‏:45).
وتأمر الآيات في سورة العنكبوت المسلمين بحسن مجادلة أهل
الكتاب فتقول‏:‏
"
وَلاَ
تُجَادِلُوا
أَهْلَ الكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا
مِنْهُمْ
وَقُولُوا
آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا
وَأُنزِلَ
إِلَيْكُمْ
وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ
لَهُ مُسْلِمُونَ "

‏(‏العنكبوت‏:46)‏.
وتستمر الآيات في تعظيم شأن القرآن الحكيم‏,‏ وفي التحذير من
فجائية الآخرة وأهوالها‏,‏ مؤكدة أن جهنم بنيرانها قريبة من المفسدين في
الأرض‏.
ثم تنتقل الآيات بالخطاب مرة أخرى إلى المؤمنين‏،‏ تدعوهم إلى الهجرة
إذا ضيق عليهم في بلادهم‏,‏ فأرض الله واسعة‏,‏ ويكرمهم الله ـ تعالى ـ بنسبتهم إلى
ذاته العلية، وذلك بندائهم بقوله ـ عز من قائل ـ:
" يَا
عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا .‏.. "‏
مؤكداً لهم أن
أقصى ما يمكن أن يتعرض له العبد في هذه الحياة الدنيا هو الموت‏,‏ وهو حق على كل
مخلوق‏,‏ وأن جزاء الصابرين المتوكلين على ربهم هو الجنة ـ ونعم أجر العاملين ـ وأن
الله ـ تعالى ـ هو الذي
‏" ....
‏يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ
وَيَقْدِرُ
لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ "

‏(‏العنكبوت‏:62)‏.
ومن تناقضات المشركين أنهم لا ينكرون أن الله ـ تعالى ـ هو
الذي خلق السموات والأرض‏,‏ وسخر الشمس والقمر‏,‏ وهو الذي نزل من السماء ماء فأحيا
به الأرض بعد موتها‏,‏ وعلى الرغم من ذلك يشركون به‏,‏ والله ـ تعالى ـ يحذرهم
بقوله العزيز‏:
" وَمَا
هَذِهِ الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ
وَلَعِبٌ وَإِنَّ
الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ "

‏(‏العنكبوت‏:64)‏.
وتستمر الآيات في عرض ما وقع فيه المشركون من قريش من
تناقضات أفضت بهم إلى الكفر بأنعم الله ـ ولا تزال ـ من أجل التمتع المؤقت ببعض
قشور الحياة الدنيا الفانية‏,‏ وهم الذين أكرمهم الله ـ تعالى ـ بحرم مكة الآمن‏,‏
ومن حولهم القبائل في اقتتال وتناحر مستمر‏,‏ ولا يجدون الأمن إلا في ظل هذا البيت
الحرام‏,‏ وبدلاً من تعظيمه، ملئوا ساحته بالأصنام والأوثان التي أشركوها في عبادة
الله ـ تعالى ـ ظلماً وعدواناً بغير علم‏.
وتختتم السورة الكريمة بقول الحق
تبارك وتعالى ـ‏:‏
" وَمَنْ
أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا
جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ‏ . وَالَّذِينَ جَاهَدُوا
فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا
وَإِنَّ
اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ "

‏(‏العنكبوت‏:69,68)‏.
من ركائز العقيدة في سورة العنكبوت:
‏(1)‏ الإيمان
بأن الله يبتلي عباده بالمحن والتكاليف حتى يُثْبِتُوا حقيقة إيمانهم‏.‏
‏(2)‏
اليقين بحتمية الموت، وبحقيقة البعث والحشر، والحساب والجزاء‏,‏ والجنة والنار‏,‏
وبأن لقاء الله حق‏,‏ وبأنه آت لا محالة‏,‏ وبأن أحداً لا يستطيع الفرار من قدر
الله‏.‏
‏(3)‏ التصديق بأن من جاهد
" ...‏
فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ
‏"
(العنكبوت:6),‏ وبأن الرزق يقدره الله‏.‏
‏(4)‏ التسليم بأن الله ـ
تعالى ـ يكفر السيئات عن عباده المؤمنين إذا تابوا إليه وأنابوا واستغفروه‏,‏ وقد
تعهد بجزائهم أحسن الذي كانوا يعملون‏,‏ وبإدخالهم في الصالحين، وفي جنات
النعيم‏.‏
‏(5)‏ الإيمان بأن بر الوالدين فريضة إسلامية فرضها الله على جميع
عباده‏,‏ وعلى الأولاد طاعتهما إلا في الأمر بالشرك أو الكفر بالله‏.‏
‏(6)‏
اليقين بأن الله أعلم بما في صدور جميع عباده‏,‏ ويعلم الذين آمنوا ويعلم
المنافقين‏,‏ وهو الذي يعذب من يشاء ويرحم من يشاء بعلمه وعدله وحكمته
وإرادته‏.‏
‏(7)‏ التصديق بكل ما جاء بالقرآن الكريم‏,‏ والاعتبار بقصص
الأولين‏,‏ والتسليم بأن ما على الرسول إلا البلاغ المبين‏.‏
‏(Cool‏ الاعتقاد
بالوحدانية المطلقة لله فوق جميع خلقه‏,(‏ بغير شريك‏,‏ ولا شبيه‏,‏ ولا منازع‏,‏
ولا صاحبة‏,‏ ولا ولد‏)،‏ وبتنزيهه ـ سبحانه وتعالى ـ عن جميع صفات خلقه‏,‏ وعن كل
وصف لا يليق بجلاله‏,‏ واليقين بأنه ـ تعالى ـ هو الذي أنزل القرآن الكريم بعلمه
على خاتم أنبيائه ورسله ـ صلى الله عليه وسلم‏.‏
‏(9)‏ الإيمان بأن الله هو الذي
يُبدِْئ الخلق ثم يعيده‏,‏ وأن ذلك على الله يسير‏,‏ وبأن قدرته محيطة بجميع خلقه
في السماوات وفي الأرض، فلا ملجأ من الله إلا إليه‏.‏
‏(10)‏ اليقين بأن كل خروج
عن الفطرة مهلك للإنسان‏,‏ وبأن من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه‏,‏ وبأن الدنيا
لعب ولهو، وأن الدار الآخرة هي الحيوان، أي الحياة الحقيقية لخلودها ودوامها بلا
نهاية‏.‏
من الإشارات الكونية في سورة العنكبوت‏:‏
‏1‏ ـ التأكيد
على أن الله ـ تعالى ـ هو الذي يبدئ الخلق ثم يعيده، وأن ذلك على الله يسير‏.‏ ونحن
نرى صورة مصغرة لذلك في دورة الحياة والموت التي تتكرر في الأحياء بالتناسل المستمر
إلى أن يشاء الله‏,‏ ودورة تخلق أجرام السماء من دخان الكون وإفنائها إلى دخان
الكون‏,‏ وإعادة خلقها منه بإرادة الله ـ تعالى ـ‏‏ ودورة الماء حول الأرض‏,‏ ودورة
الصخور‏,‏ ودورات تشكل سطح الأرض‏,‏ ودورات تخلق كلٍ من المادة والطاقة وتبادلهما
وإفنائهما‏,‏ وإعادة خلق كلٍ منهما‏,‏ إلى غير ذلك من دورات‏.‏
‏2‏ ـ الإشارة
إلى أن السير في الأرض وتأمل صخورها ودراسة بقايا الحياة في تلك الصخور هي وسيلة
تعرف الإنسان على تاريخ الأرض‏,‏ وعلى كيفية بدء الخلق‏,‏ وهذا ما أثبتته الدراسات
في مجال علوم الأرض‏.‏
‏3‏ ـ التأكيد على أن النشأة الآخرة بعد تدمير الكون سوف
تسير على نفس الخطى‏,‏ وتتبع نفس النظام الذي وضعه الخالق ـ سبحانه وتعالى ـ للخلق
الأول‏.‏
‏4‏ ـ تسجيل حقيقة أن بيت العنكبوت هو أوهن البيوت على الإطلاق من
الناحيتين المادية والمعنوية‏,‏ وهو ما ثبت مؤخراً في علم دراسة حيوانات الأرض
وسلوكياتها‏.‏
‏5‏ ـ هذا بالإضافة إلى العديد من الإشارات التاريخية والنفسية
التي تقع من الدراسات العلمية في الصميم‏.‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى
معالجة خاصة بها‏,‏ ولذا فسوف أركز هنا على مخاطر الإعلان بالمنكرات والفواحش على
المجتمعات الإنسانية، وهو ما جاء استنكاره وتحريمه وتجريمه في الآية القرآنية
الكريمة رقم‏(29)‏ من سورة العنكبوت
.‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
نبيل خليل
عضو جديد


عدد المساهمات : 91
تاريخ التسجيل : 30/07/2011

مُساهمةموضوع: رد: الأعجاز التشريعى   الأحد سبتمبر 25, 2011 2:38 am

وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً "
(الإسراء:32)

هذه الآية القرآنية الكريمة
جاءت في أواخر الثلث الأول من سورة الإسراء‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وآياتها‏(111)‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت
بهذا الاسم لورود الإشارة في مطلعها إلي رحلة الإسراء والمعراج التي كان فيها من
التكريم لخاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلي الله عليه وسلم ـ ما لم ينله مخلوق من قبل
ولا من بعد‏.‏
وكطبيعة السور المكية يدور المحور الرئيسي لسورة الإسراء حول قضية
العقيدة الإسلامية ومن ركائزها الايمان بالله ـ تعالي ـ ربا واحدا أحدا‏,‏ فردا
صمدا‏,‏ بغير شريك‏,‏ ولا شبيه‏,‏ ولا منازع‏,‏ ولا صاحبة‏,‏ ولا ولد‏.‏ وتنزيهه ـ
سبحانه وتعالي ـ عن جميع صفات خلقه‏,‏ وعن كل وصف لا يليق بجلاله‏,‏ ولذلك بدأت هذه
السورة الكريمة بقول الحق ـ تبارك وتعالي‏:‏ ـ
" سُبْحَانَ
الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ
الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ
السَّمِيعُ البَصِيرُ "
‏(‏الإسراء‏:1)‏
ثم تنتقل السورة الكريمة إلي الحديث عن التوراة‏,‏
ذلك الكتاب المقدس الذي آتاه الله ـ سبحانه وتعالي ـ عبده ونبيه موسي بن عمران
وجعله هدي لبني إسرائيل فانصرفوا عنه‏.‏
ثم تمتدح سورة الإسراء القرآن الكريم‏,‏
ذلك الكتاب الخاتم الذي أنزله الله‏(‏ تعالي‏)‏ بعلمه علي خاتم أنبيائه ورسله‏,‏
وحفظه بحفظه في نفس لغة وحيه‏(‏ اللغة العربية‏)‏ علي مدي الأربعة عشر قرنا
الماضية‏,‏ وتعهد بهذا الحفظ تعهدا مطلقا ـ كي يبقي القرآن شاهدا علي جميع الخلق
إلي قيام الساعة بأنه كلام الله الخالق وشاهدا للرسول الخاتم الذي تلقاه بالنبوة
وبالرسالة ولذلك قال ربنا ـ تبارك اسمه ـ‏:‏
" إِنَّ
هَذَا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ
وَيُبَشِّرُ
المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً
"
(‏ الإسراء‏:9)‏
وتقرر الآيات أن الله‏(‏ تعالي‏)‏ قد أعد للذين لا
يؤمنون بالآخرة عذابا أليما‏,‏ وأن الإنسان في طبعه شيء من الاندفاع والعجلة‏,‏ ومن
المبادرة بالدعاء بالشر قبل الدعاء بالخير‏,‏ علما بأن الله‏(‏ تعالي‏)‏ قد فصل له
كل شيء‏,‏ كما تقرر المسئولية الفردية في الهدي والضلال وتقضي بأنه
‏(.....‏
وَلاَ
تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ
أُخْرَى
‏.....),‏ وأن الله‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ لا يعذب أحدا دون انذار‏(...‏ وَمَا
كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً)
,‏ ومن هنا كانت حكمة الله‏(‏ تعالي‏)‏ باتخاذه العهد علي ذاته العلية
بحفظ رسالته الخاتمة‏.‏
كذلك تقرر الآيات في سورة الإسراء قاعدة التبعية
الجماعية في التصرفات والسلوك‏,‏ وتحذر من الترف المخل الذي يؤدي إلي الفسوق‏,‏ ومن
ثم إلي التدمير والهلاك‏,‏ كما تحذر من الإقبال علي الدنيا ونسيان الآخرة‏,‏ وتحذر
من عواقب ذلك‏,‏ وتدعو إلي السعي للآخرة مع الإيمان الكامل‏,‏ وتؤكد أن الله‏(‏
تعالي‏)‏ يمد بعطائه الدنيوي كلا من المؤمنين والكافرين‏,‏ وأن التفاضل في درجات
الآخرة أكبر وأعظم من التفاضل في أمور الدنيا‏.‏ وتحذر الآيات من أخطار الشرك
بالله‏(‏ تعالي‏),‏ وتؤكد أن الواقع في هذه الكبيرة مذموم مخذول‏,‏ كما تؤكد أن
الله‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ قد قضي بألا يعبد سواه‏,‏ وتثني بالحض علي بر الوالدين‏,‏
وإيتاء ذوي القربى‏,‏ والمساكين‏,‏ وأبناء السبيل في غير إسراف ولا تبذير‏,‏ وتأمر
بتحريم قتل الذرية‏,‏ وعدم الاقتراب من جريمة الزنا‏,‏ وتحرم القتل بغير الحق
تحريما قاطعا‏,‏ كما تأمر برعاية مال اليتيم‏,‏ وبالوفاء بالعهود‏,‏ وبتوفيه كل من
الكيل والميزان‏,‏ وتؤكد المسئولية عن الحواس‏,‏ وتنهي عن الخيلاء والكبر‏,‏ وتكرر
التحذير من الشرك‏,‏ مؤكدة أن جزاء الواقع فيه هو الخلود في جهنم مذموما مدحورا‏.‏
وتستنكر الآيات في‏(‏ سورة الإسراء‏)‏ فرية الولد والشريك لله‏(‏ تعالي الله عن ذلك
علوا كبيرا‏),‏ وتبين ما فيها من اضطراب وتهافت‏,‏ وتقرر توحيد الكون كله لله‏(‏
تعالي‏)‏ وخضوع كل من فيه لذات الله العلية بالعبادة والتسبيح والتقديس والتنزيه عن
جميع صفات خلقه‏,‏ وعن كل وصف لا يليق بجلاله‏.‏
ثم تنتقل الآيات إلي الحديث عن
أوهام الوثنية الجاهلية حول نسبة البنات والشركاء إلي الله‏(‏ تعالي‏),‏ وإلي موقف
كفار قريش ـ وموقف الكفار والمشركين من بعدهم في كل زمان ومكان ـ من الاستماع إلي
القرآن الكريم‏,‏ وهم يجاهدون أنفسهم في صم آذانهم عنه‏,‏ وإغلاق عقولهم عن الإنصات
إلي حجيته‏,‏ وصد قلوبهم عن التحرك بما نزل فيه من الحق‏,‏ وصرف فطرتهم عن أن
تستجيب لندائه الصادق‏.‏
وبعد ذلك تستعرض الآيات موقف الكفار والمشركين من خاتم
الأنبياء والمرسلين‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏),‏ وإنكارهم لبعثته الشريفة‏,‏ وتؤكد
علي نزغ الشيطان بين الناس وعلي أنه عدو مبين لهم‏,‏ كما تؤكد علي أن الله‏(‏
تعالي‏)‏ هو المتصرف في شئون الخلائق بلا معقب لحكمه‏,‏ ولا راد لأمره‏,‏ وأنه‏(‏
تعالي‏)‏ أعلم بمن في السماوات والأرض‏,‏ وقد فضل بعض النبيين علي بعض‏,‏ وأن دور
الرسول منحصر في التبليغ عن ربه‏(‏ سبحانه وتعالي‏),‏ وفي الإنذار
والتبشير‏.‏

ثم تبين الآيات السبب في أن معجزات الرسول الخاتم‏(‏ صلي الله
عليه وسلم‏)‏ لم تكن كلها من قبيل الخوارق المادية التي كذب بها الأولون‏,‏ فمعجزته
الخالدة هي القرآن الكريم‏,‏ والخوارق المادية شهادة علي من رآها من الناس‏,‏
والقرآن باق إلي قيام الساعة‏.‏
ثم تتناول تكذيب المشركين لما رآه رسول الله‏(‏
صلي الله عليه وسلم‏)‏ في رحلة الإسراء والمعراج من خوارق‏,‏ ويجيء في هذا السياق
طرف من قصة إبليس وإعلانه أنه سيكون حربا علي ذرية آدم‏(‏ عليه السلام‏),‏ وتعقب
الآيات بتخويف البشر من عذاب الله‏,‏ وتذكيرهم بنعمه عليهم‏,‏ وبتكريمه للإنسان‏,‏
وبمصائرهم في يوم القيامة‏.‏

ويأتي في الجزء الأخير من هذه السورة المباركة استعراض كيد المشركين
لخاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏),‏ ومحاولة فتنته عن بعض ما أنزل
إليه‏,‏ ومحاولة إخراجه من مكة المكرمة‏,‏ ولو أخرجوه قسرا قبل أن يأذن الله‏(‏
تعالي‏)‏ له بذلك لحل بهم العذاب والهلاك الذي حل بالأمم من قبلهم حين أخرجوا رسلهم
أو قاتلوهم أو قتلوهم‏,‏ وتأمر الآيات هذا النبي الخاتم‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏
بالاستمرار في طريقه متعبدا لله‏(‏ تعالي‏)‏ بما أمر‏,‏ داعيا إياه‏(‏ سبحانه‏)‏ أن
يحسن مدخله ومخرجه‏,‏ وأن يعلن مجيء الحق وظهوره‏,‏ وزهوق الباطل واندحاره‏,‏ مؤكدا
أن هذا القرآن فيه شفاء وهدي للمؤمنين‏,‏ بينما الإنسان علمه قليل‏,‏ قليل‏,‏
قليل‏!!!‏
وتختم السورة الكريمة كما بدأت بحمد الله‏,‏ وبتقرير وحدانيته‏(‏ بلا
شريك ولا شبيه ولا منازع ولا صاحبة ولا ولد‏),‏ وتنزهه‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ عن
الحاجة إلي الولي والنصير‏,‏ وهو العلي الكبير المتعال‏,‏ وأن له الأسماء الحسني‏,‏
والصفات العلي‏,‏ وتأمر بالتوسط في تلاوة القرآن الكريم في الصلاة
فتقول‏:‏
" قُلِ
ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَياًّ مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ
الحُسْنَى
وَلاَ تَجْهَرْ
بِصَلاتِكَ
وَلاَ تُخَافِتْ
بِهَا
وَابْتَغِ
بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * وَقُلِ الحَمْدُ
لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ
وَلَداً وَلَمْ يَكُن
لَّهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ
وَلَمْ يَكُن
لَّهُ
وَلِيٌّ
مِّنَ الذُّلِّ
وَكَبِّرْهُ
تَكْبِيراً "
‏(‏الإسراء‏:11:110)‏

من ركائز العقيدة الإسلامية في سورة الإسراء
‏(1)‏ ضرورة تنزيه الله‏(‏ تعالي‏)‏ عن جميع صفات خلقه‏,‏ وعن كل
وصف لا يليق بجلاله‏.‏
‏(2)‏ الإيمان بقدسية كل من المسجد الحرام والمسجد
الأقصى‏,‏ وبضرورة تطهيرهما من دنس الكفار والمشركين‏,‏ والمحافظة علي وجودهما
بأيدي المسلمين‏,‏ والدفاع عنهما بالنفس والنفيس مهما كلف ذلك من ثمن‏.‏
‏(3)‏
التصديق بمعجزة الإسراء والمعراج‏,‏ وما اطلع عليه المصطفي‏(‏ صلي الله عليه
وسلم‏)‏ أثناءها من أحداث ومشاهد عديدة‏,‏ وأمور خارقة للعادة‏.‏
‏(4)‏ اليقين
بأن الله‏(‏ تعالي‏)‏ هو رب السماوات والأرض ومن فيهن‏,‏ وهو قيوم السماوات والأرض
ومن فيهن‏,‏ المهيمن علي الوجود كله‏,‏ الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر‏,‏ والذي
يرحم من يشاء ويعذب من يشاء‏,‏ وأنه‏(‏ تعالي‏)‏ هو السميع البصير الخبير‏,‏ وهو
الحليم الودود الغفور‏,‏ وأنه‏(‏ تعالي‏)‏ ما كان معذبا أحدا حتي يبعث رسولا‏,‏ وأن
الكون بجميع من فيه وما فيه‏,‏ يخضع لله‏(‏ تعالي‏)‏ بالعبادة والطاعة والتسبيح إلا
عصاة الإنس والجن‏,‏ وإن سبحت خلايا وذرات أجسادهم رغم أنوفهم‏.‏
‏(5)‏ التسليم
بأن التوراة أنزلت بالتوحيد الكامل لله‏(‏ تعالي‏)‏ الذي أيد عبده ورسوله موسي‏(‏
عليه السلام‏)‏ بتسع آيات بينات‏,‏ كفر بها فرعون وملؤه فأغرقهم الله أجمعين‏,‏
ولذلك فإن توحيد الله‏(‏ تعالي‏)‏ واجب علي كل العباد‏,‏ نزلت به كل الشرائع‏,‏ ومن
هنا كان الشرك بالله كفرا به‏,‏ وكان من موجبات الذم والخذلان في الدنيا والآخرة‏,‏
والإلقاء في جهنم خالدين فيها أبدا باللوم والدحور‏,‏ حيث لا يملك الذين أشركوا بهم
كشف الضر عنهم أو تحويله‏.‏
‏(6)‏ التصديق بأن جهنم هي مثوي الكافرين الضالين
المنكرين للبعث‏,‏ أو الجاحدين لبعثة النبي والرسول الخاتم‏(‏ صلي الله عليه
وسلم‏).‏
‏(7)‏ اليقين بأن القرآن الكريم قد أنزل بالحق‏,‏ وأنه
"‏...‏
يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ
وَيُبَشِّرُ
المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً
‏"
(‏ الإسراء‏:9).‏
وأن القرآن الكريم‏,‏ هو
‏"..‏
شِفَاءٌ
وَرَحْمَةٌ
لِّلْمُؤْمِنِينَ
وَلاَ يَزِيدُ
الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَاراً ‏"
(‏ الإسراء‏:82)‏ وأن هذا الكتاب معجز في كل أمر من أموره‏,‏ لا تقوي
قوة علي وجه الأرض أن تأتي بشيء من مثله‏:‏
" قُل
لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ
وَالْجِنُّ
عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا القُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ
بِمِثْلِهِ
وَلَوْ كَانَ
بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً "
‏.(‏ الإسراء‏88).‏
‏(Cool‏ التسليم بأن كل إنسان مسئول مسئولية كاملة
عن أعماله‏,‏ وأنه سوف يسلم كتابا تفصيليا بتلك الأعمال في يوم القيامة حتي يكون هو
حسيبا علي نفسه‏,‏ وأنه
‏"...‏
وَلاَ
تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ
أُخْرَى ‏...
" (‏ الإسراء‏:15).‏
‏(9)‏ الإيمان بأن الترف المسرف هو من موجبات
التدمير الذي حدث للعديد من الأمم السابقة‏,‏ وأن السعي المشكور هو السعي للآخرة‏,‏
مع عدم إجمال مسئولية الفرد في الحياة الدنيا‏,‏ وأن التفاضل فيه أكبر من التفاضل
في ماديات الدنيا‏,‏ وأن البعث بعد الموت حتمي وضروري‏.‏
‏(10)‏ التصديق بأن
الإنسان مخلوق مكرم‏,‏ خلقه الله‏(‏ تعالي‏)‏ من طين‏,‏ ونفخ فيه من روحه‏,‏ وعلمه
من علمه‏,‏ وفضله علي كثير من خلقه‏,‏ وأن الشيطان عدو مبين للإنسان‏.‏
‏(11)‏
التسليم بأن مهمة الأنبياء والمرسلين هي التبليغ عن الله‏(‏ تعالي‏),‏ والإنذار
والتبشير‏,‏ وأن الله‏(‏ جل شأنه‏)‏ قد فضل بعض النبيين علي بعض‏,‏ وآتي داود كتابا
اسمه الزبور كما آتي موسي كتابا اسمه التوراة‏.‏
‏(12)‏ اليقين بأن كل أناس في
الآخرة سوف يدعون بإمامهم
"... فَمَنْ
أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءُونَ
كِتَابَهُمْ
وَلاَ يُظْلَمُونَ
فَتِيلاً "‏
(‏ الإسراء‏:71).‏
‏(13)‏
الإيمان بأن الروح غيب من أمر الله‏,‏ لا يعلمه إلا الله‏(‏ تعالي‏),‏ وعلي ذلك فلا
يجوز الخوض في مثل هذه الغيوب المطلقة‏.‏
‏*(14)‏ اليقين بأن الله‏(‏ تعالي‏)‏
هو المستحق للحمد وللتكبير‏,‏ وأنه‏(‏ سبحانه وتعالي‏)..‏ لم يتخذ ولدا ولم يكن له
شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل‏..‏ وأنه‏(‏ جل شأنه‏)‏ منزه عن جميع صفات
خلقه‏,‏ وعن كل وصف لا يليق بجلاله وعن جميع هذه النقائص تنزيها كبيرا‏,‏ لأنها من
صفات المخلوقين والخالق ـ جل شأنه ـ منزه عن صفات المخلوقين‏.‏
من التشريعات الإسلامية في سورة الإسراء
‏(1)‏ أن بر
الوالدين فريضة إسلامية‏,‏ ومن أعظم الطاعات لله‏,‏ ومن موجبات رحمته ومغفرته‏,‏
وكذلك إيتاء ذي القربي حقه‏,‏ والمسكين‏,‏ وابن السبيل‏,‏ وعدم التبذير والإسراف
لأن المبذرين هم إخوان الشياطين‏(‏ وكان الشيطان لربه كفورا‏),‏ وعدم البخل
والتقتير وجعل اليد مغلولة إلي العنق‏.‏
‏(2)‏ تحريم قتل الأولاد خشية
الإملاق‏,‏ لأن الله ـ تعالي ـ هو‏(‏ الرزاق ذو القوة المتين‏).‏
‏(3)‏ النهي
القاطع عن الاقتراب من الزنا ومن جميع مقدماته‏(..‏ إنه كان فاحشة وساء
سبيلا‏).‏
‏(4)‏ النهي عن قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق‏,‏ وعن الإسراف في
القصاص لذلك‏.‏
‏(5)‏ النهي عن أكل مال اليتيم أو الاقتراب منه إلا بالتي هي
أحسن حتي يبلغ أشده‏.‏
‏(6)‏ الأمر بالوفاء بالعهد وبتأكيد المسئولية عنه‏,‏
وبالوفاء بكل من الكيل والميزان‏.‏
‏(7)‏ الأمر بالمحافظة علي الحواس مثل السمع
والبصر والفؤاد‏,‏ واستخدامها فيما يرضي الله ـ تعالي ـ والتأكيد علي مسئولية
الإنسان عن حواسه‏.‏
‏(Cool‏ النهي عن الاختيال والزهو بالنفس وعن الاستعلاء
والاستكبار في الأرض‏,‏ لأن الإنسان أضعف من ذلك‏,‏ والله ـ تعالي ـ لا يحب كل
مختال فخور‏.‏
‏(9)‏ الأمر بإقامة الصلاة لدلوك الشمس إلي غسق الليل‏,‏ وبالتهجد
نافلة بالليل‏,‏ وبتلاوة القرآن في الفجر لأن
‏"...‏
قُرْآنَ الفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً "
.‏
من الإشارات الكونية في سورة
الإسراء
‏(1)‏ الإشارة إلي آيتي الليل والنهار‏,‏ أي‏:‏ نورهما‏,‏ حيث
كان الليل ينار بظاهرة بقي منها اليوم مايعرف بظاهرة الفجر القطبي‏,‏ وكان النهار
ينار ـ كما ينار اليوم ـ بالحزمة المرئية من ضوء الشمس‏,‏ فمحي الله‏(‏ تعالي‏)‏
نور الليل بنطق الحماية المتعددة التي خلقها حول الأرض‏,‏ وأبقي ظاهرة الفجر القطبي
دلالة علي ذلك‏.‏
‏[2)‏ النهي القاطع عن الاقتراب من الزنا أو الخوض في مقدماته
لأنه من الفواحش وسبيله الهلاك في الدنيا والآخرة‏.‏
‏(3)‏ الإشارة إلي تسبيح كل
شيء في هذا الوجود لله‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ ما عدا عصاة كل من الجن والإنس وفي ذلك
يقول الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏
"... وَإِن
مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
وَلَكِن لاَّ
تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ..."
(
الإسراء‏:44).‏
‏(4)‏ الإشارة إلي ما وهب الله‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏
الماء من قدرات تمكنه من حمل الفلك في البحر بقانون الطفو‏.‏
‏(5)‏ التأكيد علي
أن الروح من الغيوب المطلقة التي لا سبيل للإنسان في الوصول اليها وكل قضية من هذه
القضايا تحتاج إلي معالجة خاصة بها ولذلك فسوف أقصر الحديث هنا علي النقطة الثانية
من القائمة السابقة‏,‏ وقبل ذلك لابد من استعراض سريع لأقوال عدد من المفسرين فـي
شرح دلالة هذا النص القرآني الكريم‏.‏
‏(6)‏ الإشارة إلي أن أجل كل كائن محدد
سلفا في علم الله ولا حيلة لمخلوق في تحديد أجله‏0‏

من أقوال المفسرين
في تفسير قوله ـ تعالي‏:‏ ـ "
وَلاَ تَقْرَبُوا
الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً
وَسَاءَ
سَبِيلاً "‏.‏

‏ ذكر ابن كثير ـ يرحمه الله ـ ما مختصره‏:‏ يقول تعالي ناهيا عباده عن
الزنا‏,‏ وعن مقاربته‏,‏ ومخالطة أسبابه ودواعيه‏(‏ ولا تقربوا الزنا إنه كان
فاحشة‏)‏ أي ذنبا عظيما‏,(‏ وساء سبيلا‏)‏ أي وبئس طريقا ومسلكا‏,...‏ وعن النبي ـ
صلي الله عليه وسلم ـ قال‏Sad‏ ما من ذنب بعد الشرك أعظم عند الله من نطفة وضعها رجل
في رحم لا يحل له‏)‏ أخرجه ابن أبي الدنيا عن الهيثم بن مالك الطائي مرفوعا‏.‏

وجاء في الظلال ـ رحم الله كاتبها برحمته الواسعة ـ ما مختصره‏:...‏ وبين قتل
الأولاد والزنا صلة ومناسبة ـ وقد توسط النهي عن الزنا بين النهي عن قتل الأولاد
والنهي عن قتل النفس ـ لذات الصلة وذات المناسبة‏.‏ إن في الزنا قتلا من نواح
شتي‏.‏ إنه قتل ابتداء لأنه إراقة لمادة الحياة في غير موضعها‏,‏ يتبعه غالبا
الرغبة في التخلص من آثاره بقتل الجنين قبل أن يتخلق أو بعد أن يتخلق‏,‏ قبل مولده
أو بعد مولده‏,‏ فإذا ترك الجنين للحياة ترك في الغالب لحياة شريرة‏,‏ أو حياة
مهينة‏,‏ فهي حياة مضيعة في المجتمع علي نحو من الأنحاء‏....‏ وهو قتل في صورة
أخري‏.‏ قتل للجماعة التي يفشو فيها‏.‏ فتضيع الأنساب‏,‏ وتختلط الدماء‏,‏ وتذهب
الثقة في العرض والولد‏,‏ وتتحلل الجماعة وتتفكك روابطها‏,‏ فتنتهي إلي ما يشبه
الموت بين الجماعات‏.‏ وهو قتل للجماعة من جانب آخر‏,‏ إذ أن سهولة قضاء الشهوة عن
طريقه يجعل الحياة الزوجية نافلة لا ضرورة لها‏,‏ ويجعل الأسرة تبعه لا داعي
اليها‏,‏ والأسرة هي المحضن الصالح للفراخ الناشئة‏,‏ لا تصح فطرتها ولا تسلم
تربيتها إلا فيه‏.‏ وما من أمة فشت فيها الفاحشة إلا صارت إلي
انحلال‏....‏
ويضيف‏:‏ والقرآن يحذر من مجرد مقاربة الزنا‏,‏ وهي مبالغة في
التحرز‏,‏ لأن الزنا تدفع إليه شهوة عنيفة فالتحرز من المقاربة أضمن‏.‏ فعند
المقاربة من أسبابه لا يكون هناك ضمان‏.‏
ومن ثم يأخذ الإسلام الطريق علي أسبابه
الدافعة‏,‏ توقيا للوقوع فيه‏...‏ يكره الاختلاط في غير ضرورة‏,‏ ويحرم الخلوة‏,‏
وينهي عن التبرج بالزينة‏,‏ ويحض علي الزواج لمن استطاع‏,‏ ويوصي بالصوم لمن لا
يستطيع‏,‏ ويكره الحواجز التي تمنع من الزواج كالمغالاة في المهور‏,‏ وينفي الخوف
من العيلة والإملاق بسبب الأولاد‏,‏ ويحض علي مساعدة من يبتغون الزواج ليحصنوا
أنفسهم‏.‏ ويوقع أشد العقوبة علي الجريمة حين تقع‏.‏ وعلي رمي المحصنات الغافلات
دون برهان‏...‏ إلي آخر وسائل الوقاية والعلاج‏,‏ ليحفظ الجماعة الإسلامية من
التردي والانحلال‏.‏



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
نبيل خليل
عضو جديد


عدد المساهمات : 91
تاريخ التسجيل : 30/07/2011

مُساهمةموضوع: رد: الأعجاز التشريعى   الأحد سبتمبر 25, 2011 2:39 am

الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ
مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ ‏" (الأعراف‏:157)‏.

)التسليم بكرامة الإنسان مادام فاهما لحقيقة رسالته في هذه الحياة‏ ,‏ مستقيما علي
نهج الله و هدايته‏ ,‏ قائما بواجبات الاستخلاف في الأرض بعمارتها وإقامة شرع الله
وعدله فيها‏ ,‏ دون إفساد أو خيانة‏ .‏
(9) اليقين من عداوة الشيطان للإنسان ومن محاولات هذا اللعين لغواية كل
الناس كما فعل مع أبوينا آدم وحواء ـ عليهما من الله السلام‏ ,‏ واليقين كذلك من
توبتهما ومن قبول الله ـ تعالى ـ لتلك التوبة‏ ,‏ وبأن أحدا من ذريتهما لا يحمل
شيئا من الخطأ الذي وقعا فيه‏ .‏
(10)الإيمان بأن من اتقى وأصلح من عباد الله المكلفين فلا خوف عليهم ولا
هم يحزنون‏ ,‏ وأن من كذب منهم بآيات الله واستكبر عنها فأولئك أصحاب النار هم فيها
خالدون‏ ,‏ والتسليم بأن الإنسان مطالب دوما بطاعة الرحمن وبمعصية الشيطان‏ ,‏
وبالحذر من غوايته ووساوسه ونفثه‏ ,‏ والتصديق بحتمية مساءلة كل من المرسلين والذين
أرسلوا إليهم من الخلق المكلفين‏.‏
(11) اليقين بأن آجال المخلوقين محددة بقدر
الله ـ تعالى ـ وعلمه وحكمته‏ ,‏ وبأنه لا يقدر أحد من العباد تغييرها أو العبث بها
تقديما أو تأخيرا بالنقص أو بالزيادة‏ .‏
(12) التصديق بما أنزل الله ـ تعالى ـ بالعاصين من عباده في الأمم
السابقة من مختلف صور العقاب المذكورة في محكم كتابه ‏.‏
(13) الإيمان بما جاء في القرآن الكريم من وصف لأحوال كل من أهل الجنة
وأهل النار‏ ,‏ وهي من الغيوب التي لا سبيل للإنسان في الوصول إلى شيء منها إلا
بوحي من الله ـ تعالى ـ أو بإقرار من خاتم أنبيائه ورسله ـ صلى الله عليه وسلم
‏.
(14) اليقين بأن دعاء الله ـ تعالى ـ تضرعا وخفية هو من العبادات التي
يقبلها ربنا بقبول حسن لأن الدعاء هو العبادة كما قال رسول الله ـ صلى الله ليه
وسلم ‏.‏
(15) التسليم بأن الله ـ العليم الحكيم ـ قد حرم الفواحش ما ظهر منها
وما بطن‏ ,‏ والإثم والبغي بغير الحق‏ ,‏ كما حرم الشرك به ـ سبحانه وتعالى عن ذلك
علوا كبيرا ـ وحرم أن يقول العباد علي الله ـ تعالى ـ بما لا يعلمون‏ ,‏ كما حرم
الإسراف والإفساد في الأرض تحريما قاطعا‏ .‏


من الإشارات العلمية في سورة الأعراف :
جاء في سورة الأعراف عدد من الإشارات العلمية والتاريخية يمكن إيجازها
فيما يلي ‏:‏
(1) الإشارة إلى فجائية العقاب الإلهي الذي وصفته السورة الكريمة
بتعبير‏ (بأس الله‏)‏ كما جاء في الآيات ‏(99,97,4)‏ والملاحظات العلمية تؤكد
فجائية العديد من جند الله التي يسخرها ـ سبحانه وتعالى ـ عقابا للعاصين‏ ,‏
وابتلاء للصالحين‏ ,‏ وعبرة للناجين وذلك من مثل‏ :‏ الهزات الأرضية‏ ,‏ والثورات
البركانية‏ ,‏ والعواصف والأعاصير‏ ,‏ وغير ذلك من النوازل الكونية
‏.‏
(2) التأكيد علي عملية تصوير الأجنة في بطون الأمهات بعد عملية الخلق ‏
(الأعراف‏:11)‏ ودراسات علم الأجنة تثبت حقيقة ذلك‏.‏
(3) وصف خلق الجن من نار‏ ,‏ وخلق الإنس من طين‏ (الأعراف‏:12) ,‏ والجن
من العوالم الغيبية بالنسبة لنا‏ ,‏ أما خلق الإنسان من طين فتؤكده جميع الدراسات
العلمية‏.‏
(4) التأكيد علي العداوة بين كل من الشيطان والإنسان‏ ,‏ والإشارة
إلى مرحلية وجودهما علي الأرض ‏(الأعراف:‏24‏,‏25) ,‏ والدراسات العلمية تثبت ذلك‏
.‏
(5)الإشارة إلى السرعة الفائقة التي كانت الأرض تدور بها حول محورها
أمام الشمس في بدء الخلق‏ (الأعراف‏:54)‏ والشواهد الحسية العديدة التي تركها لنا
ربنا ـ تبارك وتعالى ـ في صخور الأرض قد أثبتت هذه الحقيقة في العقود المتأخرة من
القرن العشرين‏ .‏
(6) التأكيد علي أن كلا من الشمس والقمر والنجوم وغيرها من أجرام
السماء‏ ,‏ والوجود كله مسخر بأمر الله تعالى ـ الذي له الخلق والأمر‏
(الأعراف‏:54).‏
(7) تقرير حقيقة أن الله ـ تعالى ـ هو الذي " وَهُوَ
الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ
‏ " (الأعراف:57) ,‏ ويكون السحب بإرادته وينزل المطر برحمته‏ ,‏ ويخرج
النبت والشجر والثمر بعلمه وحكمته‏ ,‏ وانه تعالى سوف يخرج الموتي بقدرته‏ ,‏ وبنفس
طريقة إخراج النبت من الأرض بعد إنزال الماء عليها ‏ (الأعراف‏:57)
.‏
(Cool الإشارة إلى حقيقة أن البلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه‏ ,‏ وان الذي
خبث لا يخرج إلا نكدا‏ (الأعراف‏:58)‏ .
(9)ذكر عدد من الأنبياء والمرسلين المبعوثين من قبل بعثة سيدنا محمد ـ
صلى الله عليه وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين ـ ووصف عدد من المعجزات التي أيدهم
الله ـ تعالى ـ بها ـ شهادة لأقوامهم وتفاعل أقوامهم مع تلك الدعوات‏ ,‏ والجزاء
الذي لقوه على هذا التفاعل سلبا وإيجابا‏ ,‏ والكشوف الأثرية المتتالية تؤكد صدق كل
ما جاء بالقرآن الكريم عن السابقين من الأمم التي أورد ذكرها‏ ,‏ ومن ذلك ما أصاب
فرعون مصر وقومه من صور العذاب‏ ,‏ وإنزال المن والسلوى على موسى وأتباعه
.
(10) التأكيد على حقيقة مشارق الأرض ومغاربها‏ ,‏ والتي لم تصل المعارف
المكتسبة إليها إلا بعد تطورها عبر القرنين الماضيين ‏.‏
(11) الإشارة إلى بقاء ذكر الرسول الخاتم ـ صلى الله عليه وسلم ـ في كتب
السابقين ‏ (الأعراف‏:157:169) .‏
(12) التأكيد على خلق جميع بني آدم من نفس واحدة ـ هي نفس أبينا آدم
عليه السلام ـ وجعل زوجها منها‏ ,‏ والنتائج المتأخرة لعلم الوراثة تثبت ذلك وتؤيده
‏.‏
على الرغم من إيماننا نحن معشر المسلمين بأن ضياع أصول التوراة والإنجيل
قد تعرض ما بقى منهما من ذكريات نقلت شفاهة لمدة قرن على الأقل (كما هو الحال مع
الأناجيل) إلى عدة قرون تتعدى الثمانية (كما هو الحال مع التوراة) , وعلى الرغم من
أن هذا الذي نقل شفاهة قد دون بأيدي مجهولين من البشر ليسوا بأنبياء ولا بمرسلين ,
وعلى الرغم من إضافة العديد من الرسائل التي لا علاقة لها بوحي السماء إلى ما قد
دون , وعلى الرغم من جمع ذلك كله في القرن السابع عشر الميلادي تحت مسمى (العهدين
القديم والجديد) ، ومراجعة ترجماتها إلى اللغة الانجليزية بأمر من الملك البريطانى
جيمس
, (The King James Vrrsion of the
bible)
وعلى الرغم من المراجعات العديدة لتلك الطبعة
ولغيرها من الطبعات (1535م إلى اليوم) وعلى الرغم من كثرة الإضافات والحذف والتعديل
والتبديل , والتحريف والتغيير , والتحرير بعد التحرير , فإن بقاء ما يشهد بنبوة
الرسول الخاتم – صلى الله عليه وسلم –فى هذه الكتابات جميعا يدحض محاولات النيل من
مقامه الكريم التى جاءت فى إحدى اليوميات الدانمركية والتي تناقلتها وسائل الإعلام
الغربية والشرقية .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
نبيل خليل
عضو جديد


عدد المساهمات : 91
تاريخ التسجيل : 30/07/2011

مُساهمةموضوع: رد: الأعجاز التشريعى   الأحد سبتمبر 25, 2011 2:40 am

" إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وَضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى
لِّلْعَالَمِينَ "(آل عمران:96).

بقلم : د زغلول النجار - التاريخ : 2005-12-19




هذه الآية الكريمة جاءت في نهاية النصف الأول من
سورة آل عمران وهي سورة مدنية‏ ,‏ ومن طوال سور القرآن الكريم إذ تحوي مائتي آية
بعد البسملة‏ ,‏ وبذلك تأتي في المقام الثالث بعد سورتي البقرة والأعراف من حيث عدد
الآيات‏ .‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلى قصة امرأة عمران وابنتها
السيدة مريم ولدها عيسى عليه السلام كما تروي معجزة ميلاد ولدها بغير أب‏ ,‏ وتذكر
عددا من المعجزات التي أجراها الله تعالى على يديه لكي تكون شاهدة له بالنبوة
وبالرسالة.‏ وتدور الآيات‏ (1‏-‏85)‏ حول حوار أهل الكتاب‏ ,‏ بينما يتناول باقي
السورة تحديد عدد من ركائز العقيدة الإسلامية وتشريعاتها‏ .‏ وتستفتح السورة
بالحروف المقطعة الثلاثة ‏ (‏ألم‏)‏ التي جاءت في مطلع ست من سور القرآن الكريم‏ .‏
ثم تنتقل إلى توكيد وحدانية الله الحي القيوم الذي نزل القرآن الكريم بالحق على
خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ,‏ كما أنزل التوراة والإنجيل من قبل‏ ,‏ وتتضمن سورة آل
عمران إشارة إلى اليهود‏ ,‏ وإلى خبث نواياهم‏ ,‏ وإلى تآمرهم على غيرهم من الأمم‏
,‏ وإلى مكرهم‏ ,‏ وخداعهم‏ ,‏ وكراهيتهم للحق وأهله‏ ,‏ وتحذر المسلمين منهم وممن
يلتف حولهم‏ .‏ وقد جاء الخطاب إلى أهل الكتاب في قرابة السبعين آية من آيات هذه
السورة المباركة‏ (من الآية:‏18‏ إلى الآية:‏85)‏ نختار منها قول ربنا‏ (تبارك
وتعالى‏) :
" قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى
كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ
نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ
اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ
"‏‏
(آل عمران‏:64)‏ .
وتؤكد الآيات ضرورة الإيمان بجميع أنبياء الله
ورسله دون أدنى تفريق‏ ,‏ لأن رسالتهم جميعا واحدة وهي الإسلام العظيم الذي بعث به
كل نبي وكل رسول‏ .‏
وفي ذلك يقول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) :
" إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا
اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ العِلْمُ
بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ
الحِسَابِ "‏
(‏آل عمران‏:19)‏ . وحذرت من تحريف الكتب السماوية‏
,‏ وأمرت بإتباع ملة نبي الله إبراهيم عليه السلام وأشارت إلى الكعبة المشرفة
بصفتها أول بيت وضع للناس‏ ,‏ وأكدت فريضة الحج على المستطيع من المسلمين‏ ,‏ كما
عتبت على كفار قريش ضلالهم بينما آيات الله تتلي عليهم وفيهم خاتم أنبيائه ورسله
صلى الله عليه وسلم وأوصت بتقوى الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ في السر والعلن‏ ,‏
وبضرورة الاعتصام بحبله‏ ,‏ ونهت عن فرقة الكلمة‏ ,‏ وذكرت العباد بنعم الله عليهم‏
,‏ ودعت إلى نفرة أمة الإسلام دعوة للخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ووصفت
الذين يستجيبون لهذا النداء الإلهي بأنهم هم المفلحون‏ .‏ وتحدثت سورة آل عمران عن
جزاء كل من المؤمنين والكافرين في الآخرة‏ ,‏ مؤكدة مرة أخري أن القرآن الكريم هو
كلام الله الخالق الذي أنزله بالحق على خاتم أنبيائه ورسله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)
,‏ وأنه هدى وموعظة للمتقين‏ .‏ وخاطبت أمة الإسلام بقول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) :
" كنتم كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ
تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
‏"
‏ (‏آل عمران‏:110)‏ .
انتقلت هذه السورة
المباركة إلي الحديث عن غزوة أحد‏ ,‏ وعما أصاب المسلمين فيها من انكسار بسبب
مخالفتهم لأوامر رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ في ساحة المعركة‏ ,‏ وذكرت
بانتصارات بدر‏ ,‏ وبمبررات ذلك الانتصار‏ ,‏ وصاغت تلك الأحداث صياغة لا تتوقف عند
حدود وصف المعركتين وصفا مجردا‏ ,‏ ولكن تتجاوز ذلك إلى توجيهات ربانية دائمة في
بناء الجماعة الإسلامية‏ ,‏ وإلى توضيح سنن الله في النصر والهزيمة إلى يوم الدين‏
,‏ مؤكدة أن لله ما في السماوات وما في الأرض‏ ,‏ وأن الله تعالى يغفر لمن يشاء
ويعذب من يشاء وأنه هو الغفور الرحيم‏ .‏ وتنهي هذه السورة الكريمة عن أكل الربا‏
,‏ وتحذر من عذاب النار‏ ,‏ وتأمر بطاعة الله ورسوله‏ ,‏ وبالمسارعة إلى طلب
مغفرته‏ ,‏ وسؤاله الجنة التي أعدت للمتقين‏ ,‏ وتورد شيئا من صفاته‏ ,‏ وتوصي
بالسير في الأرض من أجل الاعتبار بعواقب المكذبين الذين كذبوا رسل الله وحاربوا
دينه وأولياءه‏ . ‏ثم تعاود سورة آل عمران إلى التذكير بمعركة أحد‏ ,‏ في مواساة
رقيقة للمسلمين‏ ,‏ مؤكدة أنهم هم الأعلون ماداموا على إيمانهم بالله‏ ,‏ وإن
تعرضوا لشيء من النكسات‏ ,‏ وأن النصر والهزيمة من سنن الله في الحياة‏ ,‏ وأن
الأيام يداولها الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ بين الناس‏ ,‏ لحكمة يعلمها بعلمه المحيط‏
,‏ لعل منها أن يتخذ من المؤمنين شهداء‏ ,‏ وأن يطهرهم بشيء من الابتلاء والتمحيص
مما قد يقعون فيه من الذنوب‏ ,‏ وأن يهلك الطغاة المتجبرين بذنوبهم‏ ,‏ لأن الله‏
(تعالى‏)‏ لا يحب الظالمين‏ ,‏ كما لا يحب المتخاذلين في الدفاع عن دمائهم‏ ,‏
وأعراضهم‏ ,‏ ومقدساتهم‏ ,‏ وممتلكاتهم وأراضيهم‏ ,‏ وعن الحق وأهله‏ .‏ وهذا
الخطاب كما كان لرسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ ولأصحابه الكرام وأهل زمانه هو
خطاب لكل من آمن به إلى يوم الدين‏ .
وتؤكد الآيات في سورة آل عمران بشرية
سيدنا محمد‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ وأنه رسول قد خلت من قبله الرسل ومن هنا لا
يجوز لأي ممن آمن به واتبع الدين الذي أنزل عليه أن يرتد عن ذلك بعد موته‏ ,‏
فرسالته خالدة‏;‏ باقية إلى يوم الدين لأنها آخر الرسالات السماوية كلها ولأن الله‏
(تعالى‏)‏ قد تعهد بحفظها فحفظت‏ ,‏ ولأن من يرتد عن دينه فلن يضر الله شيئا‏ ,‏
ولكنه يهلك نفسه بتعريضها لسخط الله وعذابه في الدنيا قبل الآخرة‏ .‏ وتنتقل الآيات
إلى أن الله‏ (تعالى‏)‏ قد جعل لكل نفس أجلا محددا لا تموت إلا عنده‏ ,‏ وأنه قد
جعل الأجل غيبا لا يعلمه إلا هو‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ حتى لا تتوقف عجلة الحياة‏ ,‏
وحتى يتجاوز المسلم حاجز الخوف من الموت فيتقدم إلى الجهاد في سبيل الله دون وجل أو
مهابة‏ .‏
وتؤكد الآيات في سورة آل عمران أن من قصد بعمله أجر الدنيا فقط أعطاه
الله إياه‏ ,‏ وليس له في الآخرة من نصيب‏ ,‏ وأن من قصد بعمله أجر الآخرة أعطاه
الله تعالى أجر الدنيا والآخرة‏ .‏ وأن الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ يجزي عباده بحسب
شكرهم لنعمه‏ ,‏ واعترافهم بعظيم فضله‏ ,‏ وهذه الأحكام العامة فيها تعريض واضح بمن
رغبوا في غنائم الحرب أثناء شدة القتال في غزوة أحد فتسببوا في عدم إتمام النصر
الذي بدا في أول الأمر محققا للمسلمين‏ .‏ ثم تنتقل الآيات في سورة آل عمران إلي
الحديث عن العلماء الربانيين‏ ,‏ والمجاهدين الصادقين الذين قاتلوا مع أنبياء الله
ورسله من أجل إعلاء دين الله وإقامة عدله في الأرض‏ ,‏ فقتل منهم من قتل شهيدا
وأصيب من أصيب‏ ,‏ ولكنهم لم يذلوا لعدوهم أبدا‏ ,‏ واحتسبوا وصبروا في كل ما مر
بهم من الشدائد والمحن‏ ,‏ ولذلك امتدحهم الله تعالى في هذه السورة المباركة بقوله‏
(تبارك وتعالى‏) :
‏" وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ
رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا
ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ . وَمَا كَانَ
قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا
فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى القَومِ الكَافِرِينَ .
فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ
يُحِبُّ المُحْسِنِينَ "
(آل عمران‏:146‏ ‏148)
.
وتعاود السورة المباركة إلى التحذير من موالاة أي
من الكافرين أو المشركين‏ ,‏ مؤكدة أن الله‏ (تعالى‏)‏ هو مولي المؤمنين‏ ,‏ الذي
يعدهم النصر بتخذيل الكفار والمشركين‏ ,‏ وفي ذلك يقول سبحانه وتعالى
‏:‏" سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا
الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً
وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ "
(آل عمران‏:151) .
ثم تستعرض الآيات ‏
(152‏-‏175)‏ أحداث معركة أحد للمرة الثالثة‏ ,‏ وذلك بهدف تربية المسلمين‏ ,‏
وتحذيرهم من مزالق الطريق‏ ,‏ وتنبيههم إلي ما يمكن أن يحيط بهم من كيد الكفار
والمشركين‏ ,‏ ومن محاولات الشيطان أن يعين أولياءه كي يجعل منهم مصدر إرهاب وتخويف
للمؤمنين‏ ,‏ والمؤمن لا يخشى إلا رب العالمين‏ .‏ وتطلب الآيات من رسول الله‏ (صلى
الله عليه سلم‏)‏ ألا يحزن على الذين يسارعون في الكفر لأنهم لن يضروا الله شيئا‏
,‏ في الوقت الذي يضرون أنفسهم ضررا بليغا‏ ,‏ ويريد الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ ألا
يجعل لهم حظا في الآخرة‏ ,‏ والتمكين المؤقت لهم فيها هو لازديادهم في المعاصي
والآثام مما يجعلهم أهلا لمضاعفة العذاب في الآخرة‏ .‏ وعلى النقيض من ذلك فإن
ابتلاء الله‏ (تعالى‏)‏ للمؤمنين في الدنيا هو لتوجيههم إلى أخطائهم‏ ,‏ ولتأديبهم‏
,‏ وتطهيرهم من خطاياهم‏ ,‏ ورفع درجاتهم كما فعل معهم في معركة أحد‏ .‏ وتدعو
الآيات إلى الإيمان بالله وتقواه‏ ,‏ وببذل المال في سبيل الله‏ ,‏ وتتوعد الذين
يبخلون وذلك بقول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) :
"‏ وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا
آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُم بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ
سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ
السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ "‏‏
(‏آل عمران‏:180) .‏
ثم تعود الآيات في سورة آل
عمران‏ (181‏-‏188)‏ إلي ذكر جانب من جرائم اليهود‏ ,‏ ودسائسهم‏ ,‏ وأساليبهم
الملتوية‏ ,‏ وتطاولهم الكاذب على الله‏ (تعالى‏) ,‏ وتكذيبهم لبعثة خاتم الأنبياء
والمرسلين صلى الله عليه وسلم ومحاربتهم لدين الله‏ ,‏ ولأوليائه‏ ,‏ وأنبيائه‏ ,‏
ورسله عبر التاريخ‏ ,‏ ونقضهم العهود والمواثيق‏ ,‏ وتؤيد الآيات خاتم الأنبياء
والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ في وجه المكذبين لدعوته ولبعثته الشريفة فتقول‏
:
‏" فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن
قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ المُنِيرِ "(‏آل عمران‏:184) .
وتؤكد الآيات أن الفناء هو مصير الخلائق‏ ,‏ وأن الموت مكتوب على كل
نفس‏ ,‏ وأن جزاء الأعمال سوف يوفى كاملا يوم القيامة‏ ,‏ وأن الابتلاء من سنن
الحياة‏ ,‏ ولا يملك الإنسان في مواجهته أفضل من الصبر والاحتساب‏ ,‏ وتقوى الله‏
(تعالى‏)‏ وذلك كله من عزم الأمور‏ .‏ وتعاود الآيات‏ (187‏-‏189)‏ للمرة الثالثة
إلي استعراض بعض مخازي بني إسرائيل ومنها كتم ما أنزل عليهم‏ ,‏ من هداية ربانية‏
,‏ ونبذه وراء ظهورهم‏ ,‏ وبيعه بالحقير من حطام الدنيا الفانية‏ ,‏ وفرحهم بما
أوتوا‏ ,‏ وحبهم أن يحمدوا بما لم يفعلوا‏ ,‏ مؤكدة أن هذا ليس بمنجيهم من عذاب
الله‏ .‏ والله على كل شيء قدير‏ .‏ وتختتم سورة آل عمران بتوجيه الناس
جميعا إلى التأمل في خلق السماوات والأرض‏ ,‏ واستخلاص شيء من صفات الخالق العظيم
بالتعرف على بديع صنعه في خلقه‏ ,‏ وتدعوهم إلى تكثيف الدعاء والرجاء من الله تعالى
,‏ وإلى سؤاله النجاة من النار‏ ,‏ والاستعاذة به من خزي يوم القيامة‏ ,‏ ورجاء
المغفرة من الذنوب‏ ,‏ وتكفير السيئات‏ ,‏ ورفع الدرجات من فيض كرم الله ورحمته فهو
رب ذلك والقادر عليه .‏ وتخاطب الآيات رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ كما تخاطب
جميع المسلمين من بعده ألا يغتروا بتقلب الذين كفروا في البلاد في شيء من النعم
المادية والجاه والسلطان‏ ,‏ وذلك لأن متاع الدنيا قليل‏ ,‏ ومن ثم لابد أن ينتهي
بهم الأجل إلى جهنم وبئس المصير‏ ,‏ بينما الصالحون المتقون قد يعيشون في الدنيا
عيشة الفقراء‏ ,‏ وحياة الابتلاء ثم تنتهي بهم هذه الحياة إلى نعيم الآخرة الأبدي
الخالد وما أعد الله تعالى لهم فيها من خير كثير‏ .‏ وتذكر السورة الكريمة أهل
الكتاب بمن اهتدى منهم ومن حقت عليه الضلالة‏ ,‏ وتقفل سورة آل عمران بوصية من
الله‏ (تعالى‏)‏ إلى عباده المؤمنين هي عدتهم في مواجهة أهل الباطل في كل زمان
ومكان يقول لهم فيها‏ :"
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا
وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ "
(آل عمران‏:200)
.



من ركائز التشريع في سورة آل عمران :
أولا‏ًً :‏
المحرمات‏:
‏(‏1) تحريم اتخاذ الكافرين
أولياء من دون المؤمنين‏ ,‏ أو افتراء الكذب على الله‏ (تعالى‏)‏ أو الاستهانة
بعهوده وأيمانه‏ ,‏ أو الردة عن الإسلام لأنها كفر بالله
ورسوله‏ ,‏ وللمرتد أن يستتاب فإن تاب بصدق قبل الله توبته‏ ,‏ وإن لم يتب فإنه يموت على الكفر‏ ,‏
ويخلد في النار أبدا‏ .
‏(‏2) تحريم أكل الربا لأنه من السبع الموبقات والمهلكات
المعروفات بالكبائر‏ .
‏(‏3) تحريم التولي يوم الزحف لأنه من الكبائر كذلك‏ .‏

‏(‏4) تحريم الأخذ من الغنيمة خلسة‏ (الغلول‏)‏ لأن‏ (من يغلل يأت بما غل يوم
القيامة‏) .‏ ‏
(‏5) تحريم النفاق لأن‏ (المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن
تجد لهم نصيرا‏)
.‏


ثانيا‏ :‏ الواجبات‏ :‏
(‏1) الدعوة إلى الإنفاق في سبيل الله قدر
الاستطاعة‏ .
‏ (‏2) الحث على حج بيت الله لمن استطاع إليه سبيلا دون تراخ أو
تأخير‏ .‏
(‏3) تحكيم الشورى كقاعدة إسلامية للحكم في كل أمر من أمور المسلمين‏
.‏
(‏4)‏ مداومة الحث على الجهاد في سبيل الله‏ (تعالى‏) ,‏ والترغيب في الجهاد
من أجل إعلاء شأن الدين‏ ,‏ وإقامة عدل الله في الأرض‏
.‏


من ركائز العقيدة في سورة آل عمران
:
(‏1) الإيمان بالله‏ (تعالى‏)‏ ربا واحدا‏ (بغير
شريك‏ ,‏ ولا شبيه‏ ,‏ ولا منازع‏ ,‏ ولا صاحبة‏ ,‏ ولا ولد‏) ,‏ وتنزيهه تنزيها
كاملا عن جميع صفات خلقه‏ ,‏ وعن كل وصف لا يليق بجلاله‏ ,‏ واليقين بأن الله‏
(سبحانه وتعالى‏)‏ هو الحي القيوم‏ ,‏ الذي لا يخفي عليه شيء في الأرض ولا في
السماء‏ ,‏ وأنه‏ (تعالى‏) .‏ هو الذي يصور الخلق في الأرحام كيف يشاء‏ ,‏ وأنه هو
العزيز الحكيم‏ ,‏
وهو البصير
بالعباد‏ ,‏ ومالك الملك‏ ,‏ يؤتي الملك من يشاء‏ ,‏
وينزعه ممن يشاء‏ ,‏ ويعز من يشاء‏ ,‏ ويذل من يشاء‏ ,‏ بيده الخير وهو على كل شيء
قدير‏ ,‏ وأن النصر منه وحده‏ ,‏ يؤيد بنصره من يشاء‏ ,‏ وأن الهدي هداه‏ ,‏ وأن
الفضل العظيم بيده يؤتيه من يشاء‏ ,‏ وأنه واسع عليم‏ ,‏ يختص برحمته من يشاء‏ ,‏
وهو رءوف بالعباد‏ ,‏ وهو عزيز ذو انتقام‏ ,‏ وأنه لا يخلف الميعاد‏ .‏
(‏2)‏
التصديق بالوحي الذي أنزله ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ على فترة من الرسل‏ ,‏ وأتمه‏ ,‏
وأكمله‏ ,‏ وحفظه في رسالته الخاتمة‏ (القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة‏) .‏
وأن هذه الرسالة الخاتمة مصدقة لما سبقها من صور الوحي‏ ,‏ ومهيمنة عليها‏ ,‏ وعلى
ذلك فإن إيمان العبد لا يتم إلا بالإيمان بها وبالرسول الخاتم الذي تلقاها‏
.
(‏3) اليقين بأن كل نفس ذائقة الموت‏ ,‏ وأن الله‏ (تعالى‏)‏ جامع الناس ليوم
لا ريب فيه‏ ,‏ مما يجسد حقيقة الآخرة بل حتميتها‏ ,‏ وحقيقة ما ذكر القرآن الكريم
عنها وعما سوف يصاحبها من مشاهد وأحداث منها البعث‏ ,‏ والحساب‏ ,‏ والجنة والنار‏
,‏ وأن الجنة مثوى المتقين الذين تبيض وجوههم في الآخرة‏ ,‏ وأن النار مثوى
الكافرين الذي تسود وجوههم في هذا اليوم العصيب‏ .‏
(‏4)‏ الإيمان بأن الدين
عند الله الإسلام‏ ,‏ وأنه من يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب‏ ,‏ والتسليم
بحقيقة
" ومن يتبع غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في
الآخرة من الخاسرين‏ "
(آل عمران:85) .‏
(5)‏‏ التسليم بضرورة طاعة
الله‏ (تعالى‏)‏ وطاعة خاتم أنبيائه ورسله‏ (صلى الله عليه وسلم‏) ,‏ والالتزام
بسنته وهديه والاعتصام بحبل الله المتين ومحاربة كل فتنة تؤدي إلى فرقة المسلمين‏
.
(6)‏ التصديق بأن أمة الإسلام هي خير أمة أخرجت للناس لأنها تأمر بالمعروف‏ ,‏
وتنهى عن المنكر‏ ,‏ وتؤمن بالله‏ (تعالى‏)‏ فإن لم تلتزم بذلك فقدت هذه الخيرية‏
.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
نبيل خليل
عضو جديد


عدد المساهمات : 91
تاريخ التسجيل : 30/07/2011

مُساهمةموضوع: رد: الأعجاز التشريعى   الأحد سبتمبر 25, 2011 2:41 am

الإعجاز التشريعي

بقلم : د زغلول النجار - التاريخ : 2003-09-01



هذه الآية
الكريمة جاءت في أوائل النصف الثاني من سورة الحشر‏,‏ وهي سورة مدنية‏,‏ نزلت في السنة الرابعة من
الهجرة النبوية الشريفة‏,‏ وعدد آياتها أربع وعشرون بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا
الاسم ـ الحشر ـ بسبب حشر يهود بني النضير إلى بلاد الشام حين أخرجهم رسول الله‏ ـ‏
صلى الله عليه وسلم‏ ـ من جواره بالقرب من المدينة المنورة‏,‏ وإن لجأت طائفة منهم
إلى يهود خيبر‏.‏
ويدور المحور الرئيسي للسورة حول غزوة بني النضير التي وقعت في
ربيع الأول سنة‏4‏ هـ‏(‏ الموافق أغسطس سنة‏635‏ م‏),‏ وطردهم من الجزيرة
العربية‏,‏ وفضح مسلك المنافقين‏,‏ والثناء على الأخوة الإس
لامية الحقيقية
بين كلٍ من المهاجرين والأنصار‏,‏ وبيان أحكام الفيء‏,‏ ووصية المؤمنين بالتزام
التقوى والخشوع لله‏,‏ والتفكر في تدبيره الحكيم‏,‏ والاستعداد للآخرة‏,‏ وبالثناء
على الله‏ ـ تعالى ـ وتسبيحه‏,‏ وتنزيهه عن كل وصف لا يليق بجلاله‏,‏ وبيان عدد من
أسمائه الحسنى‏,‏ وصفاته العليا‏.‏
وتبدأ سورة الحشر بتأكيد حقيقة أن كل ما في
السماوات والأرض يسبح لله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ العزيز الحكيم، ويمجده، وينزهه عن كل وصف لا
يليق بجلاله‏,‏ تسبيحاً فطرياً تسخيرياً لغير المُكلَّفين من الخلق‏,‏ وتسبيحاً
إرادياً اختيارياً للمُكلَّفين منهم‏,‏ فقال‏ ـ‏ تعالى‏ ـ:‏
" سَبَّحَ
لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ

وَمَا فِي الأَرْضِ
وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ " ‏(‏
الحشر‏:1).‏

ثم أتبعت ذلك
بذكر إخراج يهود بني النضير من جزيرة العرب‏,‏ وقد وصفتهم بوصف الذين كفروا‏,‏
وكانوا يحقدون على الإسلام والمسلمين‏,‏ ويجاهرون بحقدهم عليهم‏,‏ وكراهيتهم لهم‏,‏
ولكنهم لم يكونوا أهل قتال لجبنهم وحرصهم على الحياة الدنيا‏,‏ فلجأوا إلى الدس
والتآمر لإيقاع الأذى بالمسلمين دون أن يقاتلوهم‏، وكانوا قد عاهدوا رسول الله‏ ـ
صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ حين قدم المدينة أن يقفوا على الحياد بينه وبين كفار قريش
بدعوى أنهم لا قِبَل لهم بهم‏,‏ فلا يكونون معه ولا عليه‏,‏ فلما انتصر المسلمون في
يوم بدر قال اليهود‏:‏ إنه النبي المنعوت في التوراة،لا تُرَدُّ له راية‏,‏ ولكنهم
نكصوا على أعقابهم بعد هزيمة المسلمين في معركة أحد‏,‏ فنقضوا عهدهم مع رسول الله‏
ـصلى الله عليه وسلم ـ وأظهروا له العداوة والبغضاء‏,‏ وتحالفوا مع كفار قريش
ضده‏,‏ وتآمروا على قتله وقتل أصحابه، ولكن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ حفظه
وحفظهم‏.‏
وكان كعب بن الأشرف‏ ـ أحد زعماء يهود بني النضير‏ ـ‏ قد فَجُرَ في
عدائه لرسول الله‏ ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأُفْحَشَ في هجائه والتآمر عليه وتأليب
الأعداء ضده فخرج في أربعين من أعوانه قاصدين كفار قريش للتحالف معهم على مقاتلة
المسلمين‏,‏ وعندما علم رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ بنقضهم لعهدهم معه‏,‏
أهدر دم كعب بن الأشرف‏,‏ وأمر أخاً له من الرضاعة بقتل كعب فقتله‏.‏
ثم كان أن
ذهب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ مع عشرة من كبار أصحابه ـ رضي الله عنهم
أجمعين ـ‏ إلى محلة بني النضير‏,‏ يطلب منهم المشاركة في أداء دية قتيلين بحكم ما
كان بينه وبينهم من عهود في أول مقدمه على المدينة المنورة‏,‏ فاستقبلوه بالترحاب
واعدين بأداء ما عليهم من حقوق‏,‏ بينما كانوا يدبرون في السر أمراً لاغتياله‏ ـ
صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ واغتيال من معه‏,‏ فأجلسوهم إلى جدار من بيوتهم‏,‏ وتهامسوا
فيما بينهم‏:‏ إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه‏,‏ فمن منكم يأخذ هذه الرحى ثم
يعلو هذا البيت فيلقي عليهم تلك الرحى، فيريحنا من محمد وأصحابه‏,‏ فقال أشقاهم ـ
عمرو بن جحاش‏ ـ:‏ أنا أقوم بذلك‏,‏ فقال لهم سلام بن مشكم‏:‏ لا تفعلوا، فوالله
ليُخْبَرَنَّ بما هممتم به‏,‏ وإنه لنقض للعهد الذي بيننا وبينه‏,‏ ولكنهم صمموا
على تنفيذ مؤامرتهم الخسيسة‏.‏
ونزل جبريل‏ ـ عليه السلام ـ ليُعْلِمَ رسول
الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ بما همُّوا به‏,‏ فنهض مسرعاً متوجهاً إلى
المدينة‏,‏ ولحق به أصحابه، فأخبرهم بما همَّ به اليهود من غدر‏.
وما لبث رسول
الله‏ ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن حاصر محلة بني النضير‏,‏ فتحصنوا داخل جدرهم
وحصونهم‏,‏ وأمر الرسول بخروجهم من المدينة، وأمهلهم عشرة أيام، فمن وُجِدَ منهم
بعد ذلك في المدينة ضربت عنقه‏,‏ فوافق اليهود على الخروج‏,‏ ولكن نفراً من
المنافقين في المدينة ـ وعلى رأسهم عبد الله بن أبي بن سلول ـ قاموا بإرسال رسالة
إلى اليهود أن اثبتوا وتمنعوا ولا تخرجوا من دياركم، فإن معنا ألفين يدخلون معكم
حصونكم‏,‏ فيموتون دونكم‏,‏ وسوف ينصركم يهود بني قريظة وحلفاؤكم من غطفان‏,‏ فتشجع
اليهود، وبعث زعيمهم حيي بن أخطب إلى رسول الله‏ ـ صلى الله عليه وسلم ـ يرفض
الخروج ويصر على المقاومة‏,‏ ففرض المسلمون عليهم الحصار‏,‏ وبدأ اليهود المتحصنون
بجدرهم في رمي جيش المسلمين بالنبل والحجارة، وكانت كثافة نخيلهم في البساتين
المحيطة بحصونهم عوناً لهم على ذلك‏,‏ فأمر رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏
بقطعها وتحريقها‏.‏ وتخلى يهود بني قريظة عن نجدتهم‏,‏ وتخلى عنهم كذلك رأس النفاق
عبد الله بن أبي بن سلول ومن معه من المنافقين وحلفائهم من غطفان‏,‏ فاضطروا إلى
التسليم بالخروج بعد حصار دام لعدة ليال‏,‏ فأمرهم رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه
وسلم‏ ـ‏ بالخروج بأنفسهم وذراريهم وما حملت الإبل من أموالهم إلا السلاح‏,‏ فقبلوا
بذلك، وأخذوا في هدم الجدران التي اتخذوها حصوناً وقت الحصار‏,‏ وفي تخريب بيوتهم
بأيديهم ليحملوا الأبواب والشبابيك وجذوع السقف والأوتاد‏,‏ حتى لا تقع في أيدي
المسلمين‏,‏ وخرجوا بما حملوا إلى خيبر‏,‏ وذهب أغلبهم إلى بلاد الشام‏ ـ‏
الحيرة‏,‏ وأريحاء‏,‏ وأذرعات‏,‏ وغيرها‏ ـ‏ إلا رجلين منهم أسلما، فأحرزا
أموالهما‏.‏
وفي هذا نزل قوله ـ تعالى ـ‏:‏
" هُوَ
الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ
لأَوَّلِ الحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا
وَظَنُّوا
أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ
لَمْ يَحْتَسِبُوا
وَقَذَفَ فِي
قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ
وَأَيْدِي
المُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ‏ .‏ وَلَوْلا أَن كَتَبَ
اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا
وَلَهُمْ فِي
الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ .‏ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا
اللَّهَ
وَرَسُولَهُ
وَمَن يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ
"
‏(‏
الحشر‏:2‏ ـ‏4).
وفي تخصيص غنائم
لحرب قال‏ ـ‏ تعالى ـ:‏

"
لِلْفُقَرَاءِ المُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن
دِيَارِهِمْ
وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً
وَيَنصُرُونَ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ " ‏(‏
الحشر‏:Cool.‏

وفي الإشادة
بموقف الأنصار يقول ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ:‏

"
وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ

وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ
إِلَيْهِمْ
وَلاَ يَجِدُونَ
فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا

وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ
بِهِمْ خَصَاصَةٌ
وَمَن يُوقَ
شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ .‏ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ
بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا
وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي
قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ "
‏(‏ الحشر‏:10,9).
وفي ذم النفاق
والمنافقين يقول ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ:‏

" أَلَمْ
تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ
أَهْلِ الكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ
وَلاَ نُطِيعُ
فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً

وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ
يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ‏.‏ لَئِنْ أُخْرِجُوا لاَ يَخْرُجُونَ
مَعَهُمْ
وَلَئِن
قُوتِلُوا لاَ يَنصُرُونَهُمْ

وَلَئِن نَّصَرُوَهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ
"

(‏ الحشر‏:11،
12).‏
وفي تأكيد جبن
كلٍ من اليهود والمتهودين وحرصهم على الحياة الدنيا‏,‏ وعلى خلافهم فيما بينهم يقول
الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ:‏
" لاَ
يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن
وَرَاءِ
جُدُرٍ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً
وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ "
(‏ الحشر‏:14).‏
ثم توجه سورة
الحشر الخطاب إلى الذين آمنوا وذلك بقول الحق ـ‏ تبارك وتعالى ـ:‏

" يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ
وَلْتَنظُرْ
نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ

وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ‏ .‏
وَلاَ
تَكُونُوا
كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ
"
(‏ الحشر‏:19,18).‏
وتؤكد الآيات أن
أصحاب النار وأصحاب الجنة لا يستوون‏,‏ فأصحاب الجنة هم الفائزون‏.‏
وفي تعظيم
القرآن الكريم يقول ربنا‏ ـ‏ تبارك اسمه‏ ـ:‏
" لَوْ
أَنزَلْنَا هَذَا القُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً
مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ

وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ
"
‏(‏ الحشر‏:21).‏

وتختتم سورة
الحشر بتسبيح الله ـ‏ تعالى ـ‏ وتوحيده وتمجيده‏,‏ وذكر جانب من أسمائه الحسنى‏,‏
وصفاته العليا التي لا تليق إلا بجلاله‏,‏ مؤكدة مرة أخرى ما ذكرته في مطلع السورة
المباركة من أن الله‏ ـ‏ تعالى ـ
" ...‏
يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ

وَالأَرْضِ
وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ " ‏(‏
الحشر‏:24).


من ركائز العقيدة في سورة الحشر:
‏(1)‏ أن جميع
من في السماوات ومن في الأرض يسبح الله العزيز الحكيم تسبيحاً فطرياً تسخيرياً لغير
المُكلَّفين‏,‏ وتسبيحاً إرادياً اختيارياً للمُكلَّفين‏,‏ فإذا لم تنطق به ألسنتهم
فإن كل ذرة في خلايا أجسادهم تنطق بذلك رغم أنوفهم‏.‏
‏(2)‏ أنه ما من حدث يحدث
على الأرض أو في السماوات إلا بعلم الله‏.‏
‏(3)‏ أنه من يشاقِّ الله ورسوله فإن
الله شديد العقاب‏,‏ وهو ـ‏ سبحانه‏ ـ رءوف رحيم‏.‏
‏(4)‏ أن الله ـ تعالى ـ‏
يسلط جنده على من يشاء من خلقه، وهو على كل شيء قدير‏.‏
‏(5)‏ أن على كل مسلم أن
يؤمن بما جاء به الرسول الخاتم‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ وأن ينتهي عما نهى عنه‏,‏
ومن أوامره الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله‏,‏ وباليوم الآخر‏,‏ وبالجنة
والنار‏,‏ وبأن أصحاب النار وأصحاب الجنة لا يستوون‏,‏ وأنه حذَّر من الشيطان الذي
هو للإنسان عدو مبين‏.‏
‏(6)‏ أن من صدق الإيمان نصرة الله ورسوله ـ أي نصرة
الإسلام الذي أنزله الله على خاتم أنبيائه ورسله‏ ـ‏ ونصرة المسلمين في كل مكان
مهما يكن الثمن‏.‏
‏(7)‏
أنه " وَمَن
يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ‏ "
(‏
الحشر‏:9).‏

‏(Cool‏ الإيمان
بضرورة تعظيم القرآن الكريم‏.‏
‏(9)‏ الإيمان بوحدانية الله وبتنزيهه عن الشرك
وعن كل وصف آخر لا يليق بجلاله‏,‏ وإثبات ما أثبت لذاته العلية من الأسماء الحسنى
والصفات العُلَا‏.‏

من أقوال المفسرين:
في تفسير قوله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ:

" لاَ
يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن
وَرَاءِ
جُدُرٍ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً
وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ "
‏(‏ الحشر‏:14).‏
ذكر ابن كثير ـ
يرحمه الله‏ ـ‏ ما مختصره‏:...‏ يعني أنهم من جبنهم وهلعهم‏ لا يقدرون على مواجهة
جيش الإسلام‏,‏ بل إما في حصون أو من وراء جدر محاصرين‏,‏ فيقاتلون للدفع عنهم
ضرورة‏,‏ ثم قال ـ تعالى ـ‏:
" بَأْسُهُم
بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ‏ "‏
أي عداوتهم فيما بينهم شديدة، كما قال ـ تعالى ـ‏: "‏ وَيُذِيقَ
بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ‏ "
(الأنعام:65),‏ ولهذا قال ـ تعالى‏ ـ: "‏
تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً

وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى
"‏
أي تراهم
مجتمعين

فتحسبهم مؤتلفين‏,‏ وهم مختلفون غاية الاختلاف‏. " ذَلِكَ
بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ

"
. (انتهى قول
المفسر)

وجاء في تفسير
الجلالين ـ رحم الله كاتبيه‏ ـ‏ ما نصه‏:
" لاَ
يُقَاتِلُونَكُمْ

‏"‏

أي
اليهود
.
" جَمِيعاً‏ "‏ مجتمعين. ‏"‏ إِلاَّ
فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن

وَرَاءِ جُدُرٍ ". "‏
بَأْسُهُم

"
أي
حربهم‏.

" بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً
"
مجتمعين‏. "‏
وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى

"‏
متفرقة خلاف
الحسبان.

" ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ
"‏
فأهل
الباطل

مختلفة آراؤهم وأهواؤهم‏,‏ لا يجتمعون إلا في عداوة أهل الحق‏.‏ (انتهى
قول المفسر)
وذكر صاحب الظلال ـرحمه الله رحمة واسعة‏ ـ‏ ما نصه‏:...‏ ولا تزال
الأيام تكشف حقيقة الإعجاز في تشخيص حالة المنافقين والكافرين حينما التقى المؤمنون
بهم في أي زمان وفي أي مكان‏ بشكل واضح للعيان‏،‏ ولقد شهدت الاشتباكات الأخيرة في
الأرض المقدسة بين المؤمنين المجاهدين وبين اليهود مصداق هذا الخبر بصورة عجيبة‏،‏
فما كانوا يقاتلونهم إلا في المستعمرات المحصنة في أرض فلسطين المحتلة‏,‏ فإذا
انكشفوا لحظة واحدة ولَّوا الأدبار كالجرذان‏,‏ حتى لكأن هذه الآية نزلت فيهم
ابتداء‏اً,‏ وسبحان العليم الخبير.‏
وتبقى الملامح النفسية الأخرى
" بَأْسُهُم
بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً

وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ
يَعْقِلُونَ

"
على خلاف
المؤمنين الذين تتضامن أجيالهم‏,‏ وتجمعهم آصرة الإيمان من وراء فواصل الزمان
والمكان‏,‏ والجنس والوطن والعشيرة‏.‏
والمظاهر قد تخدع فنرى تضامن الذين كفروا
فيما بينهم‏,‏ ونرى عصبيتهم بعضهم لبعض‏,‏ كما نرى تجمع المنافقين أحياناً في معسكر
واحد‏،‏ ولكن الخبر الصادق من السماء يأتينا بأنهم ليسوا كذلك في حقيقتهم،‏ إنما هو
مظهر خارجي خادع‏,‏ وبين الحين والحين ينكشف هذا الستار الخداع‏,‏ فيبدو من ورائه
صدق الخبر في دنيا الواقع المنظور‏,‏ وينكشف الحال عن نزاع داخلَ المعسكر الواحد‏,‏
قائم على اختلاف المصالح‏,‏ وتفرق الأهواء‏,‏ وتصادم الاتجاهات‏.‏ وما صدق المؤمنون
مرة‏,‏ وتجمعت قلوبهم على الله حقاً إلا وانكشف المعسكر الآخر أمامهم عن هذه
الاختلافات‏,‏ وهذا التضارب‏,‏ وهذا الرياء الذي لا يمثل حقيقة الحال، وما صبر
المؤمنون وثبتوا إلا وشهدوا مظهر التماسك بين أهل الباطل يتفسخ وينهار‏,‏ وينكشف عن
الخلاف الحاد‏,‏ والشقاق والكيد‏,‏ والدس في القلوب الشتيتة المتفرقة‏.‏
والقرآن
الكريم يقر هذه الحقيقة في قلوب المؤمنين‏ ليُهَوِّن بها من شأن أعدائهم‏,‏ ويرفع
منها هيبة هؤلاء الأعداء ورهبتهم‏، فهو إيحاء قائم على حقيقة‏,‏ وتعبئة روحية ترتكن
إلى حق ثابت‏،‏ ومتى أخذ المسلمون قرآنهم مأخذ الجد هان عليهم أمر عدوهم وعدو
الله‏,‏ وتجمعت قلوبهم في الصف الواحد‏,‏ فلم تقف لهم قوة في الحياة‏.‏ والمؤمنون
بالله ينبغي أن يدركوا حقيقة حالهم وحال أعدائهم‏،‏ فهذا نصف المعركة‏,‏ والقرآن
الكريم يطلعهم على هذه الحقيقة في سياق وصفه لحادث وقع‏,‏ وفي سياق التعقيب عليه‏,‏
وشرح ما وراءه من حقائق ودلائل‏,‏ شرحها يفيد منه الذين شهدوا ذلك الحادث بعينه‏,‏
ويتدبره كل من جاء بعدهم‏,‏ وأراد أن يعرف الحقيقة من العالم بالحقيقة‏.‏ (انتهى
قول المفسر)
وجاء في صفوة البيان لمعاني القرآن‏ ـ رحم الله كاتبه‏ ـ‏ ما
نصه
‏:
" لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ ‏" ـ أي اليهود ـ
لا يقدرون على قتالكم
"
جَمِيعاً

"
أي
مجتمعين
‏. " إِلاَّ
فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ

"
بالخنادق
والحصون ونحوها
. " أَوْ
مِن
وَرَاءِ
جُدُرٍ

"‏
يتسترون بها دون أن يصحروا لكم ويبارزوكم لفرط رهبتهم
منكم‏.
" بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ " أي إذا لم
يلقوا عدوا نسبوا أنفسهم إلى الشدة والبأس‏,‏ ولكن إذا لقوا العدو
انهزموا
‏. "
تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً
وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى
"
أهواؤهم متفرقة
فيما بينهم‏ ....‏ (انتهى قول المفسر)
وجاء في كلٍ من المنتخب في تفسير القرآن
الكريم وصفوة التفاسير كلام مشابه لا أرى حاجة إلى تكراره‏.‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
الأعجاز التشريعى
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 4 من اصل 4انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الرضا والنور  :: المنتدى الاسلامى :: عجاز العلمي في القران والسنة النبوية الشريفة-
انتقل الى: